No Image
الاقتصادية

مشاكل شركات السيارات اليابانية

17 أبريل 2026
17 أبريل 2026

في مؤتمر صحفي حزين الشهر الماضي، أعلن ميبي توشيهيرو الرئيس التنفيذي لشركة السيارات اليابانية "هوندا" أن شركته في طريقها الى تسجيل أول خسارة صافية لها منذ عام 1957 في سنتها المالية المنتهية في مارس.

هذا إخفاق تحمَّل ميبي مسئولية شخصية عنه. وقال إنه سيستقطع 30% من راتبه وراتب نائبه.

هوندا ليست شركة صناعة السيارات اليابانية الوحيدة التي تتعرض الى ضغوط بالغة. ففي مناسبة خاصة بقطاع السيارات في الأسبوع التالي لمؤتمره وجَّه ميبي تحذيرا صارخا مفاده أن "صناعة السيارات اليابانية نفسها على شفا الانهيار."

من الصعب القول إنه كان يبالغ في ذلك. فشركة نيسان التي كانت في وقت ما سادس أكبر شركة لصناعة السيارات في العالم من حيث المبيعات تدخل عامها الثاني لإعادة هيكلة قاسية تخطط بموجبها لإغلاق سبعة مصانع بحلول عام 2028.

قلَّصت رسومٌ جمركية مفروضة بنسبة 25% على السيارات الواردة الى الولايات المتحدة أرباحَ صناعة السيارات اليابانية. لكن الصعود الكبير للشركات الصينية المنافسة هو الأقوى تأثيرا. في عام 2019 شكلت مبيعات الشركات اليابانية 31% من إجمالي مبيعات السيارات عالميا. لكن في العالم الماضي تراجعت حصتها من هذه المبيعات الى 26%.

كانت الصدمة أعظم في آسيا. ففي الصين نفسها تراجعت مبيعات السيارات اليابانية بحوالي الثلث منذ عام 2019. وفي جنوب شرق آسيا التي كانت يوما ما مَعْقَلا لها هبطت حصتها السوقية الى 57% في عام 2025 من 68% قبل سنتين فقط من ذلك. لقد بدا في وقت ما أن انطلاق شركات السيارات اليابانية لا يمكن وقفه. فما الذي أصابها لكي يحدث لها كل هذا؟

لبّ المشكلة هو أن الشركات اليابانية واجهت مصاعب في التحول الى السيارات التي تدار محركاتها بالكهرباء حتى بأكثر مما فعلت نظيراتها الغربية. وشككت شركات عديدة منها في قدرة السيارات الكهربائية التي تشكل حصة لا تذكر من مبيعاتها على البقاء. أما سيارات البنزين التقليدية فتشكل أكثر من نصف مبيعات مصنّعي السيارات اليابانية و80% من مبيعات نيسان التي تحيط بها المتاعب. وبدلا من السيارات الهجين القابلة للشحن (بقابس خارجي) فضَّل معظمها التركيز على السيارات الهجين التقليدية التي تعتمد على المحرك والمكابح لتوليد الكهرباء اللازمة لشحن البطارية. وذلك لسهولة تجميعها باستخدام خط إنتاج محركات الاحتراق الداخلي.

كما عبرت شركات السيارات اليابانية عن اهتمامها بالتقنيات البديلة كالسيارات التي تدار بالهيدروجين لنفس السبب.

مع ذلك، استمر التوسع بوتيرة سريعة في السيارات الكهربائية بقيادة الشركات الصينية المنافسة. وشكلت مبيعات السيارات الكهربائية بما فيها الهجين القابلة للشحن 26% من سوق السيارات العالمية في العام الماضي ارتفاعا من 3% فقط في عام 2019. وكانت وتيرة تبنيها سريعة خصوصا في جوار اليابان نفسها. فحوالي ثلث السيارات المباعة في آسيا هي الآن كهربائية.

ليست الصين فقط هي التي انطلقت فيها هذه السيارات. ففي سنغافورة شكلت السيارات الكهربائية 45% من إجمالي السيارات التي سجلت خلال العام الماضي. وفي تايلاند التي توجد بها لشركات السيارات اليابانية سلاسل توريد تعود الى سنوات الستينيات تبلغ حصة السيارات الكهربائية 20% وتشهد ارتفاعا.

في مواجهة كل هذا بدأت الشركات اليابانية بعد تلكؤ في زيادة عروضها من السيارات الكهربائية. ففي عام 2024 دشنت هوندا أول سيارة تنتجها على نطاق واسع وتعاونت في تطويرها مع الشركة الأمريكية العملاقة جنرال موتورز.

المشكلة هي أن صناعة السيارات الكهربائية التي هي عمليا "حواسيب على عجلات" وتعتمد على البرمجيات أكثر من اعتمادها على المعدات المعقدة لا تستفيد من مكامن القوة التقليدية لليابان في مجال الهندسة الميكانيكية.

أقر ميبي في مؤتمره الصحفي بذلك وتعهد بأن تستثمر شركته المزيد في البرمجيات مثل أنظمة مساعدة السائق المتقدمة (من كاميرات ومستشعرات وما الى ذلك- المترجم).

تجرِّب الشركات اليابانية طرائقَ مختلفة للحصول على خبرة بالبرمجيات. ففي العام الماضي عقدت نيسان شراكة مع الشركة البريطانية الناشئة "ويف" والتي تطور تقنية قيادة ذاتية لتحسين أنظمة مساعدة السائق المتقدم الخاصة بها. لكن سِجِل مثل هذه الترتيبات كان مزيجا من النجاح والفشل. ففي الشهر الماضي تخلت هوندا عن مشروع سيارة كهربائية مشترك مع شركة التقنية اليابانية العملاقة "سوني". لقد بدا الاقتران بين شركتين عريقتين محفوفا بالمخاطر منذ البداية، حسبما يقول شيبوساوا كين رئيس مجلس إدارة شركة الاستثمار اليابانية "كومونز اسيت منجمنت" لإدارة الأصول والتي باعت مؤخرا أسهم هوندا بعدما ساندتها لمدة 17 عاما.

أضافت الاستثمارات الجديدة تكلفة لشركات السيارات اليابانية فيما ظل إجمالي مبيعاتها أقل من ذروتها في فترة ما قبل الجائحة مما شكل ضغطا على الهوامش الربحية. وحسب شركة الوساطة "بيرنستين" التكاليف الثابتة للوحدة في قطاع صناعة السيارات (بما في ذلك تكاليف البحث والتطوير وإهلاك المعدات) أعلى بحوالي 75% عما كانت عليه قبل عشرة أعوام. لقد جعل ارتفاع الأجور وعدم مرونة قوانين التوظيف في اليابان من الصعب السيطرة على التكاليف.

تويوتا هي الاستثناء الوحيد في كل هذه الكآبة. إنها أكبر شركة لصناعة السيارات في العالم من حيث المبيعات والربح الصافي. ويعني وضعها كشركه رائدة في قطاع السيارات الهجين التقليدية، التي لديها به حصة سوقية بنسبة 40%، أنها استفادت من سحب إدارة ترامب الدعومات الحكومية عن السيارات الكهربائية في أمريكا.

على الرغم من أن رئيس مجلس ادارتها تويودا اكيو عبر عن شكوكه حول حجم الطلب المحتمل على السيارات الكهربائية إلا أن الشركة دشنت العديد منها للصين حصريا. وكانت قد طورتها بالتعاون مع شركات محلية من بينها "بي واي دي" وأيضا "هواوي."

أتاح ذلك دروسا قيِّمة. فتويوتا هي الوحيدة من بين شركات السيارات اليابانية (ومعظم الشركات الغربية) التي تمكنت من الحفاظ على حصة سوقية مستقرة في الصين تشكل 6%من المبيعات (شركة بي واي دي تتقدم الشركات الأخرى بنسبة 13%.) ومن المتوقع أن تكون هنالك تشكيلة عالمية واسعة من السيارات الكهربائية بحلول عام 2027.

لكن وجود شركة سيارات واحدة قوية وراسخة في قائمة من الشركات المتعثرة لا ينتج صناعة معافاة. في الواقع، تنتشر التكهنات في طوكيو بأن شركات السيارات اليابانية سيتوجب عليها الاندماج لتظل قادرة على المنافسة عالميا.

بدأت شركتا هوندا ونيسان في أواخر عام 2024 مفاوضات اندماج كان من شأنها إيجاد ثالث أكبر شركة سيارات عالمية من حيث المبيعات. لكنها انهارت لاحقا وسط مشاحنات.

المشكلة هي، الى جانب دمج شركتي هوندا ونيسان، لا توجد صفقات مماثلة تستحق إبرامها. فموديلات السيارات المتقاطعة (المتشابهة) والعمليات الإنتاجية التي يصعب دمجها تعني أن "الكل سيكون أقل من مجموع أجزائه" إذا حدث الاندماج، حسب مايك سميتكا الباحث الأكاديمي الذي يدرس صناعة السيارات اليابانية.

ستكون تويوتا عند عقد صفقات الدمج في الموقف المالي الأقوى. لكن يبدو أنها تفضل تعزيز قبضتها على صناعة السيارات من خلال حصص الأقلية. فهي تمتلك 21% من سوبارو و5% من كل من مازدا وسوزوكي (التي تبيع معظم سياراتها في الهند.)

قد لا يكون لدى تويوتا الكثير الذي يمكن أن تكسبه من استحواذٍ باهظ التكلفة على إحدى الشركات المنافسة والمتعثرة. يقول أحد المقربين من تويوتا "سيكون من الصعب لشركة نيسان الحفاظ على وضعها الحالي. لكن نموذج عملها غير مغري لعملاق صناعة السيارات(تويوتا)"

تجد شركات السيارات اليابانية طرائق أخرى للتعاون بدلا عن الإندماجات. تحدث ايفان سبينوزا الرئيس التنفيذي لشركة نيسان عن معايير شراء مشترك للمدخلات السلعية في العملية التصنيعية كالأسلاك الكهربائية أو الصلب مما يمنح شركات صناعة السيارات قوة تسعيرية أكبر مع مورِّديها. يقول سبينوزا "تجري حوارات الآن داخل صناعة السيارات ما كانت لتحدث قبل عامين أو ثلاثة."

لايزال هنالك مجال لأن تجد هوندا ونيسان طرقا لتوحيد أجزاء من عملياتهما الإنتاجية، مثلا بدمج سلاسل توريد بطارياتهما.

الوقت مبكر للحكم على هذه الشركات التي عركتها المنافسة بعدم القدرة على الاستمرار. لكنها ستحتاج الى تفكير جريء لكي تبقى.