اللمكي: الذكاء الاصطناعي والتوأمة الرقمية أحدثا تحولا في إدارة الأصول وخفض التكاليف
تتبنى سلطنة عمان نهجا راسخا واستراتيجيات واضحة لمواكبة التحول الرقمي في مختلف القطاعات الاقتصادية، ويشكل قطاع النفط والغاز أحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني، ومصدرا رئيسا للإيرادات الحكومية، حيث أسهم لعقود طويلة في تمويل مشاريع التنمية ودعم البنية الأساسية في سلطنة عمان، ومن هذا المنطلق أصبح من الضروري مواكبة أحدث التطورات التقنية المتعلقة بتحسين الكفاءة التشغيلية، وخفض تكلفة الإنتاج، وتعظيم الاستفادة من الموارد لضمان استدامة العمل.
وقدم المهندس علي اللمكي، مديرمديرية التحول الرقمي والبنية التحتية بشركة تنمية نفط عمان في حديثه مع "عمان" تصورا شاملا حول دور الرقمنة والذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل قطاع النفط والغاز، موضحًا كيف أسهمت التقنيات الحديثة في رفع كفاءة العمليات وخفض التكاليف وتعزيز الاستدامة، كما استعرض أبرز المشروعات المبتكرة مثل الصيانة التنبؤية والتوأمة الرقمية التي أحدثت نقلة نوعية في إدارة الحقول والمنشآت، وكيفية دعمها لأهداف "رؤية عُمان 2040" في مجالات الابتكار والتحول الرقمي.
وبين المهندس علي اللمكي أن شركة تنمية نفط عمان تولي أهمية بالغة للتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي باعتبارها محركا رئيسا في الإنتاج والعمليات، حيث أصبحت طبيعة العمل في قطاع النفط والغاز اليوم تعتمد بشكل متزايد على التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وهذه التقنيات لم تعد تكميلية، بل أصبحت عنصرًا أساسيًّا في تطوير أساليب العمل من خلال إسهامها المباشر في تعزيز الكفاءة التشغيلية والمهنية، ورفع مستويات السلامة، وتحسين القدرة على اتخاذ القرار، كما أن التحول الرقمي والاعتماد على الحلول الذكية يوفران بيئة عمل أكثر تكاملاً ومرونة، ويساعدان في مواجهة التحديات المستقبلية، مما يرسخ دور التكنولوجيا كأحد أهم المحركات الاستراتيجية في القطاع.
التحول والدوافع:
وتطرق المهندس إلى دور الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل صناعة النفط والغاز على المستويين التشغيلي والاستراتيجي، حيث أوضح أنه أصبح عنصرا أساسيًّا في سير أتمتة العمليات واستكشاف الموارد وإدارتها وتشغيلها بكفاءة ودقة عاليتين، وعبر الذكاء الاصطناعي يمكن للصناعة أن تنتقل من النماذج التقليدية المعتمدة على الخبرة البشرية فقط إلى نماذج هجينة تدمج بين الخبرة والقدرة التحليلية الفائقة للأنظمة الذكية، وهذا التحول يعزز دقة التنبؤ، ويرفع من مستوى المرونة، ويساعد في اتخاذ قرارات سريعة وفعّالة لتجنب المخاطر التشغيلية المحتملة.
أما حول دوافع الاستثمار في هذه التقنيات فيرى اللمكي أن هناك حاجة ملحة لهذه التقنيات لزيادة الكفاءة وتقليل التكاليف في ظل تقلبات أسعار الطاقة العالمية، إلى جانب أنها تساعد على تحسين معايير السلامة وتقليل المخاطر في بيئة عمل معقدة وحساسة، علاوة على تأثيرها البيئي الإيجابي حيث تمثل هذه التقنيات أداة مهمة للحد من الانبعاثات وإدارة الموارد بما يتماشى مع الأهداف الوطنية والدولية للطاقة النظيفة.
وأضاف بأن الاستثمار في هذه التقنيات يعزز القدرة التنافسية للصناعة ويجعلها أكثر استعدادًا لمواكبة التحولات المستقبلية في سوق الطاقة العالمي
التوأمة الرقمية:
ومن بين المبادرات الرائدة التي أطلقتها شركة تنمية نفط عُمان أفاد اللمكي بتبني الشركة مشروع الصيانة التنبؤية كأحد الأمثلة المهمة على توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في القطاع، حيث تقوم فكرة المشروع على استخدام مستشعرات وإنترنت الأشياء وتحليلات متقدمة للبيانات، بحيث يتم من خلالها رصد حالة المعدات بشكل لحظي والتنبؤ بأي أعطال محتملة قبل وقوعها للانتقال من أسلوب الصيانة التقليدي إلى أسلوب استباقي يعتمد على التوقع والمعالجة المبكرة.
وأشار المهندس إلى الأثر المباشر لهذا المشروع، والمتمثل في تقليل الأعطال غير المخطط لها، مما أسهم في تقليص فترات التوقف عن الإنتاج وخفض التكاليف المرتبطة بالصيانة الطارئة، وأما على المدى الاستراتيجي فإن هذه التقنيات تدعم اتخاذ قرارات أفضل فيما يخص تطوير الحقول، من خلال إتاحة بيانات أكثر دقة وموثوقيّة حول أداء الأصول وظروف التشغيل، لتقدم كفاءة تشغيلية عالية وتحسن استغلال الموارد، وتسهم بتعزيز استدامة عمليات الشركة.
أما حول المبادرات المستقبلية قال اللمكي إن الشركة ماضية بخطى حثيثة نحو تعميق مسار التحول الرقمي وتوسيع نطاق الاعتماد على التقنيات الذكية، ومن أبرزها مشروع التوأمة الرقمية، حيث هذه تقوم التقنية على إنشاء نسخة افتراضية متكاملة للأصول والمنشآت والعمليات، بما يتيح مراقبة الأداء بشكل لحظي، وإجراء محاكاة دقيقة للسيناريوهات التشغيلية، والتنبؤ بالاحتياجات المستقبلية للصيانة والإنتاج.
وأضاف أن التوأمة الرقمية تمثل نقلة نوعية في كيفية إدارة الحقول والمنشآت، حيث تساعد على تحسين استغلال الموارد، ورفع كفاءة التخطيط، وتقليل التكاليف التشغيلية، بالإضافة إلى ذلك، هناك مبادرات موازية في مجالات التحليلات، والأمن السيبراني، وتوسيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل سلسلة القيمة هذه المبادرات تهدف إلى جعل الشركة أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع متغيرات السوق العالمي، وتدعم في الوقت نفسه أهداف الاستدامة والابتكار بما يتماشى مع مرتكزات "رؤية عمان 2040"
المؤشرات المبدئية:
وفي ما يخص تأثير هذه التقنيات على العمليات التشغيلية للشركة لفت اللمكي إلى أن هذه المبادرات أسهمت بشكل ملموس في رفع كفاءة العمليات وتحسين الإنتاجية عبر إتاحة سرعة أكبر في إنجاز الأعمال، وتقليل فترات التوقف غير المخطط لها، وتحسين استغلال الموارد، علاوة على خفض التكاليف التشغيلية من خلال تعزيز القدرة على التنبؤ والوقاية من المخاطر قبل وقوعها، ورفع مستويات الجودة والدقة في الأداء.
أما من حيث النتائج، قال المكي: إن مؤشرات المبدئية شهدت تحسنا ملحوظا في معدلات الكفاءة التشغيلية وتقليل المصاريف المرتبطة بالصيانة والإنتاج، إضافة إلى رفع معايير السلامة والالتزام البيئي، وإن كانت في مراحلها الأولى إلا أنها تعكس بوضوح فعالية هذه المبادرات ودورها في إحداث فارق نوعي في طريقة إدارة الأعمال والتشغيل.
الرؤية المستقبلية:
وتوقع مدير عام التحول الرقمي أن يشهد القطاع خلال السنوات القادمة نقلة نوعية في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث ستنتقل هذه التقنيات من الاستخدام التجريبي أو الجزئي إلى أن تصبح عاملا محوريا في منظومة العمل اليومية عبر تطوير قدرات التحليل التنبؤي وإدارة البيانات الضخمة، والأتمتة الذكية، ودعم اتخاذ القرار على المستويات التشغيلية والاستراتيجية. وهذا التطور بدوره سيعزز من كفاءة العمليات، ويرفع من مرونة القطاع في مواجهة تقلبات السوق.
وفي سياق متصل أوضح المدير العام أن عمليات إدماج الذكاء الاصطناعي لا تكاد تخلو من التحديات فهذه التقنيات تتطلب توفر البيانات بجودة عالية وحجم كاف، إلى جانب الحاجة إلى بنية أساسية تقنية قوية قادرة على استيعاب هذا التحول، وهناك أيضًا تحديات مرتبطة بتأهيل الكفاءات البشرية وبناء المهارات اللازمة للتعامل مع هذه التقنيات، فضلاً عن قضايا الأمن السيبراني وحماية البيانات الرقمية، يتطلب دمج الذكاء الاصطناعي توازنا دقيقا بين سرعة الابتكار والالتزام بمعايير السلامة واللوائح التنظيمية.
إن مستقبل الذكاء الاصطناعي في صناعة النفط والغاز واعد جدًّا، لكنه يحتاج إلى رؤية واضحة، واستثمارات استراتيجية، وشراكات قوية لضمان الاستفادة القصوى من إمكاناته وتجاوز التحديات المصاحبة له
