«الضفور» القديمة معالم ضاحكة لحضارة الحجر
«الضفور»، أو الأسس الصَّخرية للأبنية والمعالم الأثرية، تثير في النفس الحنين إلى السنوات المنطوية من عمر الزمن، لأنها آخر ما تبقى من الصُّروح المشيدة في ذلك الزمان، وآخر إطلالاتنا على الماضي البعيد، تلك الأبنية التي أصبحت مطمورة في التراب، ولم يبق منها إلا الأسس، تبدو أشبه بأضراس لكائنات منقرضة، لا يُرى منها إلا ما يظهر في السطح، تتناثر الصخور في كل مكان، وتتكدَّس في سفوح الجبال أبراجا، تنبت في السفوح كالقباب، وتسمو إلى الأعلى وكأنها أشجار متحجرة، ونراها تنتظم في الأرض، فتتشكل بها سواقي الأفلاج، كشرايين مفتوحة، أو نراها تحيط بالمدينة من نواح مختلفة، فنعلم أنها أسس لسور مندثر، كان قائما في زمان ما، وتنتشر الأسوار في بلادنا، هناك أسوار ما تزال باقية حتى اليوم، كسور بهلا الكبير، وأسوار أخرى تحيط بالحارات والمواقع القديمة، تفتح شهية السَّرد وباب الحكايات على مصراعيه.
في السفوح تتناثر البُومات الصَّخرية، كما يسميها الأهالي، وهي مدافن تبدو أشبه بالأبراج الصغيرة المستديرة، وفي وصف آخر تشبه خلايا النحل، وقد يبني فيه النحل خلاياه، ويتخذ منها بيوتا، ومخازن لشهده اللذيذ، تلك «البُوَمات» أو «السِّيبات»، أو المدافن البرجية، تبدو من بعيد أشبه بأعشاش لطيور أسطورية، أو أعراش لعنب الجبال، أو مخابئ للسَّحرة، أو أكمام تتوارى في داخلها النجوم، وبامتداد السفوح تتناثر القباب، وكأنها تحدِّث عن سير الماضين وأخبار الأولين.
قيل إن الإنسان اتخذها مدافن لموتاه، لتكون أرواحهم قريبة من السَّماء، وقيل إن أعمارها تعود إلى ألفيات من السنين، لكنه ليس سوى رقم في ذاكرة مؤرخ، ولعله أبعد بكثير من ذلك التاريخ، فأعمار الصخور لا تحسب بالسنوات وإنما بالحقب المتعاقبة، وبندول السَّاعة يتحرك يُمْنة ويُسْرة ولا يتوقف، وعقاربها تدب، فتتقادم الأيام، ويكبر الزمان، ويسيل نهر الحياة.
نرى الضفور تصطف في نفق تحت الأرض، تتبع الأفلاج حتى النبع، أو تنغرس بئراً في عمق الأرض، وتثير دهشة البصر أسئلة كثيرة حول هذه الضفور، كيف استطاع الأوائل نقلها من الجبال، وغرْسِها في أعماق الأرض، ليبنوا بها ضفورا أنيقة.
في إحدى الاكتشافات الأثرية في بهلا، كانت بقايا مستوطنة سكنية تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، يمر عليها السائر إلى المدينة، وحين وقفت عليها، أخذتُ أتمعَّن في تلك الكتل الصَّخرية المتبقية منذ ذلك العهد القديم، وكانت الضفور وحدها تحكي أسرار الزمان البائد، وتخبئ ذاكرتها الصمَّاء الكثير من القصص المثيرة، الحجر يتحدث بصوت هامس يسمعه القلب قبل الأذن، ففي سطح الحجارة انسكب سواد ملايين الليالي، وغزلت أشعة القمر قصائد غزلية لحُوريَّات المكان، وقدحت الشمس شررها اللاهب، فأضاء سراج النهار، وانسكب الزلال العذب من عيون السماء، فنببت أشجار، وهرمت أشجار، ويبست أشجار، وما تزال تلك الضفور تحيط بالمكان، تحنو عليه وتلملمه، وكأنها تحفظ فيه سر الحياة، وسر الحضارة الأولى، حضارة الحجر التي لم يبق منها إلا هذه الحصيات الضاحكة، والتي هي أيضا ذكرى وذاكرة، وما أعذب هذه القطعة من رباعية الخيام، التي صاغها الشاعر أحمد رامي بحس شعريٍ أخاذ:
فكَمْ توَالى الليلُ بَعْدَ النَّهار
وطالَ بالأنجُمِ هَذا المَدَار
فامْشِ الهُوَيْنا إنَّ هذا الثَّرَى
مِنْ أعْيُنٍ سَاحِرَةِ الإحْوِرَار.
في قلب بهلا، هناك ضفور أخرى لأسْوار تحيط بمساجد العُبَّاد، رأيتها تنبت من عمق الأرض كما ينبت الزرع، تحيط بمساجد مندثرة، مساجد هجرها عُبَّادُها منذ سنين، بعد أن كانت صُحونها تغفو وتصحو على تلاوة القرآن كدَويِّ النحْل، ومحاريبها تنثر النور في وجه المُصلِّين، وبقيت المساجد في سكينتها وعزلتها، حتى فعل الهجران فيها فعلته، فخشعت أعمدتها، وسجدت أسقفها، ونادت محاريبها أولئك الأبدال الذين أقاموا فيها أياماً وليالي، لكن الفناء فرَّقهم، وها هي قبورهم تملأ الرَّحب من السَّهل إلى الجبل، وتتزاحم فيها الأضرحة كساحة معركة، و(رُبَّ لحْدٍ قدْ صَارَ لحْداً مِرَاراً)، في بصيرة أبي العَلاء، ومفرق قصيدته الباكية.
وفي مشهد مثير لبئر عجيبة قلَّ نضيرها، تسمى «طوي الإمام» في: معمد – منح، تتباعد مساحة أضلاعها بمسافة تزيد عن ستة أمتار، وتبلغ الضفور العتيقة فيها إلى عمق بعيد، وقفت عند البئر فأدهشتني ضفورها المُنتظمة، وكأنَّ حجارتها مفصَّلة بمقاس واحد، في استواء دقيق من الأعلى إلى الأسفل، ومن كلا الجهات الأربع، فكيف احتمل الناس نقلها من الجبال؟ وما الهندسة التي اتبعوها، لرصَّها في جدران البئر، وكأنها وسائد ناعمة؟ بحيث لا تشذ حجرة عن أخرى، ولا تسقط في القاع، وما تزال البئر تحدِّث عن السواعد التي شيَّدت جدرانه، وكأنها ظلال من الألوان، تعكسها شاشة رقمية، لكنها في الحقيقة إحدى إبداعات هندسة تشييد الآبار، لتبدو تحفة هندسية، أبدع الأوائل نحتها تحت الأرض.
في قرية «ضَمْ» الجميلة، إحدى عناقيد «جبل الكُوْر» في الجانب الغربي من بهلا، «ضَمْ» التي هجرها الناس، بضواحيها الخضراء، عند مدخلها برج مستدير، لم يبق منه إلا الضَّفْر، يحدِّث عن معلم كبير سمقت أركانه في المكان، فمتى بُني هذا البرج؟، وكيف نقل البناؤون حجارته؟، أسئلة لا أجد لها إجابة، لعل لديهم وسائلهم التقليدية الخاصة، فالإنسان لا يُعدَم من حيلة، وهو يُطوِّع الموجودات، لتصبح سَهلة هيِّنة، ويُروِّض الجبَال، فتنحدر حجارتها إليه.
اندثر البرج، ولم يبق منه إلا الضَّفْر بحجارته الكبيرة، تتناضد بعضها فوق بعض، تحدِثُ عن قرون خلت، وتئنُ تحت ثقل الجدران الجصية، وقد تمر عليها يد حانية، فتمسِّدها الأصابع، وتعود لها الروح، فتنتشي الصخور، ولو تحدثت الضفور لنطقت بالكثير من القصص والحكايات، ولربما بكت على من عاشوا بجوارها، وما تزال الحياة ناضحة بالجمال، مثلما هي ناضحة بالشَّجو والشجن، فأين من غرسوا هذه اللبنات الكبيرة في هذا الحصن، وأين من شيَّدوا الحصون والقلاع والأبراج في كل شبر من بقاع الوطن؟، هم في غيابة الموت، عاشوا بيننا فتركوا بصمة جميلة، تدل عليهم وتشير إليهم، وفي لحظة احتدام نار الذكرى الحارقة، يهب النسيم على المكان، فيتبدد الحزن، وتختفي خفافيش الشجن، وتزهر الحياة.
وفي كل مكان تتناثر الضُّفور، في حاراتنا المبنية بالحجر والطين والجص، وفي كل مكان عاش فيه الإنسان، وفي مواقعنا الأثرية، كاشفة عن أسوار وأبنية ومستوطنات، وعن أحافير ومستودعات ومخازن، وعن أضاميم تسبك حكايتها، كما تحيك الغازلة الخيوط، وتمد حبالها أراجيح، وحبال وصل مع الأحبة لا تنقطع.
ضفور في كل مكان، في موقع «المضمار» بولاية أدم، وهي واحدة من أجمل المكتشفات الأثرية الحديثة، رأيت حملات التنقيب تحفر بين الصخور، وكأنها تميط اللثام عن أسرار المكان، وتفتح أضابير مخبوءة تحت الأرض، فخرجت الضفور ضاحكة، وكأنها تقول للمكتشفين: أخيراً نرى النور؟
وفي مواقع أثرية كثيرة، لا نرى منها إلا الضفور، حجارات منتظمة تحت الأرض، وأخرى تضاحك الحياة في سفح الجبل، وتحتمل السيل الذي يهطل عليها، والرياح التي تحاول رجَّها وبعثرتها، حجارات كبيرة وأخرى صغيرة، تتلاحم كعقدة الحكاية.
فماذا بقي من الماضي إلا ضفور ضاحكة لحضارة الحجر، تحدِّث عن سيرة الإنسان الذي عاش قبلنا، وأبصر الحياة ببصره ونور بصيرته، وسعى فيها لاهثاً، بحثاً عن ظل بارد، كحال الطيور المهاجرة، تنتقل من وطن إلى آخر، بحسب موسم الهجرة إلى كل الجهات.
وهناك ضُفُور أخرى، تبرُق في سَماء الذاكرة، وتلتمع في الوجدان كفصُوص من جُمَان.
ملاحظة: ورد في معجم لسان العرب لابن منظور: الضَّفْرُ: البناء بحجارة بغير كِلْس ولا طين، وضَفَرَ الحجارة حول بيته ضَفْراً.
