نصف رمضان وأسبوع من الحرب

07 مارس 2026
07 مارس 2026

ليلة النصف من رمضان، الأطفال على الأبواب في الحارة يغنّون: «قرنقشوه يو ناس عطونا شوية حلوى، دوس دوس في المندوس، حارة حارة في السحّارة» يلفت انتباهي المندوس والسحارة، أسامي الخزنة أو الخزانة القديمة، أي مندوس تشير إليه الأغنية؟

بعد تفكير أظن أن المندوس المقصود هو مندوس الأطفال وسحّارتهم، لعلها طريقة قديمة لتعليم الأطفال فكرة التوفير، أتتبع المندوس وتقلباته ورحلاته، المندوس الذي تحوّل إلى حقيبة، بيت صغير يمكن حمله معك، تضع فيه كل ممتلكاتك، توفّر فيه، وتضع فيه ثيابك وعطورك ووثائقك.

ليلة من البهجة يصنعها الأطفال ليلة الرابع عشر من رمضان، قريبة الشبه من الشعبانية، ليلة النصف من شعبان، هي نفسها قرقيعان في مناطق شمال الجزيرة العربية، وأغنياتها، كأنما من أعماق هذه الأشهر ينبعث هؤلاء الأطفال، باتجاه العيد القادم؛ وهذه العادات الاجتماعية أيًا كانت جذورها وأصولها تزرع في هؤلاء الأطفال مشاعر ومعاني لا تمّحي، تنقش فيهم معنى جميلًا للعطاء والأخذ وزراعة الفرح، عبر ذلك الطواف على البيوت والغناء في الطرقات، وتلقّي الهدايا، يخلقون بهجة في عالمنا الذي يكاد يصيبه الخرس؛ فإذا كان للعالم القديم مباهج اجتماعية مشتركة وحيوات متظافرة، فإن هذا العالم المعاصر مصاب بالوحشة، ويعاني إنسانه الاغتراب الداخلي، من كثرة ما يشهد من الوحشية، وحين يصادف المرء منا مشهد الأطفال هذا فكأن نافذة أو طاقة من الغيب، يطل منها هؤلاء الأطفال ليخففوا بعض هذا الضغط الذي يهدد بالانفجار، ليفتحوا أبواب ونوافذ البيوت التي تعاني تحت ثقل جبل الصمت، فكيف إذا كان هذا يحدث للمفارقة في زمن الحرب؟

سألت الأطفال أن يؤدوا أغنيتهم ثانية على باب الدار، استلموا هداياهم التي كانت الوالدة قد حرصت على إعدادها طول اليوم، وانطلقوا إلى بيت آخر، جماعات صغيرة تتوالى، ليتهم كانوا يحملون الفوانيس أيضًا، لا لشيء غير الاندماج في لحظة اللوحة المتخيلة فالشوارع مضاءة عادة، وكان هذا سيكون أكثر وقعًا لو كانت الطرقات بلا إنارة، ولا شيء غير أضواء البيوت، وأضواء هذه الأسراب من الأطفال تنتقل كأنها فراشات مضيئة من بيت لبيت، ولكانت هذه اللوحة كما أتخيلها الآن تقف بالضد تمامًا من أضواء الدمار التي تنتقل الآن بفعل الحرب من بلد لبلد، على ضفاف الخليج.

مررت على صديقين أديبين أزورهما وسط الأسبوع وشدتني لوحة معلقة في المجلس، موضوعها الوطن متجسدًا في أم هلعة من أن يختطفها المجرمون، وتتوزع في كل مكان من اللوحة عبارات تدعو للسلم ونبذ الحروب.

أسأل صاحب البيت عن اللوحة فيخبرني أنها هدية من فنان إيراني صديق له، يا للمصادفة ويا للتوقيت.

أسبوع آخر من الحرب، بينما تتسع دائرتها كالنيران المشتعلة، وترغم الدول على الاصطفاف؛ ها هي إيران تحاول جهدها لتجعل هذه الحرب أكثر كلفة على مهاجميها، وما مهاجمة مدن الخليج ودوله إلا لهذه الغاية، أصبحت دولنا وسيلة مضمونة لتعطيل تدفق الطاقة العالمي، وبالتالي التأثير على الأسواق العالمية، وها هي إيران تستخدم ذلك كورقة ضغط دولية على أمريكا، أمريكا التي بدورها تعطي الغطاء لهجمات إسرائيل المجنونة، التي تنشر الخراب في عموم إيران، كأن كل هذه الهدم والخراب لا يعني الشعب الإيراني ولا يمس الإيرانيين الذين يدعي نتنياهو أنه جاء ليحررهم بنشره عبر الجريمة العلنية التي يرتكبها هو وحليفته الكبرى، بينما ينهار كل ما استغرق عقودًا من الجهد والوقت والفكر والمال في لحظة هوجاء، يعوزها الضمير، ومعها ينهار النظام العالمي الذي تعمل أمريكا وإسرائيل على تهديمه، بلا غاية ولا هدف آخر غير الأنانية العمياء وضيق الأفق.

إسرائيل وأمريكا اللتان ما كان يمكن أن تقوم لهما قائمة لولا النظام العالمي الذي تسعيان اليوم للإطاحة به، لهدم قواعده، ولتجاوز أعرافه الدولية، عبر جرائم الاغتيالات ومحاولة تغيير الأنظمة بقوة السلاح، أليست هذه هي القرصنة المعاصرة، وهذه هي الأنظمة تخريبية؟ ما الفرق بين كل هذا وبين الإرهاب الدولي؟ وعن أي إرهاب لا ينفك يتحدث رؤساء هذه الدول؟

يقول لي البائع الإيراني أن أهله بخير حسبما يعلم، أما باقي الأخبار فلا يكاد يعرف عنها شيئًا فالاتصالات مقطوعة؛ أمين الأمم المتحدة ومعه عدة دول بينها الصين ينادون بضرورة وقف الحرب، لكن من سيوقف الحرب؟ من يقنع هؤلاء المجانين المدججين بالأسلحة بضرورة وقف الحرب؟ مشعلو الحرائق هؤلاء لا يرون شيئًا آخر، يريدون أن تشتعل النار الكبرى، ولا يهمهم الأثمان ما دام يدفعها الغير، من منهم يهتم بدماء الضحايا وبالأبرياء، أو إذا اشتعل أو اكتوى بنار هذه الحرب بلدان أخرى، غير بلدانهم بالطبع، هل يخسر الخليج جراء هذه الحرب، هل أصبح الوضع لا يطاق في مدنه المطلة على الخليج؟ وماذا يهمهم من هذا الأمر، جل ما يفعلونه أنهم سيهربون برعاياهم، بالأحرى بأصواتهم الانتخابية القادمة، أما ما يقع لأهله ومدنه ومنشآتها من دمار وخراب، فلعل ذلك بالتحديد هو ما يسعون إليه في الواقع وإن أخجلهم الإفصاح عنه علانية.

أي منطق كذاب يمكن تصديقه في كل هذه الخطابات المتهافتة؟ بأي حق يسمح رئيس دولة لنفسه أن يفرض على الشعوب الأخرى نظريته السياسية للحكم؟ أية حماقة هذه؟ كل شعب من شعوب الأرض له مساراته التاريخية التي أفضت به إلى نظامه القائم، بل والأدهى من ذلك أن كثيرًا من النظم الشرقية المعاصرة إنما هي ردة فعل على اللحظة التي قرر فيها الغرب بعنجهيته الاستعمارية في القرون الماضية التلاعب بالنظم الحاكمة، أو التأثير عليها عبر أدواته المختلفة، وحتى حقبة ما بعد الاستعمار والحقبة الأمريكية بكل مغامراتها الفاشلة، والتي أهدتنا ألف شكل ونوع من الفساد والجماعات الإرهابية، فهذا ما يحدث حين يحسب قادة الدول العظمى أن مصالحهم أهم من مصائر الشعوب، وحين تتعامل الدول تعامل العصابات الإجرامية خارج إطار القانون والعدالة.

لا أعلم أين يمضي هذا العالم، لكن يبدو لي أن هذه الرعشة التي يقدم عليها هذا التطرف الدولي المتمثل اليوم في هذه القوى التدميرية، أمريكا وإسرائيل، وهذا الإرهاب الرسمي، ينتفض انتفاضاته الأخيرة، لا أدري كم تدوم، ما أدراك بالوحوش واحتضارها؟ لكنه احتضار ولا شك، كل شيء فيما يفعله ترامب ونتنياهو يقول إن هذا الجنون، كل هذا الرفس بهذه الأذرع العسكرية، وهذه النيران التي تخرج من أفواههما ليست سوى انتفاضة احتضار، سواء في الداخل والخارج، لأن كل هذا خارج عن كل منطق، معارض لكل صيرورة قام عليها هذا العالم، مضاد حتى للطرق التي أوصلت رئيسين مثلهما لسدة الحكم، وهما لم يكونا ليصلا للحكم لولا اتباعهما نهج صاحب كتاب كفاحي، أدولف هتلر، طرق اختلاق الأعداء واستفزازهم والتحدث باسم الأمة المتفوقة، وما الأمة المتفوقة غير أكذوبة يغذيها مثل هؤلاء.

متى يتخلص العالم من أدرانه؟ على الأقل هذه الأدران بالغة البشاعة، هذه العيوب الحيّة المخزية التي تنشر الموت والدمار في كل مكان، هذه حرب يديرها أشخاص يفتقرون لأدنى حد من الخيال والإحساس، ولا يعوزهم المكر والخداع، يريدون تبرير سلوكهم المشين بالتمسك الكلامي بأهداب الفضيلة بينما يدوسونها بأحذيتهم وهم يشرعون في خراب بلدان الشرق واحدًا تلو الآخر، كأنما يحرقهم البلد الشرقي المتقدم أو القوي المزدهر والآمن والجاذب للناس، مرضى عقيدتهم العنف والكراهية وعبادة المال والقوة، أبناء أساطير بدائية تعادي الحضارة والسلام والازدهار الإنساني.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني