مؤشرات أمريكية ترصد بارقة أمل في معركة العالم ضد التضخم
- ما زال الطريق طويلا لخفض ارتفاع الأسعار عالميا إلى المستويات المستهدفة عند 2%
- في ظل التوتر السياسي المتصاعد في العالم سيكون على الشركات والحكومات تبني خطة طوارئ تحسبا لكافة الاحتمالات
- تحديات عديدة يشهدها العالم لكن الانفتاح على الفرص في الأوقات المتغيرة سيؤتي ثماره في تحقيق انتعاش في بعض الدول
خلال الأيام الأخيرة قرر بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفع سعر الفائدة على الدولار بنسبة 0.75 بالمائة وكانت المرة الخامسة التي يتم فيها الرفع هذا العام ضمن المعركة الصعبة التي تخوضها غالبية البنوك المركزية في العالم لخفض معدل التضخم وما يصاحبه من زيادة حادة في أسعار السلع.
ويعد رفع سعر الفائدة الأداة الأساسية التي يتم استخدامها لاحتواء تضخم سجل خلال العام الجاري معدلات قياسية غير مسبوقة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية ومنطقة اليورو.
وللمرة الأولى هذا العام بدأت بعض المؤشرات تشير إلى أن التوجه نحو رفع الفائدة بدأ في تحقيق تقدم طفيف نحو مستهدفاته خاصة مع الانخفاض خلال الأسابيع الأخيرة في أسعار النفط والذي انعكس إيجابا على كلفة الكهرباء والبنزين للمستهلكين.
وبعد زيادات هي الأعلى في الأسعار منذ 40 عاما، رصدت الإحصائيات الخاصة بأسعار المستهلكين في الولايات المتحدة بارقة أمل في الحرب ضد التضخم مع استقرار هو الأول من نوعه في معدل التضخم خلال يوليو الماضي، واستقرت أسعار الاستهلاك عند نسبة 8,5 بالمائة في يوليو 2022 مقارنة مع الشهر نفسه من العام الماضي، وجاءت نسبة التضخم في يوليو الماضي أقل من توقعات المحللين الذين كانوا يرجحون ارتفاع التضخم إلى نسبة 8,7 بالمائة، وهو ما يسجل تطورًا إيجابيًا مهمًا للغاية في سعي البنوك المركزية نحو خفض التضخم الذي تحول إلى واحد من أهم المعضلات التي تواجه العالم.
- التضخم يمضي بوتيرة بطيئة
لكن على الرغم من ذلك ما زال الطريق طويلًا لخفض معدل التضخم إلى المستويات المستهدفة عند 2 بالمائة خاصة أن التقدم في جهود احتواء التضخم يمضي بوتيرة بطيئة في منطقة اليورو إذ أظهرت التقديرات الأولية لوكالة الإحصاء الأوروبية «يوروستات»، أن مؤشر التضخم السنوي في منطقة اليورو في شهر أغسطس 2022 بلغ 9.1 بالمائة مقارنة مع 8.9 بالمائة في يوليو من العام الجاري، وقد فاق المعدل توقعات المحللين الذين يرجحون أن يصل المعدل إلى نحو 10 بالمائة بحلول نهاية العام مما يفرض علي البنك المركزي الأوروبي مواصلة رفع الفائدة.
من جانب آخر، يظل الركود أو التباطؤ الاقتصادي خطرا قائما بقوة إذا استمر التوجه نحو رفع الفائدة لوقت أطول من اللازم وهناك الكثير من الجهد المطلوب لتوقي خطر الركود وتعزيز النمو الاقتصادي.
وخلال الفترة الماضية، أكد صندوق النقد الدولي أنه لا يستبعد الركود، وقد حذرت مديرة إدارة الاستراتيجيات والسياسات في صندوق النقد الدولي من التبعات القاسية في ظل استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتباطؤ تدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة، ووباء كورونا المتفشي في الصين والذي يؤثر بدوره على النمو، وقد ساءت توقعات الاقتصاد العالمي كثيرا منذ أبريل.
وخفض الصندوق توقعاته للاقتصاد العالمي للسنتين الحالية والمقبلة ثلاث مرات هذا العام، بسبب ارتفاع معدلات التضخم والتباطؤ الشديد في الولايات المتحدة والصين، محذرا من أن الوضع قد يتجه لمزيد من التدهور، نظرًا لأن العالم يقترب من حافة ركود عالمي، بعد عامين فقط من آخر ركود شهده العالم في ظل تفشي الجائحة، وحاليا تشهد أكبر ثلاثة اقتصادات في العالم، الولايات المتحدة والصين ومنطقة اليورو، جمودا في النمو مع تداعيات سلبية لهذا الجمود على آفاق توقعات النمو العالمي.
- رفع أسعار الفائدة
وخفض تقرير صندوق النقد مرة أخرى بشأن «توقعات الاقتصاد العالمي» لتكون تقديرات الناتج المحلي العالمي لعام 2022 إلى 3,2 بالمائة، كما حذر البنك الدولي من أن رفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم قد يؤدي إلى ركود عالمي في عام 2023، وأشار إلى أن البنوك المركزية قد رفعت أسعار الفائدة «بدرجة من التزامن لم نشهدها خلال العقود الخمسة الماضية» لمواجهة ارتفاع الأسعار.
وتحولت تطورات التضخم إلى أخبار مهمة يتابعها عن كثب المحللون وأيضًا المستهلكون وأصبح معروفًا أن رفع أسعار الفائدة يستهدف جعل الاقتراض أكثر تكلفة للمستهلكين وبالتالي خفض معدلات الإنفاق لدفع وتيرة ارتفاع الأسعار نحو التراجع، لكن هذا التوجه قد يؤدي أيضًا إلى إبطاء وتيرة النمو الاقتصادي، في توقيت يمر فيه الاقتصاد العالمي بالفعل بأشد فترة تباطؤ منذ عام 1970.
وتأتي الحرب الأوكرانية لتلقي بظلالها الشديدة على أفق النمو وقد أعلن الاتحاد الأوروبي في الأسابيع الأخيرة عن خطة لخفض السعر المدفوع مقابل الغاز الطبيعي من روسيا، وفي المقابل هدد الرئيس بوتين بمزيد من تقييد إمدادات الطاقة إلى أوروبا وقد تم بالفعل وقف بعض الإمدادات.
ومنذ اشتداد وتيرة الحرب، ارتفعت أسعار الكهرباء وأغلقت بعض الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة عملياتها الأوروبية، والنتيجة المحتملة، باستثناء بعض الحلول السريعة التي قد يتوصل إليها قادة الدول الأوروبية، قد تكون ركودًا أوروبيًا كاملًا هذا الشتاء.
وفي تقرير نشرته مجلة فوربس المرموقة والمتخصصة في الشؤون الاقتصادية، رصد التقرير العديد من التطورات في الصين أيضا والتي سيكون لها تأثير كبير على مسار النمو العالمي، مشيرًا إلى أن أداء الاقتصاد الصيني يتسم بحالة من الضعف حاليا نظرًا لاتباع سياسة صفر كوفيد التي أغلقت أجزاء من الاقتصاد، كما يشهد ملف تايوان تصاعدا في التوتر قد يهدد بعواقب شديدة في حال تحول تايوان لبؤرة صراع جديدة في مشهد عالمي يعاني بالفعل من تبعات الحرب في أوكرانيا.
- الأبعاد السياسية
وإضافة إلى الأبعاد السياسية للتوتر بين الدول الغربية من جانب وبين الصين وروسيا من جانب آخر، هناك تأثيرات واسعة للتوترات الدولية على الجانب الاقتصادي، إذ يوجد في روسيا والصين بعض من الشركات الرائدة في جميع أنحاء العالم تساهم في رفد وتبسيط سلاسل التوريد في كلا الدولتين وفي العالم، واضطراب أعمال هذه الشركات في ظل التوترات الدولية قد يعني تهديدًا أضافيًا لنمو الناتج الاقتصادي العالمي.
كما رصد التقرير أهم التطورات في الأسعار العالمية للسلع كمؤشر على توجه الأسعار مستقبلًا وما لذلك من تأثير على معدل التضخم، وأوضح أنه عادة ما تكون أسعار السلع الأساسية مقياسًا جيدًا للتوقعات حول النمو الاقتصادي العالمي المستقبلي، وقد انخفضت أسعار النفط مؤخرا على الرغم من الأزمة المرتبطة بإمدادات الطاقة الروسية وانخفاض إنتاج أوبك، كما انخفضت أسعار النحاس في الأسابيع الأخيرة، ويعد النحاس مؤشرًا جيدًا آخر للتوقعات بشأن النمو الاقتصادي.
في الجانب الإيجابي لتطورات المشهد الاقتصادي العالمي، تعتبر كندا والمكسيك، وكلاهما من أسواق التصدير الكبيرة للولايات المتحدة، أقل حساسية لهذه الرياح الاقتصادية العالمية المعاكسة.
وقدم التقرير توقعاته لمدى الركود العالمي، معتبرًا أن الوضع ربما لن يكون كارثيا مثل الأزمة المالية في 2008-2009، لكنه بالتأكيد سيكون أسوأ من الدورات الصغيرة للركود التي شهدها العالم سابقا. لكن إذا اندلع صراع جديد في تايوان، فإن كارثة اقتصادية ستحل بالعالم لبضع سنوات، وفي ظل هذا الحال من عدم اليقين سيكون على الجميع من شركات وحكومات تبني خطة طوارئ تحسبًا لهذا الوضع.
- مبيعات السلع والخدمات
وبالنسبة للدول والشركات التي لديها علاقات تجارية وطيدة مع دول أوروبا، قد تكون المخاوف الأساسية هي مبيعات السلع والخدمات من قبل الشركات كثيفة الاستهلاك للطاقة في أوروبا، حيث قد تضطر إلى تعليق العمليات حتى يمكن تدفئة المنازل في الشتاء، كما قد تضطر هذه الشركات لخفض الإنفاق، وبالتالي يجب على الشركات التي تعتمد على المواد من الشركات المصنعة الأوروبية النظر في مشاكل سلسلة التوريد المحتملة الناتجة عن أزمة الطاقة.
ويمكن أيضًا للشركات التي لديها علاقات مع الصين أن تتوقع نموًا أقل، وربما حتى انخفاض في بعض القطاعات مثل مواد البناء، لكن بشكل عام فإن الركود الاقتصادي الصيني لن يكون حادًا إنما تدريجيًا وطويل الأجل طالما أن السياسات الحالية نفسها في الصين ستظل سارية المفعول.
وبينما لا يبدو أن هناك سيناريوهيًا واحدًا أكثر احتمالية بشكل كبير من السيناريوهات الأخرى في ملف تايوان، لذلك ينبغي النظر في كافة الاحتمالات الممكنة، ويخلص التقرير إلى أنه رغم تعقيدات المشهد السياسي والاقتصادي العالمي، فالدروس المستفادة من الأزمات السابقة في العالم تؤكد أن كل تغيير رئيسي يقدم فرصًا للنمو لعدد قليل من الدول التي تحافظ على زخم النمو ولعدد محدود من الشركات التي تمتلك رؤية إبداعية وجريئة وبعيدة النظر والانفتاح على فرص النمو في الأوقات المتغيرة سيؤتي ثماره في انتعاش اقتصادي لبعض الدول.
