ثقافة

الناقد المغربي محمد مشبال: المقاربة البلاغية قاصرة لوحدها عن إدراك أسرار الصنعة الروائية

17 مايو 2021
مؤكدًا أن الشعرية الخصبة المتدفقة من النصوص العمانية مدهشة تنبع من تجربة روحية مشتركة
17 مايو 2021

• وظيفة الجوائز مكافأة المبدعين وأصحاب المشاريع الثقافية لتشجيعهم وجعلهم قدوة في المجتمع

• حينما دخلت الجامعة أدركت أن هذه (المؤسسة) التي نسجها خيالي الرومانسي لا توجد في واقعنا العربي!

• رغم استقلالية الإبداع يظل النقد معيارا يميز الأعمال الأدبية الحقيقية ويؤسس معرفة تمكننا من إعادة تقدير أعمال مهملة

• علاقة الشعر بالرواية تدخل في دائرة تفاعل الأجناس الأدبية والخطابية و التفاعل من سمات تشكل الخطابات

• الروائي معني بإثارة الأسئلة واقتراح الأجوبة، و الروايات الجيدة هي التي تساهم في إثارة تفكير القارئ بشكل جمالي رفيع

• الرواية الجديدة أخفقت في خلق قارئها لأنها تبالغ في خرق قواعد النوع الروائي وتغرق في التجريب

يلخّص الناقد المغربي الدكتور محمد مشبال حياته منذ نشأته الأولى حتى اليوم في القراءة والكتابة والتعليم الجامعي .. آثر العزلة على الاختلاط .. لم يمارس العمل السياسي في الجامعة ولا في حزب من الأحزاب ، كما أنه ـ كما يقول ـ لم يمارس العمل الأهلي في أي جمعية من الجمعيات الأهلية .. وهو ليس عضوا في اتحاد كتاب المغرب،.. ولا في أي هيئة عمومية في بلده.. لكنه من جهة أخرى لم يعش انغلاقا ثقافيا، فقد انفتح منذ صغره على الثقافة الفنية بمشاهدة السينما والمسرح، ونشأ على قراءة الروايات والقصص ونهل من المناهج النقدية الأدبية الحديثة قبل أن يعكف على التُراثين البلاغي والأدبي لسنوات طويلة.. ولـ "مشبال" الكثير من المؤلفات في البلاغة كما أشرف على الكثير من الكتب المرتبطة بالبلاغة إضافة إلى ترجمته العديد من الإصدارات النقدية في الرواية والأدب والبلاغة .. وقد أنجز الدكتور محمد مشبال إضافة إلى الدراسات الأدبية المختلفة دراسة مهمة عن الشعر العماني المعاصر ..

يترأس الدكتور محمد مشبال فرقة البلاغة وتحليل الخطاب في كلية الآداب بجامعة عبدالمالك السعدي في تطوان المغربية، ويشرف على أعمالها التي تصدر سنويا .. وقد حصل مؤخرا على جائزة الملك فيصل العالمية في اللغة العربية والأدب في دورتها الثالثة والأربعين عام 2021م، وقد سبق له الحصول على جائزة الشيخ زايد للكتاب فرع الفنون والدراسات النقدية عام 2018 عن كتاب (في بلاغة الحجاج: نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطاب).. كما حصل على جائزة كتارا للرواية العربية في فئة الدراسات النقدية عام 2018 عن دراسته (الرواية والبلاغة نحو مقاربة بلاغية موسعة للرواية العربية).

• نبدأ بأبرز حدث ارتبط باسمك مؤخرا وهو حصولك على جائزة الملك فيصل للغة العربية والأدب والذي توّجك كونك صاحب مشروع علمي وصف أعمالك بالعمق والجدة والأصالة والجمع بين النظرية والتطبيق .. كيف وجدت نفسك أمام هذه المسؤولية .. وهل ترى أن (الجائزة) ـ أي كانت (حجمها) و(قيمتها) هي تتويج للتجربة ؟

أشعر الآن بمسؤولية عظيمة تُلقى على عاتقي بعد حصولي على هذه الجائزة المرموقة، على الرغم من أنني لم أكتب يوما ما كتابا أو دراسة دون إحساس بثقل مسؤولية الكتابة والبحث العلمي؛ بل إن كل ما خطته يدي حتى هذه اللحظة لم يكن سوى لبنة في بناء مشروع علمي رهنت به كل كتاباتي وترجماتي أيضا. ولكن الحصول على جائزة مثل جائزة فيصل لا يمكنه أن يكون حدثا عاديا في حياة هذا المشروع، فالسياق قد اختلف الآن من عدة جوانب؛ فهناك من جهة لجان ذات سلطة علمية قرأت المشروع وثمّنت أعماله، وهناك من جهة أخرى الرأي الثقافي العام الذي سيبحث عن هذه الأعمال ويوجه إليها اهتمامه. باختصار هذا التغير على مستوى تلقي المشروع، لا يمكنه إلاّ أن يفرض علي مضاعفة الجهد لأجل تقديم أعمال أكثر عمقا ودقة. وبناء عليه يجب النظر إلى الجوائز باعتبارها حوافز توضع في طريق الباحث لكي يواصل مسيره الطويل بثقة أكثر وحماس أشد وإرادة أقوى؛ وهذه هي الوظيفة الأساس التي أراها للجوائز؛ أن تكافئ المبدعين وأصحاب المشاريع الثقافية لتشجيعهم وجعلهم قدوة في المجتمع .

• كان لديك بـ (الأمس) شعور ملازم لنفسك بأنك دون المستوى وأنك كنت ترى بأنك لم تصل بعد وأن الآخرين يجاملونك.. ونحن اليوم أمام قامة عربية حصدت جوائز كبرى لا تحصدها إلا النخب .. في المقابل (اليوم) تقول صراحة إن حصولك على الجوائز ليس غريبا ! حدثنا عن الأمس واليوم؟

كل من يعرف سيرتي العلمية والتعليمية في الجامعة لم يتفاجأ بحصولي على هذه الجوائز العربية المرموقة؛ فأنا أكتب في البلاغة بمفهومها التجديدي منذ أواخر الثمانينات، ولم تخطر في بالي فكرة الحصول على الجوائز التي كان بعضها لم يتأسس بعد، كما أنني كنت أستبعد الحصول عليها لاقتناعي بأن المجال الذي أكتب فيه ليس مغريا للمسؤولين عن هذه الجوائز؛ فالحافز الوحيد الذي كان يحركني لمواصلة الطريق هو شغفي بارتياد آفاق جديدة في حقل البلاغة، والتفاف طلابي على مشروعي ومساهمتهم فيه. ومع حصول تراكم علمي سواء بكتاباتي أو كتابات طلابي أو الأعمال التي أشرفت عليها، ازدادت الثقة في هذه البلاغة التي نعمل على تطويرها، خاصة بعد التكريمات التي حظي بها المشروع في جامعات مغربية. تستطيع أن تقول إذن، إن الجوائز سمحت لنا بإخراج المشروع إلى فضاءات علمية أوسع من الجامعة التي أنتمي إليها.

• قلت عن نفسك في البدايات بأنك خريج نصوص أكثر من أنك خريج واقع، وعندما دخلت إلى الكلية اصطدمت بواقع مغاير، و هناك عرفت احتياجك لتكون باحثا مقنعا وليس باحثا رومانسيا .. لماذا هذا الربط بين (الإقناع) و (الرومانسية)؟ وما اللحظة التي انفصلت فيها مطلقا عن رومانسيتك هذه لتكون الآخر؟

لأجل ذلك قلت يوما ما إنني سليل النصوص أكثر مني سليل الواقع. ولعل هذا التكوين أن يجعلك رومانسيا أو مثاليا في تقدير الأمور. حتى الجامعة كنت أنظر إليها قبل الالتحاق بها، باعتبارها مؤسسة مهيبة تعمل بها أفضل عقول العالم العربي، لا يمكن لشاب في مثل سني أن يُدَرس بها؛ لكني بعد أن دخلتها أدركت أن الجامعة التي نسجها خيالي الرومانسي لا توجد في واقعنا العربي. ولكي أحتفظ بأحلامي التي راكمتها لسنوات، عملت على أن أنأى بنفسي عن صغائر الأمور، مصطنعا عالما مستقلا يتمثل في بناء مشروع علمي أجاري به مشاريع كبار الباحثين في العالمين العربي والغربي.

• يرفض محمد مشبال أن يلزم نفسه بأن يكون ناقدا بل يؤكد أنه باحث في النقد والبلاغة ويحاول تطوير ذلك .. لكن البعض يرى أنك تفوقت فيهما؟ في المقابل أنت ترى أن (النقد) عملية تحتاج لشخص يتذوق الخطاب وأن يكون الناقد موسوعيا .. أنت ترى أن هذه لا تتوفر لديك في حين أنك تؤكد أيضا أن النقاد قليلون وأن روافد النقد مفقودة ؟؟

عندما نفيت في إحدى المناسبات عن نفسي صفة الناقد، فإنني كنت أقصد بالنقد هنا أحد وجوهه ووظائفه المتجلية في متابعة الأعمال الأدبية بالوصف والتفسير والتقييم؛ وهي وظيفة ثقافية تحتاج اطلاعا واسعا على الأعمال الأدبية وغيرها من الأعمال الفنية. هذه الوظيفة يمكن أن يقوم بها دارس الأدب أو منظره، لكن انشغاله بالنظرية يجعل ممارسته النقدية مختلفة؛ فهو يقارب النصوص الأدبية لبناء مفاهيمه أو توضيحها إجرائيا، وليس لتقييمها وتبصير القراء بجمالياتها أو دلالاتها، وإذا اتفق له شيء من ذلك فلأن وظيفة النقد الأساس هي تحديد القيمة الجمالية للعمل الأدبي، ولكن دون أن نغفل أيضا أن له وظائف أخرى. وبناء على هذا الفصل بين ممارستين نقديتين، أرى نفسي دارسا للأدب أكثر مني ناقدا. والدراسة الأدبية في كتاباتي ارتكزت على النظرية البلاغية، دون أن تنحصر فيها، لأن البلاغة في صورتها الموروثة تحتاج إلى تطوير وإلى ربطها بالنصوص الأدبية (والتداولية) الحية لكي لا تتحول إلى معرفة تقنية مجردة. وهذا هو الذي يجعلني أقول إن البلاغة لا ينبغي فصلها عن النقد الأدبي وإن كانت أوسع منه لأنها تستوعب جميع الخطابات اللفظية.

• .. و ما الدور الذي يضطلع به الناقد تجاه الإبداع وتطوير فكرته في عمومها؟

لو لم يكن الناقد (يشمل الناقد هنا المنَظِر ودارس الأدب) لما كانت هناك معرفة نظرية بالأدب؛ فنحن لا نستطيع أن نتحدث عن الرواية والقصة والشعر وغيرها من أجناس الأدب، إلا بالاستناد إلى هذه المعرفة. وعلى الرغم من أن الإبداع مستقل عن النقد والمبدعون ينتجون أعمالهم دون اللجوء إلى النقد في معظم الأحيان، إلا أن النقد يظل معيارا يميز الأعمال الأدبية الحقيقية من غيرها، ويؤسس معرفة تمكننا من إعادة تقدير أعمال مهملة، بل ويساهم في بناء تاريخ للأدب.

• حدثنا عن استثمار جهدك العلمي للمعرفة البلاغية في الخطابات وأنواعها و تطويعها في ممارسة التحليل وتحقيق الاستفادة منها، وهل فعلا أن المقاربات البلاغية تستطيع أن تحل بديلا عن المنهج أو الرؤية النقدية ؟

تمكننا المعرفة البلاغية بمفهومها الحجاجي من مقاربة الخطابات العملية مثل الخطبة السياسية والدينية والإشهار والشعار، وأنواع أدبية كلاسيكية مثل الرسالة والنادرة والوصية والموعظة.. هذه الأنماط والأنواع لا يمكن مقاربتها بمناهج النقد الأدبي. ولكننا إذا انطلقنا من البلاغة بمفهومها الأسلوبي لمقاربة النصوص الأدبية، فإن الأمر لا يخلو من مشكلات لأن البلاغة اهتمت بالوجه البلاغي المستقل كوحدة تحليلية، ولم تنظر إليه في سياقاته النصية والنوعية. ولأجل ذلك، فإن أي حديث عن البلاغة باعتبارها مقاربة للأعمال الأدبية هو حديث عن بلاغة جديدة تستفيد من حقول أخرى تمكنها من الخروج إلى رحاب النص. فهي ليست بديلا عن المناهج النقدية، ولكنها معرفة تغني هذه المناهج كما تغتني هي بها. فتحليل الوجوه البلاغية في الرواية لا يستقيم دون معرفة بالمكونات السردية والنوعية للرواية. وهنا ندرك أن المقاربة البلاغية قاصرة لوحدها عن إدراك أسرار الصنعة الروائية.

• كيف وجدت أهمية المقاربات الحديثة في تفكيك أشكال الخطابات فيما قدمه كتابك (خطاب الأخلاق والهوية في رسائل الجاحظ) حيث الدقة والمهارة في استجلاء الوظائف البلاغية والحجاجية ؟

لتحليل خطابات مثل رسائل الجاحظ النثرية تحليلا نصيا دقيقا، كان لابد من استثمار البلاغة التي تقدم للمحلل أدوات وتقنيات ومفاهيم كفيلة بتوصيف عمل الجاحظ، وهي بلاغة جديدة تضم رصيدا هائلا من التقنيات المسعفة للمحلل في عملية التوصيف والتفسير، لكن هذا لا يعني أن نقتصر على هذه التقنيات وإلا فقد التحليل حيويته وعمقه، لأجل ذلك وجب الانفتاح على نظريات نقدية ومناهج تحليل الخطاب للاستفادة من مفاهيمها في تعميق التحليل وإغنائه، وفق ما تقتضيه الأعمال الخاضعة للدرس. وهو ما قمت به في الكتاب المشار إليه.

• في الكثير من المقاربات يتداول أن هناك صداما بين البلاغة العربية القديمة والحديثة فهل ترى أنت من وجهة نظرك وجود هذا الصدام بالفعل ولماذا؟

الصدام الذي تشير إليه حدث بين البلاغة الجديدة (أو نظرية الحجاج) والبلاغة الكلاسيكية التي سادت منذ القرن السابع عشر حتى أواسط القرن الماضي، وهي بلاغة ذات توجه أسلوبي أدبي، أما البلاغة القديمة (المقصود هنا البلاغة اليونانية والرومانية) فإنها تشكل الميراث البلاغي الذي أحيته البلاغة الجديدة وصقلته وطورته. فلا وجود لصدام بين هذه البلاغة والبلاغة الجديدة، لأنها امتداد لها. أما البلاغة العربية القديمة، فإنها على الرغم من اهتمامها بتقنيات العبارة لانشغالها بالقرآن الكريم والشعر، فهي بلاغة قابلة لكي تنضوي في إطار البلاغة الجديدة، لما تقوم عليه من مبادئ ومفاهيم تداولية.

• هنالك خلط فعلي للشعر في الرواية أي المظاهر الشعرية في النص الروائي حد الإيغال ولدرجة أن القارئ في القليل من الأحيان لا يفرق في الجنس الأدبي الذي بين يديه لحد يلغي الحدود بين الأجناس الأدبية.. هل الأمر صحي فعلا ؟

بالنسبة لعلاقة الشعر بالرواية وهو ما يدخل في دائرة تفاعل الأجناس الأدبية والخطابية؛ أقول إن التفاعل من سمات تشكل الخطابات؛ ففي الرواية ظل من الشعر، وفي الشعر ظل من الرواية، ولكن ما يحصل أحيانا هو أن تتحول الرواية إلى نص شعري فيما يسمى ب"المحكي الشعري"؛ فيتولد جنس جديد من هذا التفاعل. لكن بشكل عام استخدام الشعر في الرواية سلاح ذو حدين؛ فهو من جهة يمنحها شاعرية وقوة تصويرية، وهو من جهة أخرى قد يضر بامتدادها الدرامي عندما يحيلها إلى ضرب من اللعب اللغوي. والشاعرية في الرواية مطلب ضروري، لكنه محفوف بالمخاطر عندما لا يتقنها الروائي؛ فتتحول بسهولة إلى إنشائية فجّة، أو إلى خيال لغوي جامح يقطع كل صلة له بالخيال السردي.

• البعض يرى بأن الروائي معني بطرح الأسئلة ولا تعنيه الأجوبة في حين إن آخرين يعتقدون أن اقتراح الأجوبة مهم في المجتمع (مجتمع الرواية) .. فهل للمثقف دور يستطيع ممارسته في توجيه الرأي العام؟ هل هو معني أصلا؟!!

نعم، الروائي معني بإثارة الأسئلة واقتراح الأجوبة، ولكن في صيغة تخييلية وجمالية؛ لأنه لا يروم إحداث تأثير مباشر؛ فالرواية فن أولا وأخيرا، ولكنها فن يحمل أسئلة وينخرط في الواقع الاجتماعي والإنساني للقارئ. ولا شك أن الروايات التي لا تصنف ضمن الأدب الجاد، هي روايات التسلية وهي غير معنية بالأسئلة التي يعيشها الإنسان في مجتمعه أو في هذا العالم الذي ينتمي إليه. الروايات الجيدة هي التي تساهم في إثارة تفكير القارئ بشكل جمالي رفيع.

• في سياق الحديث عن التغيرات في الرواية العربية المعاصرة يجيء سؤال متكرر حول أي الأنماط هي الأقرب في تحقيق حالة الاتصال مع القارئ ؟

في تقديري يظل النمط الواقعي الذي لا يربك قواعد تلقي القارئ، هو أكثر الأنماط جذبا للقراء؛ لكنه ليس النمط التقليدي المعاد والمكرر، بل النمط الذي شهد تجديدا في أسلوبه وتقنياته. لأن الرواية الجديدة كما يسميها بعضهم، أخفقت في خلق قارئها، على الرغم من انحياز النقد لها، لأنها تبالغ في خرق قواعد النوع الروائي وتغرق في التجريب. أقول هذا وأنا ضد التقليد وتجميد النوع في أشكال منمطة. ولكن الإبداع داخل النوع ليس أمرا ميسرا.

• أخيرا .. كيف تلخص نتيجة بحثك حول الشعر العماني المعاصر في سماته الخطابية لبلاغة الاغتراب وقد أكدت أنه اغتراب روحي متجذر في الثقافة الموروثة ؟

عندما قرأت نصوصا من الشعر العماني، اندهشت للشعرية الخصبة المتدفقة من هذه النصوص، وأدركت أن هذا الشعر ينبع من تجربة روحية مشتركة؛ فرجعت إلى بعض الدراسات التي فتحت لي الطريق لفهم هذه التجربة؛ فلست أنا من وقع على هذه الرؤية الشعرية التي تصوغ هذه النصوص، ولكني استفدت منها في بحثي عن سمات بلاغية شعرية تسم الشعر العماني. وقد استخدمت مصطلح "السمات" للدلالة على الخصائص التي بنت هذا الاغتراب الروحي؛ مثل سمة استحضار الطبيعة في وعي القراء تعبيرا عن افتتانهم بهذه الطبيعة التي تسكن ذاكرتهم. وسمة "أنسنة الطبيعة" في تصويرهم للعلاقة الذاتية مع فضاءاتها. إذ شكلت صور الطبيعة ملاذا لمقاومة المنفى والاغتراب، وتجسيدا لأحلام العودة إلى المأوى الأصلي. كما شكّل الحنين إلى الموطن الأول والجذور الأولى مجسدة في الأم أو الطبيعة، والتعبير عن الألم سمتين خِطابيتين مهيمنتين في تشكيل بلاغة هذا الشعر .