facebook twitter instagram youtube whatsapp
1699223
1699223
ثقافة

أجراس: «مديح الشنفرى» للزيودي: الصعلوك في ظلال أسلافه

18 يوليو 2021

حسن المطروشي -

عِشْتُ الحياة كما يليقُ بمُرِّها وبمرها،

وكما يمُرُّ السهمُ منْ جسدِ الغزالِ مررتُ،

وحدي كنتُ في بريةِ الدنيا،

ولكنَّ الرماةَ بلا عددْ!

حبيب الزيودي

***

ينتمي الشاعر الأردني الراحل حبيب الزيودي إلى سلالة الشعراء البسطاء الطيبين، إلى جانب جنونه وفوضاه وبوهيميته التي كان يعرف بها، وهو ما يجعله نموذجا للشاعر الصعلوك الذي يمكن رصده ضمن تيار الشعرية المتمردة في الشعر العربي الحديث.

يقول عوني صبحي الفاعوري في بحث له بعنوان (النص الغائب في شعر حبيب الزيودي ): «يعد حبيب الزيودي من الشعراء الأردنيين الذين خرجوا على الواقع المعيش وتمردوا على الراهن، فقد عانى الزيودي كثيرا، وعاش الحرمان وضيق ذات اليد، وشاهد كيف يصل المنافقون والمتملقون، وعرف بذكائه كيف استطاع نفر من الناس الوصول إلى ما لا يستحقون، ولمس عجز الأمة وعقم الحياة. ولذلك، لا غرو أن نجد حبيبا يستحضر نصوصا للشنفرى الشاعر الجاهلي الصعلوك، الذي خرج على نظام القبيلة والجماعة».

وقال عنه الشاعر اللبناني شوقي بزيع في تأبينه: «كان مسرفاً في حبه للحياة كما في زهده منها، في عقد الصداقات كما في إشهار الخصومات، في جباية الأموال كما في تبديدها، في التنسك الـصوفي كما في معـاقرة الـلذات. ورغم تعلقـه الظاهر بعَمّان فقد كانت البادية الأردنية موطئ قلبه المترع بالحنين إلى نسيم الماضي والمـصوب أبدًا إلى بيت بعيد في الضباب يقول عنه: «في الليل/ في ليل «الجبيهة» والبيوت تنام كالأطفال/ أركن جانبًا سيارتي وأقود قلبي/ كي أرى بيتًا بعيدًا في الضباب/ السرو حول السور رهـبان أمام الله/ لا كشفٌ هناك ولا حجاب/ أتشمم الأسلاف فيه/ وجوههم غابت وذابت في الوحول/ وكلما سح الغمام على الثرى/ طلعت زنابق في التراب».

***

لقد عرف الشعر العربي منذ ما قبل الإسلام ظاهرة التمرد والصعلكة لدى عدد كبير من الشعراء مثل أبي خراش الهذلي ومالك بن الريب والأحيمر السعدي وتأبط شرا وعروة بن الورد والسليك بن سلكة والشنفرى الأزدي الذي يتقمصه حبيب الزيودي في قصيدة (مديح الشنفرى). وهنا نشير إلى أن حبيبًا -رحمه الله- نشر القصيدة بعنوان آخر وهو (نشيد الشنفرى)، ولكنني سأعتمد هنا العنوان الأول، كونه يوجد لدي بخط يده، ضمن قصائد كان قد سلمني لها عند لقائنا في مسقط قبل وفاته، رحمه الله.

في هذه القصيدة يلجأ حبيب الزيودي إلى استخدام تقنية (قصيدة القناع) من خلال استدعاء الشاعر العربي المعروف الشنفرى الأسدي. ونجد هذه الظاهرة تتكرر، على نحو أو آخر، في شعرنا العربي الحديث، إذ يلجأ الشاعر الحديث إلى استحضار الشاعر القديم ليقدمه دعامة لقوام النص ويقوم باستنطاقه على نحو فني مبتكر. ومثال ذلك ما نجده عند شعراء مثل: محمد علي شمس الدين في قصيدته (عودة ديك الجن إلى الأرض) وقصيدة (عكاز لامرئ القيس)، وشوقي بزيع في قصيدة (حوار مع ديك الجن) وقصيدة (تهيؤات عمر بن أبي ربيعة)، ومحمود درويش في قصيدة (رحلة المتنبي إلى مصر)، وعز الدين المناصرة في قصيدة (امرؤ القيس يصل فجأة إلى ـ قانا الجليل)، وسركون بولص في قصيدة (بعد لأي «أمثولة أبي تمام»)، وغيرهم.

كتبت سابقا عن حبيب الزيودي بأنني كثيرا ما قرأت وكتبت عن شعراء يشبهون شعرهم إلى حد التماهي، ولكني لم أعرف طوال حياتي شاعرًا يتمثل في شعره بهذه النصاعة مثل الشاعر الأردني حبيب الزيودي، رحمه الله. فهو يمثله بكل جنونه وتناقضاته وتمرده وحزنه وانكساراته وفوضاه وشفافيته وعبثيته وطيبته العربية البدوية اللامتناهية. الشاعر والشعر هنا يتطابقان ليعكس كل منهما تفاصيل الآخر، ليس شكلا وإنما روحا وجوهرا ونقاء.

ففي الوقت الذي يكتب قصائد المديح لملك الأردن، ويعلن التمرد على عرار في قصيدة أخرى، فإنه لا يتردد عن الاحتفاء بالشاعر الصعلوك العربي «الشنفرى» في قصيدته البديعة (مديح الشنفرى) التي يتقمص فيها شخصية الشنفرى، مستخدما تقنية الإسقاط الفني، من خلال توظيف شخصية الشنفرى واستحضارها في قصيدة تحمل اسم الشاعر القديم في عنوانها، ولكنها في مضمونها تحتفي بالشاعر الجديد، الذي هو حبيب الزيودي أو أي شاعر صعلوك معاصر.

في هذا النص يحيلنا الزيودي على نحو مباغت إلى عوالم الشنفرى في قصيدته المعروفة بـ(لامية العرب)، وذئابه الجائعة الهزيلة التي تعوي من شدة الجوع والهزال ليلا. يقول حبيب في مطلع القصيدة:

يبيت على الطوى ذئبا ويعوي

أبيًّا في منافيها.. طليقا

إذا ما اصطاد فتش عن رفيقٍ

ويحزن حين لا يجد الرفيقا

يفتش في الطريق على فقير

فإن لم يلق أطعمها الطريقا

ونراه في البيتين الثاني والثالث يركز على قيمة مشاركة القوت مع غيره من الرفاق أو الجوعى. وهذه القيمة الإنسانية العليا كثيرا ما نلمسها في أشعار الصعاليك مثل قول عروة بن الورد:

إِنّي امرُؤٌ عافي إِنائِيَ شِركَةٌ

وَأَنتَ امرُؤٌ عافي إِنائِكَ واحِدُ

أَتَهزَأُ مِنّي أَن سَمِنتَ وَأَن تَرى

بوَجهي شُحوبَ الحَقِّ وَالحَقُّ جاهِدُ

أُقَسِّمُ جِسمي في جُسومٍ كَثيرَةٍ

وَأَحسو قَراحَ الماءِ وَالماءُ بارِدُ

يقول عوني صبحي الفاعوري في بحثه المذكور أعلاه: «إن قصيدة (نشيد الشنفرى) للشاعر الزيودي تناص واضح، واستدعاء ساطع، ومعادل موضوعي لحال الشاعر؛ إذ إن الشنفرى والزيودي يعيشان حياة الصعلكة والتمرد والتطلع إلى الحرية،ّ فاعتزلا المجتمع، وهام كل منهما على طريقته. وقد وحّد الشاعر بين الشنفرى والذئب، إذ إن كلا منهما يأبى الضيم ويبيت على الطوى والجوع في مقابل حريته وكرامته وإنصاف الفقير».

وتتفق القراءة النقدية لقاسم محمد الدروع ومحمد القضاة في تجربة حبيب الزيودي الشعرية مع ما ذهب إليه الفاعوري، إذ يؤكدان بأن الشاعر يطابق «بين الشنفرى والذئب بأن توحدا بالجوع والإباء والحرية، فينقل بذلك تجربة الشنفرى نحو الغربة لتمرده على المجتمع وثورته على ما فيه من ظلم، فيركز على المعاناة الإنسانية للشنفرى عبر محورين: الفقر والشعر».

***

القصيدة التي بين يدينا للشاعر حبيب الزيودي، وإن كانت تنفتح على أكثر من سؤال إنساني ووجودي، فهي ترتكز على رؤية الشاعر الثائر والتمرد، إزاء قيم الحياة والمجتمع والعدالة والحرية والثقافة. وبما أنه ليس بوسعنا هنا الدخول في تفاصيل القصيدة كاملة، فإننا نتوقف عند أحد الأبيات، هذا البيت الذي أوجز فيه حبيب حياته بأسرها، وهي حياة الشنفرى التي تقوم على الشعر والفقر والجنون:

ولخَّصَ عمرَه شعرا وفقرا

وزادهما الجنون له بريقا

وأخيرا نتساءل نحن عن حبيب الزيودي كما تساءل هو عن الشنفرى:

ترى لو عاد ثانية أيلقى،

إذا ما عاد، في الدنيا فروقا؟

أعمدة
No Image
يوميات سورية 16
ـ 1 ـهذا المساء... قدم لي النمل درسا في عناد الغريزة العليا.هذا المساء قدّم لي ذكر النحل درسا في الغريزة العليا.والعصفور، وهو يغني قبل النعاس، قدّم لي درسا في تحمل الأحزان.النمل... للمؤونة من أجل شتاء قادم.ذكر النحل أدى واجبه في ازدياد الخلايا.وأنا أتعثر بغموض الكلمات الواضحة.ـ 2 ـخفضت حصة الفرد...