النادي الثقـــــافي يسبر أغوار التـــــــــراث الطـــــبي في عمـــــــــان
الحجي: العمانيون لهم دور السبق في التأليف
الخنصورية: أسر عمانية ابتدعت الأدوية بخلط الأعشاب بمقادير دقيقة
العزري: للتاريخ دور فاعل في صياغة اليوم الحاضر وبناء الغد القادم
أقام النادي الثقافي مساء الثلاثاء ندوة عبر الاتصال المرئي سبر فيها أغوار التراث الطبي في عمان، والتي شملت ثلاثة محاور أساسية كان أولها الدروس والعبر المستفادة من تاريخ الطب العماني، وثانيها الإرث الحضاري للعمانيين في مجال الطب وتحديدا الطب الشعبي، أما المحور الثالث فسلط الضوء على السبق العلمي للعمانيين في الإنجازات الطبية من خلال معجم الماء لابن الذهبي. وشارك في الندوة كل من الدكتور ناصر بن حماد العزري استشاري أول ورئيس لقسم طب الطوارئ في مستشفى عبري، والدكتورة أمل بنت سيف الخنصورية مشرفة تاريخ بمحافظة شمال الباطنة، والدكتور خلفان بن زهران الحجي أستاذ مشارك بقسم دراسات المعلومات بكلية الآداب بجامعة السلطان قابوس. وأدار الندوة الباحث يونس النعماني.
معجم الماء لابن الذهبي
تناولت الورقة الأولى "السبق العلمي للعمانيين في الإنجازات الطبية من خلال معجم الماء لابن الذهبي" التي قدمها الدكتور خلفان الحجي، مشيرا إلى أن هذا الكتاب فيه ما يصلح لأن يكون مادة للدراسة والنشر بعد ذلك. وعرج إلى أن العمانيين لهم دور السبق في مجالات التأليف التي بدأت منذ القرن الأول الهجري وضرب مثلا على الإمام جابر بن زيد الأزدي، وفي مجال اللغة والأدب كتاب العين كأول معجم لغوي عربي للخليل بن أحمد الفراهيدي، والجمهرة لابن دريد وغيرها من المصادر. أما في مجال العلوم التطبيقية، فأشار الحجي إلى أن إسهامات العمانيين في مجال الطب كانت في مقدمة هذه العلوم، حيث برع فيه عدد من العمانيين كراشد بن عميرة صاحب فاكهة ابن السبيل و مختصر فاكهة ابن السبيل، ومقاصد الدليل وبرهان السبيل، ومنهاج المتعلمين الذي كتبه لابنه عميرة بن راشد. إضافة إلى كتاب "الماء"، وأشار إلى أنه أول معجم طبي لغوي في التاريخ، وهو لأبي محمد عبد الله بن محمد الأزدي الصحاري العماني، والذي ألفه في القرن الخامس الهجري.
وحول كتاب الماء قال الحجي: "معجم طبي لغوي رتبت مادته العلمية وفق الترتيب المتعارف في أغلب المعاجم اللغوية ترتيبا هجائيا وفق الترتيب الالفبائي المعروف، منطلقا من الجذر اللغوي الثلاثي لكل كلمة أو مصطلح".
وأضاف: "وعلى الرغم من أن هذا المعجم معجم لغوي متخصص إلا أنه يتعدى ذلك في كثير من الأحيان إلى التعريف بالمصطلح وبيان معناه إلى شرح المادة التي يعرفها من ناحية لغوية وارتباطاتها العلمية والشرعية وغيرها".
وعن تسمية الكتاب بالـ"ماء" أشار إلى أن تسمية الكتاب تعود إلى أول أبوابه على نحو ما رسمه أبوعبدالرحمن الخليل رحمه الله في كتاب "العين". ثم عرج إلى مؤلفه وهو أبو محمد عبدالله بن محمد الأزدي الصحاري، ولد في أواسط القرن الرابع الهجري بصحار وتوفي في عام ٤٥٦ هـ، وهو أول المعتنين بصناعة الطب ومطالعته وكان متهما بالكيمياء ومجتهدا في طلبها وتوفي في بيلنسيا بالأندلس. وتحدث الحجي كذلك حول من استفاد منهم الأزدي من شيوخ وأطباء ومن التقي بهم من أصحاب الدراية.
الطب الشعبي التقليدي
وتناولت ورقة الدكتورة أمل "الطب الشعبي العماني ما بين القرنين السابع عشر والعشرين" والتي سلطت فيها الضوء على انتشار الطب التقليدي في عمان ومجالات الطب الشعبي ونماذج لأشهر المعالجين الشعبيين. وأشارت إلى أنه لم يكن هناك اهتمام منذ فترات تاريخية بدراسة الموضوعات الطبية وكانت أغلب الدراسات مقتصرة على العلوم الفقهية وعلوم الحديث والتاريخ، ولكن شهدت عمان اهتماما بالطب منذ نهاية القرن السادس عشر حيث ظهرت مجموعة من المؤلفات في مجال العلوم خلال دولة اليعاربة وإن كانت في نطاق ضيق حيث طرق باب هذا العلم عدد من العلماء الذين جمعوا بين عدد من العلوم أمثال الشيخ بشير بن عامر الفزاري والقاضي ناصر بن سليمان ابن مداد والشيخ الطبيب على بن عامر النزوي وغيرهم من الذين درسوا الكثير من النسخ الطبية.
وحول مفهوم الطب التقليدي قالت الخنصورية إنه خلاصة التجارب الإنسانية حول أساليب العلاج لعدد من الأمراض الشائعة في مجتمع ما وهي الطرق التي استخدمها الإنسان قديما وحديثا للمحافظة على صحته والعثور على الوصفات في علاج الأمراض، وأحالت إلى تعريفات أخرى قالت عنه إنه مجموعة من الممارسات والمهارات والمعتقدات التي أخذوها من عدد من الثقافات المختلفة والتي تهدف إلى إنتاج وصفات علاجية للكثير من الأمراض.
وعن مجالات الطب الشعبي أو التقليدي في عمان أشارت إلى أن العمانيين توجهوا إلى الطب التقليدي نظرا لافتقارهم إلى الخدمات الطبية الحديثة في ذلك الوقت، وكانت هذه المجالات الخمسة: التداوي بالأعشاب والنباتات، والكي بالنار والحجامة وتجبير الكسور والتداوي بالحروز والتمائم وتقديم النذور، وأشارت إلى أن هذه الممارسات كانت من أجل علاج بعض الأعراض البسيطة التي كانت تعتريهم في حياتهم اليومية، وأشارت إلى بعض الأسر التي مارست الطب الشعبي وابتدعت بعض الأدوية عن طريق خلط بعض الأعشاب الطبية بمقادير دقيقة حتى تؤتي بثمارها منها عاذلة ابن هاشم الرستاقية التي سكنت الرستاق.
عبر وفوائد
وتناول الدكتور ناصر العزري في ورقته "دروس الماضي جسر العبور إلى المستقبل: عبر وفوائد من تاريخ الطب العماني لإلهام أنموذج طبي للمستقبل" دور التاريخ العلمي في صناعة الحاضر والمستقبل، وإسهامات الأطباء والعلماء العمانيين في إثراء التعليم الطبي والممارسة العلاجية والإنسانيات الصحية ، والدروس والعبر لبناء أنموذج مجتمعي للعمل الطبي.
ومن نماذج الإسهامات العمانية في إثراء التعليم الطبي ذكر العزري كتاب منهاج المتعلمين لراشد ابن عميرة وكتاب الماء لابن الذهبي، مشيرا إلى أنه مثل مرحلة متقدمة من الكتابة المعجمية الموسوعية مؤكدا –ابن الذهبي- أن تعريف الطب عند الأطباء العمانيين لم يكن مجرد تكرار لمعرفة موجودة في زمانهم واجترار لمعلومات ذكرها غيرهم بل كانت تحوي نكهة مجتمعية وثقافية خاصة بل وتتضمن سبقا في بعض المجالات. وأكد العزري إلى أن التاريخ لم يوجد لاجتراره والتغني به، وإنما له دور فاعل ومؤثر في صياغة اليوم الحاضر وبناء الغد القادم، وحسن قراءة التاريخ لنستفيد منه في فهم الحاضر وبناء المستقبل.
