محمود الرحبي: الروايات التاريخية الأكثر تأثيرا.. والناقد لم يعد صاحب سلطة
قال الروائي محمود الرحبي إن الكتابة الأدبية الجماهيرية تبدأ من الجمهور، أي أن الجمهور هو أساس الكتابة، وذلك على حساب الفائدة، مشيرا إلى أن الكثير من الكتاب يحاول الموازنة بين تقديم مادة يرغب بها الجمهور والفائدة، وأوضح أن مسارات الأدب الجماهيري متعددة، منها كاتبة أدبية تجد طريقها إلى الجمهور بشكل واسع عن طريق الصدفة، أو أن يكون الكاتب أساسا ذا شهرة واسعة فمع أي إصدار له -ولو كان الأول- سيكون إصداره جماهيريا، أو عن طريق الفوز بالجوائز، أو من خلال السمعة التي يصنعها الجمهور بنفسه، أو من خلال الترجمة.
وجاء حديث الرحبي ضمن جلسة حوارية أقيمت على هامش معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الـ41، بعنوان «سمات الأدب الجماهيري»، وتحدث في الندوة إلى جانب محمود الرحبي كل من الكاتبة الكندية نيتا بروز، والروائي بومدين بلكبير من الجزائر، والصحفي والناشر صالح البيضاني من اليمن.
وقال الرحبي: «ليس بالضرورة أن يكون الكاتب أديبا حتى يكون مشهورا، فالكثير من المشاهير -حاليا أو سابقا- حينما يصدرون كتابا يتهافت عليه الجمهور ويحقق مبيعات كبيرة وطبعات عديدة، وخاصة حينما يتعلق الأمر بسيرة شخصية للكاتب المشهور، فالجمهور في غالبه لديه فضول لمعرفة حياة شخصية مشهورة تأثر بها، فمثلا الكاتب ماركيز صدرت له العديد من الأعمال وحققت مبيعات مرتفعة، لكن كتابه «عشت لأروي» الذي يتحدث فيه عن سيرته حقق أعلى المبيعات بشكل كبير».
وتابع الرحبي قائلا: «المؤثرات على تحقيق الجماهيرية كثيرة، ومنها الجوائز العالمية، أو حتى العربية، ولكن هناك كتّاب يحققون مبيعات كبيرة ولم تشهد سيرتهم تحقيق أية جائزة، منهم الروائي الطيب صالح، فهناك ثالوث لتحقيق الشهرة، الكاتب، والناشر، والقارئ أو الجمهور».
ومما أشار إليه الرحبي من خلال تجربته أن الروايات التاريخية هي الأكثر انتشارا، وفي رأيه أنها تكشف جانبا من المجهول، وإن كانت خيالا إلا أنها تعكس شيئا كبيرا من الواقع، وقال: «الكثير من الجمهور يميل إلى الشيء الحقيقي أو الواقعي ولا يرغب الكثير من الجمهور بالخيال البحت».
وفي سياق الجلسة الحوارية تحدثت الكاتبة العمانية الدكتورة آمنة الربيع عن دور الناقد في تحقيق الشهرة للكتاب، ليجيب الرحبي بقوله: «لم يعد هناك نقد حقيقي وموضوعي في الإعلام، وربما يرجع ذلك إلى قلة المتخصصين في النقد من العاملين في المجال الإعلامي، أو أن الإنتاج الأدبي كبير بشكل لا يستطيع النقاد مجاراته، فما هو موجود اليوم قراءات لإصدارات فقط»، كما أشار إلى أن النقد لم يعد يحظى بسلطة مؤثرة كما كان في السابق.
الثقافة الشخصية
من جانبها، لفتت الكاتبة الكندية نيتا بروز، مؤلفة رواية «الخادمة» التي تُرجمت لأكثر من 35 لغة عالمية، إلى أن الترجمة تصنع فارقا جوهريا في تعزيز جماهيرية الكتاب، فإذا نجح الكاتب بترجمة عمله إلى لغات عالمية، سيضمن التغلب على عقبات الوصول إلى الثقافات المختلفة، والانتقال من الشخصي والمحلي إلى العالمي، وهو هدف يصعب تحقيقه، إذ ينبغي للكاتب ابتكار قصة وشخصيات لا تناسب ثقافته الشخصية فحسب، وإنما كافة الثقافات، والتواصل معها.
وأضافت: «تمثل الترجمة بوابة إلى العالمية، وإذا لم يتوفر للكاتب فرصة ترجمة أعماله، ستُغلق هذه البوابة أمامه، وسيخسر فرصة كبيرة، سنخسر جميعنا كمؤلفين وقرّاء فرصة فهم الثقافات الأخرى، ووجهات النظر المختلفة، والانتقال من التجارب الشخصية إلى الاستفادة من الخبرات العالمية».
سمات عربية
بدوره، أكد الصحفي والناشر صالح البيضاني وجود تباينات كبيرة بين سمات الأدب الجماهيري في الغرب عموما وفي العالم العربي، حيث يتميز الغرب بمنصات إعلامية وثقافية راسخة يمكنها رصد أهمية الكتّاب والكتب التي صدرت حديثا، بالإضافة إلى قوائم شهرية وأسبوعية بأكثر الكتب مبيعا، والمؤسسات التي تأخذ بيد الكاتب وتقدم له نقلة هائلة على صعيد الانتشار والترجمة إلى لغات أخرى. وأضاف: «سمات الأدب الجماهيري في العالم العربي مختلفة تماما، وتعتمد إلى حد كبير على العشوائية، ولا توجد معايير ثابتة يمكن من خلالها تتبع هذا النمط من الكتابات التي تحظى بشهرة واسعة، بل تعتمد على بعض الانتشار الذي يحققه الكاتب إما بشكل فردي، وإما من خلال حصوله على جائزة مثل جائزة البوكر العربية أو جائزة الشيخ زايد، ومؤخرا استطاعت وسائل التواصل الاجتماعي أن تفرز جيلا جديدا من الكتّاب الشباب الذين استطاعوا اختراق الحواجز التقليدية، والوصول إلى شريحة أكبر من القرّاء، وبشكل خاص الشعراء وكتاب القصة القصيرة». وأشار إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي استطاعت أن تحرر الكتّاب من سطوة المحرر الثقافي في الوسائل التقليدية، ومن سطوة الناقد، حيث أصبح الكاتب قادرا على الحصول على آراء القرّاء مباشرة، ولم يعد رهينة للناقد.
مسوحات دقيقة
فيما أشار الروائي بومدين بلكبير إلى أن مسألة الجماهيرية تتطلب إجراء مسوحات دقيقة وشاملة للمنطقة العربية، مؤكدا وجود عدة عوامل جعلت من الكتابات الجماهيرية في صدارة الأعمال الأدبية، منها الترويج الواسع والتسويق الجيد للكتب من خلال قوة صورة الغلاف وألوانه وتصميماته وجمالياته، وسلطة الأرقام، حيث إن كثيرا من الناشرين يتعمدون كتابة عبارة «الأكثر مبيعا»، «وبيعت منها ملايين النسخ»، بالإضافة إلى كاريزما الكاتب وصورته، وفقا لاهتمام القراء بحياة الكاتب «النجم»، فضلا عن أهمية الترجمة، والجوائز التي تؤدي دورا أساسيا في إبراز الأعمال. وأضاف: «في الولايات المتحدة وكندا توجد صناعة حقيقية للكتاب تسهم في نجاحه، حيث إننا نتكلم عن إنتاج ونشر وتوزيع الكتاب بمعايير عالمية تسهل إبرام العقود والاتفاقات، وسهولة إجراءات نفاذ الكتاب إلى الأسواق الداخلية والخارجية، وعلى الصعيد الشخصي لاقت رواياتي بعض الرواج لكن وصول آخر رواياتي «زنقة الطليان» إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العالمية أسهم بإعادة طباعتها عدة مرات، وترجمتها إلى عدة لغات، فضلا عن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا ننسى دور الإعلام التقليدي، لأن وصول الكتابات الأدبية إلى الجماهيرية لا يمر على طريق واحد، وإنما على عدة طرق عبر استراتيجية متكاملة لدار النشر في الترويج للكتاب وتسويقه».
