مخطوطات ومطبوعات عمانية تعيش عمرا جديدا بحفظها رقميا
سهَّلتْ صيغة الحفظ الرقمية pdf على الباحثين الحصول على كتب ووثائق نادرة، ورَفْعِها في المَنصَّات والمكتبات الإلكترونية، بعد أن عَزَّ الحصول على نسخ ورقية منها، إلا ما يجده الباحث مصادفة في مكتبات بيع الكتب المُستعملة، ورُبَّ صُدفة أهدَتْ تحفة أدبية أو فكرية أو علمية مُهمَّة، وأهميتها في ندرتها، لأنه لا يوجد منها نُسَخ ورقيَّة في سوق بيع الكتب.
كنا سابقا نسمع عن كتب صَدرَتْ في مطلع القرن العشرين وما قبل ذلك، ولم نَرَ شكلها الورَقي، ولا وقفنا على نسخ منها، وهي كثيرة وفي مختلف المجالات، وكيف السبيل إليها في بلد لا توجد فيه مكتبات لبيع الكتب القديمة والمستعملة، كالذي نراه في بعض العواصم العربية: القاهرة وبغداد ودمشق ولبنان والرِّباط مثالاً لا حصرا، فهذه الكتب النادرة مثار فضول الباحث عن نسخة منها، أو من لديه رغبة التملك، أو التصفح والمطالعة، والتعرُّف على الشكل الإخراجي لمَتْن الكتاب، وكيف كان شكله في طبعته الأولى، أو طبعته الوحيدة التي نفَدَت وَعَزَّ الحصول عليها بتقادم الأيام.
وكنا نسمع كثيرا عن الطبعات الحجرية للكتب، بما كان يشوبها من أخطاء طباعية، ولكن ما أكثر الكتب التي ظهرت بطبعة حجرية قبل عقود من السنين، يراها البعض أنها أفضل مما يُطبع حديثاً على ورق «الشامواه»، فبعض الكتب حديثة الطباعة قد تتعرض متونها إلى تحريف وسقط، وبعضها يُحذف منها ما كان مُرْفقاً في الطبعات الأولى، كالصور التعبيرية أو الضوئية، فلا نجدها في الطبعات التالية لتلك الكتب، أو يتم التقليل منها، أو استبدال القديمة بغيرها، وبعضها تتضمن مقدمات كُتِبَتْ بأقلام مُحققين وناشرين ومراجعين، ويحدث أن تحذفَ تلك المقدمات اختصارا لمتن الكتاب، أو يُقللَ من سُمْك الورق فتقلُّ بسببه أجزاء الكتاب، ليسهل حمله وترخُصُ تكاليف شحنه.
ومن خلال هذه الكتب القديمة، التي بدأت تظهر بصيغة pdf في المواقع الإلكترونية، وهي أكثر الصيغ الرقمية انتشاراً وقبولاً للتصفُّح، في أجهزة المحمول اللوحية والهواتف النقالة، تعرَّفنا من جديد على صور للحياة الثقافية الماضية، وعلى كُتُبٍ صَدَرتْ قبل عقود من السنين تصل إلى قرن أو أكثر، فنفدت نُسَخها بعد حين من السنوات، ولم تُعَد طباعتها، وبعضها إصدارات لأدباء مغمورين ذابوا في خضم الحياة، ولم يظهر لهم أثَرٌ، فبقيت مؤلفاتهم بصْمَة رائعة تذكِّر بهم.
وخلال جلسة قصيرة مع الهاتف المَحمُول، أو الحاسوب الموصَّل بشبكة الانترنت، يمكن الدخول إلى هذه المكتبات والمواقع الإلكترونية، التي تعمل في حفظ وأرشفة هذه الكتب، وإتاحتها للقارئ، من خلال تصويرها وتحويلها إلى صيغة pdf، هذه المواقع في الغالب أتاحت فرصة الحصول على نسخ رقمية من كتُب عَزَّ مثيلها، ونَدَرَ الحصول عليها اليوم ورقياً، وهي بهذه الصيغة الرَّقمية تعيش عمراً جديداً وحياة أطول، فتصل إلى الأجيال القادمة، ولتكون في يد القارئ والباحث بوضوح متناهي الوصف، فيتصفحها ويقرؤها، وتقوده روابطها إلى حافظاتها الدقيقة، فتقدِّم للقارئ كتاباً لم يخطر في باله، ويمكن الحصول على هذه الكتب بكتابة جملة مفتاحية على المتصفح مثل: «كتب قديمة نادرة»، تصل به إلى أراشيف ومنصَّات حَفَظتْ الكتب والوثائق تحت هذا الاسم.
سأعطي مثالاً على ذلك بكتاب «الجامع الصَّحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب»، فقد بحثتُ عما كُتِب عنه في الموسُوعة العُمانية، وقرأتُ تعريفاً أشار إلى طبعته الحجرية الأولى، الصادرة في الجزائر عام 1326هـ/ 1908م، متبوعة بهذه الجُملة: (وقَدَّم عبدالله بن حميد السالمي نسخة شبه محققة من المُسْند، وهي التي طبعت وانتشرت في عُمَان وغيرها..)، من غير معلومات واضحة عن تاريخ طباعته.
لكنَّ صُدْفة البحث عن نوادر الكتب في المواقع الإلكترونية، أوصلتني إلى نسخة محفوظة رقمياً من هذا الكتاب، وحين حمَّلته عرفت أنه طبع في مطابع النجاح، بباب الخَلْق بمصر، سنة 1328هـ، مع تعليق آخر ظهر في صفحة الغلاف الداخلية، تعطي معلومات مفيدة للباحث، وهي: (طبع بخدمة السيد قاسم بن سعيد الشمَّاخي بمصر، بإذن حجَّة الإسلام، مخرج هذا الكنز الثمين إلى حيِّز الظهور، ومصححه وشارحه، العلامة شيخنا عبدالله بن حميد السَّالمي، مرجع الدِّين ببلدة القابل، شرقي إقليم عُمَان، كافأهُ الله على جهاده المبرور، وأذاع فضله المشكور).
هذه الإشارات التوثيقية المُهمَّة، لم تُذْكَر في المَوسُوعة العُمانية، ولربما لم تكن حاضِرة في ذهن كاتب المدخل الخاص بمسند الرَّبيع: «الجامع الصحيح»، وكان يمكن أن يضيع تاريخ نشره، بضياع تلك الطبعة الصَّادِرَة في مصر عام 1328م/ 1910م، أي قبل وفاة شارحه الشيخ عبدالله بن حميد السالمي بأربع سنوات، (توفي سنة 1332هـ/ 1914م)، وفي هذه الطبعة المصرية قَدَّم له السالمي بستة تنبيهات، ظهرت في الطبعات اللاحقة بعد ذلك، وهذا جانب من منافع حفظ الكتب إلكترونياً، لأنه من خلالها يستوفي الباحث معلوماته البحثية، لذا من الأهمية حفظ الكتب القديمة رقمياً.
هناك مشروع مشابه، نفذته وزارة التراث والثقافة، وما تزال قائمة عليه في مسماها الحالي: «الثقافة والرياضة والشباب"، وهو تصوير «المخطوطات» التي تحتفظ بها الوزارة في خزائنها بدار المَخطوطات والوثائق، وتتم هذه العملية بتقنية المَسْح الضوئي، وبثلاث صيغ رقمية، وهي: صيغة (TIFF)، وصيغة: (pdf)، وصيغة: JPG))، وتم إطلاق منصَّة إلكترونية خاصة بالمَخطوطات العُمانية التي تحتفظ بها الوزارة، بالتعاون مع شركة «عمانتل»، في مايو 2019م، وهو ما فتح المجال للباحثين والقراء، ووجدوا فيه نافذة سهلة، أتاحت لهم الحصول على المخطوطات العمانية بصيغة: pdf، لمن يرغب في دراستها أو تحقيقها أو اعتمادها كمصادر ومراجع بحثية، وقراءة وتحميل أي من المخطوطات، بعد أن كان يتم تصويرها بطرق تقليدية، فيعرِّض ورقها الأصْلي للتلف، ولكي تبقى تلك الكنوز في أمان، وتعيش حياة أطول، فقد تم إنجاز المشروع، وحفظ المخطوطات العُمانية بهذه الوسيلة الحديثة، مثلما حُفِظت من قبل في خزائن خاصة، لا تصلها دواب العَثِّ والأرُضَّةِ، ولا تؤثر عليها الرطوبة، ويمكن الاطلاع على ودائع المنصة الرقمية، من خلال الضغط على هذا الرابط: www.manuscripts.om، ففيه الكثير مما يفيد المتصفِّح، ويثريه بالصور الملونة للمخطوطات، والمعلومات القيَّمة عن المشروع، هذه المنصة أتاحت الفرصة لنشر المخطوطات العُمانية في فضاء العالم الرَّحب، ويمكن شراء أي من الكتب المحفوظة بسعر عشرة ريالات، وتبلغ حمولة المنصة ما يصل عدده إلى ألفي مخطوط على وجه التقريب.
إن العالم يعيش في تسارع تقني، وسيكشف المستقبل عن وسائل جديدة، في حفظ ونشر الكتب والوثائق، وغيرها من المُصورات، وبالمقابل لا تخلو هذه الوسائل من خطورة على التراث الفكري التأليفي، لأنه عُرضة للاختراق و«التهكير» والسَّرقة، وكم سمعنا الكثير من قصص الاحتيال، التي طالت أراشيف مهمة لمؤسسات رسمية، فضاعت كنوز محفوظاتها.
كما إني لاحظت في المكتبات الرَّقمية العَربيَّة ندرة الكتب العُمانية، إلا من بعض الكتب المطبوعة قديماً في بعض العَواصِم، والكتاب العُماني مخطوطاً ومطبوعاً، يستحق أن ينال حظه من النشر الرقمي، متجاوزاً كل الحدود و الأسيجة والعُقد والصعوبات بكل أنواعها، التي وقفت خلال القرون الماضية عائقاً أمام نشره، وليكون في يدي القارئ والباحث العربي، ما أمكنه ذلك، ولعلي أُلمِحُ إلى ضرورة إنشاء مكتبات رقمية عُمَانية، تُعْنَى بحفظ الكتاب العُمانِي المطبوع قديما، فهو في قيمة الكتاب المَخطوط، خاصَّة الطبعات النادرة، والنافدة من سوق الكتاب، وكذلك الكتب الحديثة، بما يخدم انتشارها على نطاق أوسع.
