لوحات فنية في صخرة (ني صلت).
لوحات فنية في صخرة (ني صلت).
ثقافة

أضاميم ... الرسوم الصخرية أبجديات للغات بصرية قديمة

04 ديسمبر 2021
04 ديسمبر 2021

في سفوح الجبال، وبطون الأودية، وداخل الكهوف، وحيثما توجد الصخور، ويعيش بجوارها الإنسان، توجد أشكالاً محفورة باليد، ومنقوشة في صفحات الصَّخر الصَّلد، وكأنها بصمة خالدة، تأخذ من يتأملها إلى تاريخ بعيد، وتعيد القارئ لها إلى عهود بائدة، وأيام منطوية في سجلات الزمن، وتنقله في رحلة مثيرة داخل مجاهل الحياة الغابرة، وما أحلى العودة إلى الماضي، حين يحمل دلالات وقيم وإشارات ورموز، تُفصِح عن فن قديم وأبجديات للغات بصرية مُندَرسَة، هي عودة إلى الزمن البعيد، من خلال تأمل وقراءة ما تبقى من رَسْم ورُسُوم في صفحات الصُّخور.

قبل أكثر من عشرين عاماً، كنت في زيارة صحفية إلى محافظة مسندم، الشمال العُماني الأشم، والمطل على الأفق الأزرق بأجنحة من الجبال العالية، أخذتني الرِّحلة إلى قرى ولاياتها الجميلة، ومن بينها أحد الأودية في ولاية مدحاء، وفيه صخور حُفِرَت فيها كتابات، فأخذتُ أدوِّن ما تمكنت من قراءته، وأخذ زميلي في الرحلة المصور الفنان: خميس بن علي المحاربي، يلتقط بعدسته البارعة، صوراً لتلك الكتابات المنقوشة في الصخور، وكانت رحلة ممتعة، عُدْت منها بتقرير صحفي، وعاد منها بألبوم من الصُّور الضوئية.

ثم كانت لي رحلة أخرى إلى وادي بني خروص بولاية العوابي، وهناك وقفتُ على كتابات محفورة في صخور الوادي، فبدت لي أشبه بصفحات مفتوحة، فيها توثيق لتاريخ الإنسان خلال عهود قديمة، وبعضها كتابات حديثة، وكثيرة هي الصخور التي تحمل تواقيع البشر، وبصماتهم الرائعة في الصخور، إما بنقش الحروف والكلمات على الصخر، خاصة في شواهد القبور، أو بحفر لوحات تعبيرية، أو كشطة بأداة حادة، لمجرد أن يترك أثراً، حتى لو لم يكن له معنى، وبتتالي الأيام عليه، يصبح له أهمية تاريخية، ويَشِي بالمعاني والدلالات.

وفي رحلة أخرى صُحْبة الباحث والكاتب خميس بن راشد العدوي وابنه عبدالرحيم، زرنا معاً أمكنة متفرقة في ولايتي بهلا والحمراء بمحافظة الداخلية، ووقفنا على الكثير من النقوش المحفورة في الصخور، بعضها رسومات لقوافل الجمال، ويظهر فيها الإنسان جزءا من نسيج الحياة التي تبوح به الصورة، ففي واحدة من اللوحات الصخرية في قرية «قلعة المصالحة»، وقفنا عند نقش بديع لقافلة من الإبل، حجم القافلة يعطي صورة لالتقاطة ضوئية، حتى أننا تخيلناها وهي تزحف وئيدة في الصَّحراء، ينطبق عليها بيت الشاعر نُهَيْكة المَازني: (ما للجِمَال مَشْيُها وَئيدَا .. أجَنْدَلاً يَحْمِلْنَ أمْ حَدِيدَا)، رُحتُ أتأمل تلك اللوحة، وعاد بي الخيال إلى لحظة انطلاقة القافلة، وكأنَّ رغاء الإبل وحنينها إلى مواطنها الأولى، موسيقى من الشجن الباكي، يتوزع بين تلال الرمال، ويذوب في وحشة الصحراء.

وفي تلك الرحلة الاستكشافية، تعرَّفتُ على الصَّخرة الشهيرة المثيرة، والمعروفة باسم: «حَصَاة بني صَلْت» أو: «نِي صَلْت»، وهي صخرة فريدة التكوين، وفي جانب من سطحها الأملس رسومات بشرية محفورة بدقة، وبدا المكان أشبه بمعبد قديم، تشمخ من فوقه أُكْمَة جبلية عالية لجَبَل «كُدَم»، تبدو وكأنها منارة عملاقة، وحولها نُصُبٌ ورسومات حيوانية، وتمثِّل هذه الصخرة وثيقة مهمة للآثاريين، ففيها الكثير من الرموز التي يمكن استنطاقها، وجاء وصفها في «الموسوعة العُمانية»: (إنها أكبر وأهم نَصْب، أو أثر لفن صخري، في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية).

وقريباً من صخرة «نِي صَلْت» المُربَّعة، وقفنا على رسمة لثورٍ بَرِّي، منقوش بحرفيَّة فنان ماهر، تظهر تفاصيل جسم الثور الشاخص بقرونه، لوحة لفنان عاش في هذا المكان في عهود سحيقة، لعل ذلك الحيوان يمثل شيئاً مهماً لذلك النقَّاش القديم، ثم في ناحية أخرى وقفنا على رسمة لإنسان عملاق يُرى من بعيد، منحوتة في أُكمَة جبلية عالية، يراها الأستاذ العدوي أنها تنتمي إلى حضارة كُدَم البائدة، والتي هي جزء من مكونات حضارة «سَلُّوت».

ويحاذي جبل «أبو سُرُوج» ولاية منح من جهة الشمال، جبل رخامي يسيل له لعاب المشتغلين بالتحجير، لذلك فالصخور التي كانت في سفحه قد مُشِّطت، وتم تجريفها ونقلها، وعثرنا على أشكال ورموز لكتابات، في ما تبقى من صخور لم تأكلها أضراس البلدوزر، ووجدنا صخوراً ضخمة، يصعب حملها إلا برافعات، شيِّدت فوق بعضها البعض كأسس لأبنية مندثرة، ويبدو أن الإنسان قد عاش في هذا السفح المطل على المدى الرحب، وعلى صحراء منح، حين كانت خصيبة بحقول القمح والذرة وقصب السكر، ولم يبق من تلك الحضارة إلا رؤوساً صخرية تفتح سيرة طويلة، لإنسان ذلك الزمان الذي استوطن السفح، ورسم في الصخور خيالاته وأحلامه، تلك الرسومات هي بمثابة مفاتيح سِريَّة لحضارة بائدة، كانت باقية قبل أن يتم تمشيط الموقع، وإطعامه لمكسرات الصُّخور لقمة شهية.

لقد ضاع منا مُتحَفٌ مهم بلا شك، في كل مكان بوطننا الغالي، وما ضاع لا يمكن تعويضه، لأن لكل رمز دلالاته، وكل رسمة في صخرة لها معانيها الخاصة، حتى لو أحيطت بآلاف الأشكال التعبيرية، كل كلمة منحوتة في صخرة، أو رسمة منقوشة في لوح جصي، هي جزء من معجم لغوي وألبوم فني كبير، وهذا النسيج الرائع من الكلمات المحفورة، تتناثر في صفحات الصخور، وما أكثر هذه الصفحات في مختلف أرجاء البلاد، من أقصى الشمال العُماني إلى أقصى الجنوب، نرى لها أشكالاً مختلفة، يلتقطها بعض الهواة، فيعيدون اكتشاف فن صخري لم يكن معروفاً، لذلك نسمع كثيراً عن اكتشافات من هذا النوع، يصل إليه المُولعُون بأسرار الطبيعة، هؤلاء لهم حظ أكبر ونصيب أوفر، في اكتشاف أبجدية الإنسان الأولى، إن كان يستهويهم اكتشاف تلك الأبجديات القديمة، والقائمة على الحفر في الصخر، حروف أو كلمات أو رموزاً وإشارات، أو رسومات تعبِّر عن أدوات الإنسان، الخاصة بالصيد والدفاع عن النفس، كالسِّهام والرِّماح، أو بعض الكائنات التي عاشت بالقرب منه، كالثيران والوعول والإبل وغيرها.

ولكن رحلة تدوين واحدة لا تكفي، مثلما قراءة واحدة لهذه الرموز الغامضة لا تفي، وكذلك الوقوف عليها وقوف العابرين، إذ لابد من تأملها، والنظر فيها بتفحُّص، ومن ثم قراءتها وتحليلها، واكتشاف أسرارها الغامضة، فهذه الخطوط المتداخلة مع بعضها البعض في الصخرة الواحدة، والتي تبدو على شكل حيوان أو إنسان، هي بلا شك لغة بصرية، وهذه اللغة المحفورة يبدو أنها أصبحت في بعض الأمكنة خبراً من الأخبار، فآلات التحجير والتجريف لم تبق ولم تذر، وقد فعَلت فِعلتها في تلك الرسومات والكتابات، وكم وقفنا على جبال تم امتراؤها وتجريفها وتحويلها إلى حطام من الحصى المتناثر، فضاع منا تاريخ مهم، وما يزال الباحثون عن المعادن في سفوح الجبال، يُفسِدون على الباحثين قراءاتهم، وبحوثهم عن ذاكرة القرون الأولى، دون إحساس بأهمية هذه الرُّسومات ودلالاتها الثقافية، كونها مفاتيح لذلك العالم السِّرِّي والسِّحري البائد.

وحول هذه الرسومات الصخرية، كُتِبَتْ الكثير من المقالات والدراسات، نشرت في مجلات متخصصة، كمجلة الدراسات العُمانية، ومجلة نزوى، ونشر مركز ذاكرة عمان كتاباً للباحث حارث الخروصي بعنوان: «الفن الصَّخري في عمان، الكتابات والرسومات الإيحائية»، وخَصَّصتْ الموسوعة العُمانية أكثر من مدخل، تتعلق بفن الكتابات الأثرية، فالرَّسْم على الصخور ليس مجرد كشطات بالإزميل، بل هو تراث يعبِّر عن صراع الإنسان الطويل مع الحياة.