جاك دريدا التفكير وقول لا
خلال العام الدراسي 1960-1961، حاول الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا (1930 – 2004) – الذي كان يومها أستاذا مساعدًا لمادة الفلسفة العامة والمنطق في جامعة السوربون – أن يقوم بمشروع قراءة لواحدة من الجُمل الشهيرة العائدة لفيلسوف فرنسي آخر، هو آلان (اسمه الحقيقي إميل شارتييه 1886–1951، والذي وسم أجيالا كاملة من دارسي الفلسفة) – وهي جُملة: "أن تفكر: أن تقول لا". نتجت عن هذه القراءة "الجليلة" أربع محاضرات، أشارت، فيما أشارت إليه، إلى البذور الأولى لقراءة علامات المشروع الفكري الكتابي، لـــ دريدا، الذي عُرِف لاحقا بالتفكيكية. كذلك جاءت هذه القراءة لتندرج أيضا في فكرة الــ "نعم" والــ "لا"، أي في أساس ما يكون الفكر عليه وما يرمي إليه حين يقول (نعم، لا). بمعنى آخر، جاءت هذه القراءة لتحمل في طياتها تلك الأسئلة التي كانت بمثابة نقاط ارتكاز متكررة بالنسبة إلى دريدا في ستينيات القرن الماضي – وهو العقد الزمني الذي عرف "فورة" كبيرة في فرنسا، سواء من الناحية الفكرية أو الفنية أو من الناحية الاجتماعية والسياسية.
عند قراءتنا لهذا الكتاب، يبدو لنا أن هذه الأسئلة التي شكلت دائمًا أساس فكر جاك دريدا، لا تزال تحتفظ بأهميتها الكبيرة والقصوى لغاية اليوم، وبخاصة في هذا الزمن الذي يصعب فيه، في كثير من الأحيان، التمييز بين الفكر والمعتقد. لم يُنشر هذا الكتاب سابقا وقد بقي مخطوطا بيد الفيلسوف الراحل الذي أعاد صوغه والعمل عليه خلال حرب الاستقلال في مسقط رأسه، الجزائر، لذا فإن "أن تفكر: أن تقول لا"، يأتي بمثابة ثمرة لتحدّ ما، تحدي أن نعيد قراءة أحد أقدم نصوص جاك دريدا المنشورة لغاية اليوم.
***
تأخذني قراءة الكتاب، إلى سؤال آخر، غالبا ما يطرحه المهتمون بالأدب: هل علينا أن ننشر (بعد رحيل كاتب ما)، ما لم ينشره في حياته؟ أي إصدار تلك المخطوطات التي تكون غارقة في عتمة الأدراج، والتي لم يَعمَد، هو نفسه، إلى إخراجها للنور ولمّا بعد على قيد الحياة؟
سؤال لم يجد أي "حلّ" متفق عليه لغاية اليوم، إذ تتنوع التأويلات. منهم من يرى: إذا كان الكاتب نفسه غير راض عن هذه المخطوطات، والدليل أنه تركها غارقة في دهاليز مكتبه، فلماذا يُقدم ورثته، على ارتكاب ما لم يسمح لنفسه القيام به. وعلى الطرف الآخر من ذلك، يجد آخرون، أنه ومهما تعددت الظروف والآراء، يجب أن يتمّ نشر كلّ شيء، في حال وجود كتابات غير منشورة بالطبع، إذ يتيح لنا ذلك، معرفة درجة تطور أسلوب الكاتب وفكره، ما يسمح للدارسين والنقاد تكوين صورة واضحة عن آليات عمله، على الرغم من أن المخطوط المهمل، قد يكون أحيانا، بعيدا عن مستوى ما نشر. وثمة من يضيف، من غير الضروري أن تكون كلّ المخطوطات التي لم تنشر هي مخطوطات عادية، غير صالحة للنشر، إذ قد تحوي روائع لم ينتبه لها الكاتب نفسه، ويعطون على ذلك مثال "كافكا" الذي طلب من ماكس برود إحراق كل ما كتبه، لكن صديقه رفض ذلك، لنكتشف هذه القامة العظيمة في الرواية المعاصرة.
أعود لأطرح هذا السؤال وأمامي كتاب دريدا هذا، إذ وعلى الرغم من بعض "النقد" الذي قد يوجهه من يشتغل في الفلسفة إلا أنني أجد أن صدوره بلغته الأصلية قبل فترة، وبترجمته اليوم إلى العربية (ترجمة جلال بدلة، دار الساقي) لا "يسيء" أبدا إلى صاحب "الكتابة والاختلاف". قد تكون الكتابة هنا أقل "عمقا"، ممّا رأيناها في كتبه الأخرى، إلا أنها تحمل الكثير من هذه العوالم التي انشغل بها الفيلسوف، والتي طورها لاحقا في روائعه التالية. ربما يجوز وصف الكتاب هذا بأنه "المختبر" الذي "تعلّم" فيه دريدا الكتابة والتفكير ليتجاوز، عبره، "كلّ الأخطاء" التي وقع بها، ليقدم لنا في ما بعد، عملا صافيا من الشوائب.
في أي حال، يسترعي انتباهي سؤال ثان: هل كان دريدا فعلا "غير قادر على الحكم" على مخطوطه هذا؟ قد تتعدد أسباب رفضه لنشرها في حياته، لكن، لو أنه كان يجدها سيئة إلى هذا الحدّ، لربما تخلص منها وأحرقها، أي لو لم يكن يجد فيها مادة صالحة للعودة والعمل عليها، لما بقيت حاضرة كلّ هذه السنين.
من لا يريد مخطوطاته غير المنشورة، ليحرقها، وإلا يحق لنا أن نعود ونسرّ بكل اكتشاف مثل هذا.
***
هل ثمة اكتشاف في كتاب دريدا هذا؟ هناك سؤال أساسي في متن النص: "كيف نبدأ بالتفكير"؟ ونجد الجواب بطريقتين. الأولى من الناحية الطبيعية، وصول دريدا إلى باريس، وعمله في التدريس كما على بلورة فكرته التفكيكية التي بدأت مع كتبه الأولى في العام 1963، والتي تطورت واتخذت عمقها بعد العام 1967، والتي لا تزال حاضرة في السياق الفلسفي، بعد ما يقارب العشرين عاما من رحيله. أي ثمة تأريخ هنا لهذا السياق، لهذه الفترة التكوينية (ستينيات القرن الماضي) التي لا نعرف عنها الكثير، أو بالأحرى قد تبدو مجهولة بالنسبة إلينا، لذا نتعرف عليها أكثر. كذلك يطرح الكتاب هذا السؤال من خلال محتواه: أطروحته على جملة آلان، أحد أشهر أساتذة الفلسفة على الطريقة الفرنسية، الذي يرى أن المرء يفكر طالما أنه يقول لا.
لمن يقول الفكر لا؟ لثلاثة وجوه: "العالَم، الطاغية، الواعظ". فإن كان عليه أن يقول لا لهذه الوجوه الثلاثة، فإن هذه الـــ "لا"، هي دائما، وفي الوقت عينه، "لا" يوجهها الفكر لنفسه. "فالإنكار هو فعل مفكر فيه" أي وقبل أي شيء آخر "أن ينكر نفسه". لإدراك العالم، على المرء أن يشك في جزء ممّا يتبدى له، وبالتالي: "من يرتكب خطأ ليس بريئا أبدا. كان بإمكانه أن يقول لا". وبالمثل، فإن الطاغية –في السياسة، كما في الأخلاق، وداخل الروح– يدين بسيادته إلى هذه "النعم" التي يتخلى عنها الفكر. أما في مواجهة الواعظ وحججه السلطوية التي تطالب الفكر بالإيمان بالعلامة، يضع آلان الإيمان الذي يجب أن "يقول لا للعلامة من أجل فهم المعنى".
ثلاثة وجوه لم نخرج منها بعد. لذا يبدو هذا الكتاب راهنا، فعلا.
