رحلة بين دفتين .. الفتنة الناعمة في كتاب القهوة والأدب
بين القهوة والأدب يمتد خيط فضي خفي، القهوة تلك الفتنة الناعمة التي تصلنا رائحتها قبل تذوقها مثل أنثى تمارس غوايتها. هذا ما تحدثه رائحة القهوة، فهي تأخذك عنوة حين تطوق فنجانها بأصابعك، تنساب في فم عاشقها فتوقظ الأحلام الناعسة وتنشر بهجتها في المكان.
وفي كتاب «القهوة والأدب» لجيرار جورج لومير ندرك تلك العلاقة البعيدة بين القهوة والكتاب من خلال سرد أساطير مسرفة في أحلامها، من بدايات ظهورها ورحلتها عبر زمن لا يتوقف يوفر لها أسباب بقائها.
سافرت القهوة عبر الزمن حاملة معها أسرارها وأحلام عشاقها من رحالة ومستكشفين، وأُلفت عن سمرتها الفاتنة قصائد ورسائل وحكايات. فمن حالة الوجد والتسامي عند المتصوفة وما تحدثه من آثر في أرواحهم إلى شجن الشعراء والأدباء في تأملاتهم وإصغائهم لصوت الحياة.
يسافر بنا جيرار جورج في كتابه هذا إلى عواصم ومدن ومقاهٍ وبوهيميين أوائل كرسوا أحلامهم وأوقاتهم في منادمة هذه السمراء التي كانت تفتن العابر بما تحدثه من أنس في أماكن ارتيادها، فهناك العباد الذين تمنحهم سكينتها، وهناك المحاربون القدامى الذين أنهكتهم الحياة وما استراحوا من تعبها، وهناك الحكايات التي تنتقل بين الشفاه فتضطرب في جنبات المكان مانحة سحرها ومنفلتة من ربقة الزمان إلى عوالم لا مرئية تستريح معها الأرواح المهشمة.
فمن اليمن السعيد بزرقة سمائه وحقوله الخضراء، اليمن الذي ينثر أغنياته في الريح والمنحدرات، إلى دمشق وأسواق بلاد الأتراك، تشق السمراء طريقها غير عابئة بما تحدثه من أثر في ثقافات الأقوام، فنراها تقاسم السلاطين العثمانيين أوقاتهم.
وتسرد لنا ليلى هانم بلغة وردية ساحرة ذكرياتها في القصور العثمانية، في وصف فاتن لطقوس تقديم القهوة: « ها هي الطريقة التي كانت تقدم بها القهوة إلى السلطان، فهي تصل معدة في إبريق قهوة مصنوع من الذهب الخالص مغلق بغطاء، موضوع على رماد حار داخل ما يشبه حوض صغير مصنوع من الذهب أيضا، ومعلق بثلاث سلاسل مجتمعة في الأعلى لتمسك الخادمة بها.
تسمى هذه الطريقة بالسيتيل Sitil. وثمة خادمتان أخريان تمسكان بصينية من الذهب عليها أكواب صغيرة لشرب القهوة مصنوعة من البورسلين الرقيق من ساكس أو الصين، مع أوان من الذهب مرصعة ومطعمة بالأحجار الكريمة، تمسك هاتان الفتاتان مع الصينية ببساط من الحرير أو المخمل، ومحاك على جوانبه بسجف من الذهب وباللآلئ والأحجار الكريمة، تتوسطه نقشة مرصعة بالألماس ومحاطة بخيوط الذهب، البساط مطوي قليلا عند إحدى زواياه وتمسك الفتاتان كل منهما بطرف منه براحة اليد، وفي الوقت ذاته بالصينية التي يحيط البساط بجوانبها ثم يتدلى في شكل زاوية إلى الأسفل، وتأخذ المحظية الأولى الآنية من الصينية لتضع بعناية كوبا عليها، ثم تمسك بوساطة قطعة من القماش الأبيض القطني موجودة عادة على الصينية بعروة الإبريق وتصب القهوة، وتكون حينذاك قد أخذت برفق بأطراف أصابعها، الطرف السفلي من الآنية بطرف السبابة وتقوم بتثبيته بالإبهام، ثم تحمله إلى السلطان بحركة رشيقة ماهرة للغاية»(1).
لا تكتفي المعشوقة السمراء بالمكان والزمان الواحد، بل تواصل رحلتها في البحث عن مواعيد حب أخرى وعن عشاق جدد، حيث للموسيقا حكاية أخرى معها في مقاهٍ تأنس إليها الأرواح «هناك في المقاهي عدد كبير من عازفي الكمان والمزمار، وموسيقيين مختلفين يستأجرهم صاحب المقهى، لكي يعزفوا ويغنوا خلال جزء كبير من النهار»(2).
وفي العصر الحديث يحدثنا جيرار جورج عن علاقة نجيب محفوظ وجمال الغيطاني بمقاهي القاهرة والإسكندرية، حيث للأدب حكاية أخرى لا تمل بين سطور هذا الكتاب.
هوامش:
1- القهوة والأدب، جيرار جورج لومير،ت: د. مي محمود. دار ألكا.
2- نفس المصدر.
