"التاريخ السياسي والعلمي للسويق والمصنعة"
"التاريخ السياسي والعلمي للسويق والمصنعة"
ثقافة

أضاميم .. التاريخ الإنساني للمدن العمانية في جوانبه الثقافية والاجتماعية

18 ديسمبر 2021
18 ديسمبر 2021

كانت بعض المدن العمانية في قديم الزمان عواصم إدارية وسياسية، مثل صُحَار والرُّستاق ونَزْوَى، وبعضها تفرَّدت بمجاورتها للبحر، فعلى امتداد الساحل العُماني الطويل من أقاصي محافظة ظفار، إلى آخر قرية في مسَندَم، تتناثر المدن البحرية، كمحارات تخبئ في داخلها كنوز اللؤلؤ، وخلال القرون الماضية كانت تلك المجاورة مصدر خير ورزق على الناس، فعملوا في البحر، وصنعوا السفن، ووصلوا بها إلى المرافئ البعيدة، وكانت مصدر شر ووبال عليهم أيضاً، فمن البحر اقتحمت سفن الغزاة السواحل، فأهلكوا الحرث والنسل، وعاثوا فيهم فساداً، مثل مدن قَلهَات وقرَيَّات ومَسْقَط ومَطرَح وصُحَار، التي شهدت حروباً طاحنة مع استعمار "البوكيرك" البرتغالي في القرن السادس عشر الميلادي، (احتلَّ البوكيرك السواحل العمانية في عام 1508م).

وفي المحافظات العمانية البعيدة عن البحر، هناك بحر آخر لا ساحل له، بحر الحياة الممتد إلى أعماق الزمان، وأعني بها المدن التاريخية الضاربة في الزمن السحيق، والمشحونة بتاريخ إنساني عريق، لكنه في الغالب تاريخ لم يُكتَب، فضاع منه الكثير، وقد يرد له ذكر خجول في الكتب التاريخية، لكنه لا يعكس واقع الحياة الهادر، ولذلك باتت الكتابة عن المدن العمانية مطلب مهم، وضرورة ثقافية وتاريخية، والحقيقة أنَّ التاريخ العماني لم يُدوَّن بتفاصيله كاملاً، وما دُوِّن منه يكون في أغلبه متعلق بالشخصيات البارزة في المجتمع، كالفقهاء والأدباء، أو من يكون لهم دور في التاريخ السياسي، كالأئمة والقادة.

ألا تحتاج مدينة تتصدر التاريخ السياسي العماني كصُحَار إلى موسوعة خاصة بها؟ والسؤال يشمل بقية المدن والحواضر العمانية في مختلف المحافظات، فكل مدينة لها تاريخها الخاص، وتجربتها الإنسانية تستحق أن توثق، بما تشمله من ثقافة وسياسة واقتصاد وغيره، فمثل هذا التدوين يبقى للأجيال، ويحفظ ذاكرة الإنسان فيها، الذي أسهم بإبداعات مختلفة، وترك بصمته ورحل.

هناك كتب قدَّمت لمحات من التاريخ الإنساني العماني في جانبه الثقافي والعلمي والسياسي والاجتماعي، وبذل مؤلفوها جُهْداً في جمع ما تناثر من أوراق ووثائق ونصوص ومخطوطات، وسردت سيراً ببليوغرافية لبعض الشخصيات، وتحدثت عن المكان في جغرافيته الجميلة مع ما حوله، وقدَّمت نبذة عن تاريخ القرية والمدينة، من بينها: كتاب: "بِطِين، لمَحات عنها، تذكرة للأجيال القادمة"، للكاتب الأديب: أحمد بن عبدالله الفلاحي، الذي صدر عام 2013م في جزء واحد، عن الرؤيا للصحافة والنشر، وكذلك موسوعة: "السَّلوى في تاريخ نزوى"، للباحث: محمد بن عبدالله السيفي، الصادرة عن وزارة التراث والثقافة في ستة أجزاء، تزامن صدورها مع احتفالية نزوى عاصمة للثقافة الإسلامية 2015م، وموسوعة: "التاريخ السياسي والعلمي للسويق والمصنعة"، للباحث: فهد بن علي السَّعدي، الصادرة عن مركز ذاكرة عُمَان في تسعة أجزاء.

هذه التجارب في جزئها الواحد، أو أجزائها المتعددة، تمثل شكلاً من أشكال الكتابة عن التاريخ العُماني في القرية أو المدينة، وبلا شك استفاد الكُتاب من التجارب التي سبقتهم في التدوين والتوثيق، فهذا أسلوب عربي قديم، أرفد المكتبة العربية بمؤلفات نفيسة، ولا يخفى عليهم وعلى القارئ الكتب التاريخية الموسوعية الكثيرة، التي وثقت تاريخ العواصم والدول.

وعودة إلى كتاب: "بِطِّين، لمحات عنها، تذكرة للأجيال القادمة"، يوثق الكاتب أحمد الفلاحي التاريخ الإنساني في جوانبه الثقافية والاجتماعية لقريته "بِطِّين"، ضمن قرى "وادي نام" الخضراء، والواقعة جهة الشرق من ولاية إبراء، محاطة بجبال سهلية وأودية خصيبة، وفي كتابه يسرد قصة تموضع قريته بين الجبال، وتفسير تسميتها، وحدودها الجغرافية، وحديث عن طبيعة أرضها وأفلاجها، وأنواع النخيل والمزروعات التي تجود فيها، كما فصَّل الحديث عن آثارها ومعالمها وحارتها القديمة، ويمكن القول: إن بِطِّين بكل ما تحويه من معالم وملامح وجغرافيا وتاريخ، تحتشد بين دفتي هذا الكتاب، والرائع فيه هو ترقيقه بنصوص شعرية لشعراء من القرية، كتبوا الشعر الفصيح في مختلف الأغراض، حتى من هاجر منهم إلى زنجبار، كتب قصائد في قريته بِطِّين متشوقاً إليها، مع قصائد لشعراء العامية، كتبوا في فنون التغرود والمقصب والعزوة والميدان، وتضمينه لوثائق ومكاتبات ونسخ من مخطوطات، مع صور ضوئية لأهم الملامح القديمة في القرية، مثل دروازة الحارة، وشريعة الفلج الشرقي "العُود"، والفلج الغربي: "الصغير"، والأطلال المتبقية من القرية، والأبراج القديمة، ودكاكين سوق بطين القديمة، و"سبلة عسار" الأثرية، بأقواسها التي هدمت، والجامع القديم الذي هدم أيضاً، والمزارع الجميلة، وبعض أنوع الثمار مثل الفيفاي والأمبا والموز والجوافة والتين، وأنواع النخيل، وأرفق الكاتب أهم الصور لعائلته الكبيرة، يظهرون في مراحل عمرية مختلفة، كل هذا الجمال حوته 430 صفحة، فكتاب بِطِّين تحفة أدبية، ووثيقة تاريخية، لقرية تسكن القلب من القراءة الأولى للكِتاب، وتزداد أهميته بتقادم الأيام، فخلال العقود القادمة سيتعرف الأجيال على قريتهم، ويعيدون اكتشافها من جديد من خلال الكتاب، بعد أن تضيع ملامحها القديمة، وتصبح حاراتها وبيوتها القديمة وأطلالها، خبراً بعد أثر.

وفي عام 2015م، صدر مؤلَّفان موسوعيان، الأول للباحث محمد بن عبدالله السَّيفي، وكتابه "السَّلوى في تاريخ نزوى" في ستة أجزاء، والثاني للباحث فهد بن علي السَّعدي، وكتابه "التاريخ السياسي والعِلمي للسُّويق والمصنعة" في تسعة أجزاء، ومع أن لفظ التاريخ ضمن عنوان كتاب السَّلوى، إلا أن مؤلفه لم يقتصر على ما يتعلق بتاريخ المدينة فقط، بل شملت موسوعته: "الأماكن والآثار"، و"التراجم والأعلام"، و"المجتمع والثقافة"، وهي الأوسع في مجالها، ولكنها مسبوقة بتجربة في التوثيق العلمي لتاريخ مدينة نزوى، للباحث ناصر بن منصور الفارسي، فقد نشر في عام 1994م كتاباً بعنوان: "نزوى عبر الأيام معالم وأعلام"، صدر عن نادي نزوى، بمناسبة "عام التراث العماني"، ويقع في 275 صفحة، تناول فيه تراجم لشخصيات فقهية وأدبية، عاشت خلال القرون الماضية، والكتاب اليوم مرجع للباحثين.

أما فهد السَّعدي فخصص موسوعته في التاريخ السياسي والعِلمي لولايتي السُّويق والمصنعة، ملتزماً بعنوان موسوعته، ولم يَحِدْ عنه إلى تفاصيل جغرافية لا تدخل في التأريخ، ولذلك نقرأ في أجزاء الكتاب تفاصيل عن التاريخ السياسي والعِلمي للولايتين، مقسماً عمله في جزئه الأول إلى ثلاث فترات، بدأت بظهور الإسلام سنة 620م، إلى قيام دولة اليعاربة سنة 1624م، ثم إلى قيام دولة آل بوسعيد سنة 1749م، وفي الثالثة إلى العهد الجديد وقيام دولة السلطان قابوس سنة 1970م، والجزء الثاني خصصه للوثائق والإقرارات والوكالات والفصولات، والثالث للمراسلات والوصايا والصور، والرابع لترجمة الفقيه والمؤلف جميِّل بن خميس السعدي (ت: 1278هـ)، والحديث عن كتابه الموسوعي الفقهي الشهير "قاموس الشريعة" المُؤلَّف من 90 جزءاً، وخصص الجزء الخامس للترجمة عن ثلاثة من الأعلام وهم: حمد بن خميس السعدي، وراشد بن مصبح السباعي، ومحمد بن سليِّم الغاربي، وترجم في الأجزاء السادس والسابع والثامن عن المشتغلين بالعلم، وأنهى موسوعته بجزء تاسع، خصصه للفرائد والفوائد والفهارس والمصادر، فهل يتصور قارئ للكتاب أن كل هذا الجهد العلمي يخرج من ولايتي السويق والمصنعة؟، وماذا لو تفرَّغ باحث آخر ليكتب عن ولايات شهيرة بالعلماء والأدباء والفقهاء والمدارس العلمية، والمكتبات والأوقاف الخاصة للمتعلمين والدارسين كولاية بهلا؟، حتماً سيخرج بموسوعة كبيرة.

ومن المناسب أن أشير إلى مشروع ثقافي تعمل على إنجازه "مكتبة الندوة الأهلية العامة"، ضمن مشاغلها البحثية، حيث خصصوا غرفة بحثية تُعرَف باسم: "غرفة بَهلا"، أرجو أن يرى النور، وأن يكون القائمون عليه قد قطعوا شوطاً، في تدوين وتوثيق كل ما يخص بهلا قديماً وحديثاً.

هناك ولايات أخرى جديرة أن يعمل أدباؤها وباحثوها على الكتابة عنها، من أجل أن نحفظ تاريخنا الثقافي والعلمي المتناثر في هذه الولايات العمانية، فعمان ما تزال بكراً للباحث، وفي خباياها الكثير مما يمكن أن يُكتب، وما لم يكتب عنه، وفي أضابير الناس وخزائنهم ومدوناتهم الخاصة، الكثير والكثير مما يُثري الباحث، والجدير بالتدوين والتوثيق.

وختاما: لم تسمح لي المساحة أن أذكر كل من كتب عن المدن العمانية، دراسة أو بحثاً، هناك كتب أخرى لباحثين عمانيين، تناولت التاريخ الإنساني والحضاري، ممثلاً في تاريخ المدينة كمكان، أو تاريخ الإنسان، تلتقي جميعها في معراج البحث التوثيقي.