تداعيات حرب أوكرانيا على الشراكة الأوروبية الإفريقية
ترجمة ـ قاسم مكي -
غزو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأوكرانيا استثار تحولات غير مسبوقة في السياسات الأوروبية في مجالات الإقتصاد والشئون الخارجية والطاقة. لقد قاد إلى المزيد من التضامن داخل الإتحاد الأوروبي والناتو والتحالف الأطلنطي. لكنه يخاطر بصرف انتباه أوروبا بعيدا عن إفريقيا.
قبل أسبوع فقط من الغزو اجتمع القادة الأوروبيون والأفارقة لرسم مستقبلهم المشترك. لكن تغير العالم الآن، رافعا من رهانات تلك العلاقة. وما سيحدث لاحقا في أوكرانيا مهما كان ستترتب عنه نتائج مهمة للبلدان الإفريقية.
أوكرانيا لديها أراض زراعية أكثر من أي بلد أوروبي آخر وبها 25% من إجمالي التربة السوداء في العالم (الفريدة في خصوبتها).
أعانها ذلك على التحول إلى مركز نفوذ زراعي. فروسيا وأوكرانيا معا تنتجان حوالي 27% من إجمالي محصول العالم من الشعير و34% من القمح و73% من زيت زهرة الشمس. تُشحَن هذه المنتجات في معظمها عبر أوديسا والموانىء الأخرى على البحر الأسود والمغلقة الآن أمام النقل التجاري.
رفع ذلك من أسعار الغذاء في الأسواق العالمية والتي كانت أصلا قبل الغزو عند أعلى مستوياتها منذ أعوام السبعينات. لكنه يمكن أن يقود إلى أوضاع نقص مادي. ففي يناير كان مؤشر الأمم المتحدة للزيوت النباتية في أعلى مستوى له على الإطلاق. ومع ارتفاع سعر زيت زهرة الشمس إلى عنان السماء يتجه المشترون إلى زيت النخيل الذي وصلت أسعاره إلى مستويات قياسية في أسواق العقود المستقبلية أوائل مارس. وهو مادة غذائية رئيسية في غرب إفريقيا.
في الأثناء ارتفع سعر خام برنت بحوالى 40% في الأسواق العالمية. هذا قد يفيد البلدان الإفريقية المصدرة للنفط. لكنه عموما سيرفع من تكلفة المعيشة ويشكل ضغطا على الموازنات الحكومية في إفريقيا خصوصا نيجيريا وكينيا وغانا ورواندا ومصر والتي تعتمد كلها بشدة على الواردات.
ارتفاع تكلفة المعيشة قد يقود إلى عدم استقرار اقليمي. فمصر التي كانت في مركز زلازل الإنتفاضات العربية عام 2011 تعتمد على روسيا وأوكرانيا في الحصول على 70% من وارداتها من القمح. وفي حين تحتفظ باحتياطيات يُرجَّح أن تغطي استهلاكها حتى شهر يونيو إلا أن الأسعار قد ترتفع كثيرا بعد ذلك. هذا فيما يحصل 15 بلدا إفريقيا آخر على أكثر من نصف إمداداته من القمح من القوتين الزراعيتين العظميين.
وفي إفريقيا جنوب الصحراء تنفق العائلات في المتوسط 40% من دخلها على الغذاء (أعلى نسبة في أية منطقة في العالم). وتعتمد أفقرها خصوصا على الحبوب التي صارت أغلى ثمنا.
في ذات الوقت من المرجح أن توجد الحرب الأوكرانية تحديات جديدة للأمن الغذائي وتزيد من تكلفة الإستجابة للأزمات الإنسانية الموجودة سابقا بما في ذلك أزمتي الصومال وإثيوبيا. ففي إقليم التيجراي الإثيوبي لوحده مات نصف مليون شخص من الحرب والمجاعة خلال آخر 16 شهرا.
أوضح مدير برنامج الغذاء العالمي ديفيد بيزلي أن أن البرنامج شرع في خفض المخصصات الغذائية بنسبة 50% بسبب انعدام التمويل حتى قبل أن تشن روسيا حربها الشاملة على أوكرانيا. هذا ويشتري البرنامج نصف قمحه من أوكرانيا.
تترافق تداعيات حرب بوتين على أوكرانيا مع تأثير كوفيد 19 على إفريقيا التي لم يحصل 86% من سكانها بعد على جرعتين من اللقاح. وفي إفريقيا والشرق الأوسط أحالت الجائحة ما بين 29 مليون إلى 43 مليون شخص إلى فقر مدقع.
أضعفت الإستجابة العالمية غير المتكافئة لكوفيد -19 الثقة بين أوروبا وإفريقيا. فالإعفاءات الشحيحة عن الديون والوعود غير المُوفَي بها بتقديم الدعم الإقتصادي من خلال حقوق السحب الخاصة لدى صندوق النقد الدولي وتكديس اللقاحات أوجدت إحساسا بالتوجُّس والحذر وسط القادة الأفارقة.
بعض هؤلاء ما عادوا يعتبرون البلدان الغربية شريكات موثوق بها. وتلك نقطة أكد عليها بشدة رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا في قمة فبراير 2022 بين الإتحاد الأوروبي والإتحاد الإفريقي.
ربما أن بذور عدم الثقة تطرح ثمارها الآن. فالجمعية العامة للأمم المتحدة أجازت مؤخرا قرارا يدين تصرفات روسيا في أوكرانيا حيث صوت 141 بلدا لصالح القرار. لكن الدول الإفريقية شكلت حوالى نصف الدول الـ 35 التي امتنعت عن التصويت. من بين هذه البلدان جمهورية افريقيا الوسطة والكونغو ومالي ومدغشقر وموزامبيق والسنغال وجنوب افريقيا والسودان وجنوب السودان ويوغندا وزمبابوي. كما تجنبت دول إفريقية عديدة أخرى التصويت أساسا.
وفي حين يبدو معقولا أن البلدان الإفريقية ببساطة تريد مقاومة الإنحياز في حروب الآخرين لكن ربما هنالك أسباب تاريخية وسياسية وراء موقفها بما في ذلك التدخل الذي قاده الناتو في ليبيا عام 2011. كما من المرجح أيضا أن يكون هدف هذه الدول ترك خياراتها مفتوحة خشية من عدم تقديم الغرب الدعم الذي تحتاجه للتعامل مع هذه الأزمات المركَّبة. إنه موقف مفهوم بالنظر إلى تجربة البلدان الإفريقية مع الإستجابة العالمية لكوفيد-19.
قد لا يتوافر لأوروبا الآن مع تركيزها على الحرب في أوكرانيا وأزمة اللاجئين الناتجة عنها وقتٌ أو مَيلٌ كاف لدعم إفريقيا. فمركز التنمية الدولية يقدر أن تصل التكاليف المرتبطة باستضافة اللاجئين من الحرب في أوكرانيا إلى 30 بليون دولار في العام. وبموجب قوانين منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية يمكن أن تعتبر الحكومات الأوروبية هذه التكاليف عونا، تماما على نحو ما فعلت خلال ما سُمِّيَت بأزمة الهجرة الأوروبية في عام 2016.
إلى ذلك، أوكرانيا نفسها مستحقة للعون. لقد تلقت مساعدات بقيمة 1.1 بليون دولار في عام 2019. كما ستكلف إعادة بنائها ما يفوق هذا بكثير. كل ذلك قد يشكل خصما على العون الأوروبي لإفريقيا. فمبلغ الـ 30 بليون دولار يكافىء إجمالي المساعدات الثنائية من مانحي منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية لإفريقيا في عام 2020.
كما يمكن أن ينشغل قادة أوروبا بأزمة محتملة تتعلق بتكلفة المعيشة في أوروبا. وقد تتزايد حاجة البنوك المركزية الأوروبية للسحب من احتياطياتها مما يجعلها أقل رغبة في اقتسام حقوق السحب الخاصة بصندوق النقد الدولي. وهي الأموال التي وعدت بتخصيصها لإفريقيا في أثناء الجائحة.
تأتي هذه التطورات في وقت يشهد تقوية الصين وروسيا لروابطها الدبلبوماسية والإقتصادية والعسكرية مع البلدان الإفريقية.
إذا قاد غزو بوتين لأوكرانيا إلى حرب باردة جديدة قد تتعرض البلدان الإفريقية لضغوط متزايدة للإنحياز إلى أحد الجانبين. التضامن الأوروبي مع إفريقيا لم يعد موضوعَ ضروراتٍ انسانية وازدهارٍ اقتصادي أو حتى أمنِ صحة. فهو أيضا قد يشكِّل مستقبلَ الديموقراطية الليبرالية نفسها.
ديفيد مكناير عضو المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية
