الوجه المظلم للكمــــال !

07 مايو 2023
07 مايو 2023

ما إن ترنو لأسماعنا كلمة «الكمال» حتى نستحضر ـ أول ما نستحضر ـ كل المعاني الوضّاءة والبديعة، فـ «الكمال» سمة عظيمة تشرئبّ إليها الأعناق متى ما رامت بلوغ هدف ما، ومع ذلك، يجب علينا أن نبدأ في تقبّل حقيقة مُرّة، وهي أن كل مفردات الوجود نسبية من حيث كونها جيدة أو سيئة! ففي كلٍ منها جانب مشرق وآخر مظلم، تماما مثل القمر، فأبصارنا لا تدرك إلا وجهه الذي يعكس أشعة الشمس، في حين يغرق وجهه الآخر في وحل الظلام، وحتى الإشراق والظلمة نفسهما نسبيان، فما يُعدّ منيرا في نظر البعض، هو كالح السواد في نظر البعض الآخر، والعكس بالعكس، ونتيجة لذلك؛ فالجيد والسيئ نسبيان، وعموما لا أود أن يسحبنا هذا التمهيد ـ الذي لا بُدّ منه ـ أكثر من ذلك بعيدا عن محور موضوعنا الأساسي.

إذن «الكمال» رغم جلاء أهميته وضرورة نُشدانه، الأمر الذي لا يتأتّى لأيٍ كان نكرانه ودفعه، بل يقرب لكونه بديهيا، غير أنه توجد بعض أوجه القصور في الكمال! فحين يكون السعي لتحقيق «الكمال» ـ بمعنى أقصى حدود الإتقان ـ في شيء ما بدرجة معقولة أمرا محمودا مقبولا، يُعدّ الهوس به لدرجة الامتناع عن المضي قُدما في الإنجاز، عقبة يجب تجاوزها، مع أن حدود المعقول راجع لتقدير المرء نفسِه وفق متغيرات عدّة.

ولعل التسويف ـ الخنجر الذي يطعن خاصرة الأهداف ـ من أبرز مساوئ الركض غير الواعي وراء سراب الكمال بحسب مفهومه الفضفاض في الوعي الجمعي، الذي ترفضه الطبيعة، فبحجة انتظار اكتمال جميع المعطيات للبدء في اتخاذ الخطوة الأولى، لا يتعدى الهدف طيّات الورق وأروقة الدماغ! وإني إذْ أقول ذلك، أرجو ألا يُفهم من كلامي الدعوة للتهوّر، كلّا، فالقفز على المراحل ينبغي للحصيف تجنبه، والاضطلاع بمهمة من غير تهيؤ خطأٌ له ما بعده، فالمثل العربي السائر: «تزبّبَ قبل أن يتَحصْرم» يُطلق على كل من يتولّى أمرا من غير أن يكون مؤهّلا له بعدُ، إذن غاية ما أريد الإشارة إليه هو أنه متى ما اكتملت الأوّليّات اللازمة لإنجاز شيء ما على نحو مُرْضي، يجب البدء فورا، وأي انتظار لجعل كل الظروف والمعطيات كاملة فإنه سيكون انتظارا أبديا! والوقت هو رأس مالنا أولا وأخيرا.

أضف إلى ذلك أن هذا الانتظار سيحرمك مما ستتعلمه من الزلّات التي حتما سترتكبها أثناء رحلة الإنجاز، والأخطاء بذاتها ليست منقصة، ما لم تتكرر بطريقة لا مسؤولة، فمتى توقفتَ عن ارتكاب الأخطاء، فهذا يعني توقفك عن الإنجاز والتعلم. إن الوصول إلى نقطة الكمال والتمام أشبه باتباع السراب، فالتطوير والتجديد والمراجعة الدورية عملية لا نهائية، تتفاعل مع المتغيرات المتسارعة، خصوصا في وقتنا الحاضر، وهكذا ينبغي لها أن تكون على الدوام، وهي دلالة على أن إمكانياتنا ليس لها حدود تنتهي إليه، على نقيض ما يعنيه الكمال بالمفهوم الشعبوي، ولا يمكن أن يحدث التطوير ما لم يتم التنفيذ والتعرض للواقع والتعامل مع المعطيات والتفاعل مع الظروف والاصطدام بالعقبات والتفكير في كيفية تجاوزها، وهلمّ جرا، فكلما تعاطيت بشكل عملي أكثر، تكوّنت لديك خبرة تراكمية، تمثّل قاعدة متينة غنيا للتطوير.

إنْ لم يكن إلا خلوّ رصيد الإنجازات أثرا سلبيا لهوس الكمال لكفى، فتكتيف الأيادي سمة يتّسم بها أولئك الذين تمر عليهم الشهور بل السنون وهم لم يحركوا ساكنا قَطّ، في حين إنه كان من المفترض أن تكتظّ كل تلك المساحة الزمنية ـ التي لن تعود ـ بالإنجازات النوعية، فالمرء الذي تعوّد على الإنجاز تجده مدفوعا لتحقيق الإنجاز تلو الآخر، لا يكلّ ولا يملّ، في ديمومة لا تعرف التوقف، وشغف لا يُخمد أُوارُه، حتى يصبح طبعا متأصلا وسجيّة لا تفارق صاحبها، هذا فضلا عن تكوين العلاقات مع الناجحين والمنافسين في الإطار نفسه وذوي الصلة، في خضمّ الإنتاج، فهي خير معين ومنجم ـ لا يُقدّر بثمن ـ للأفكار الخلّاقة التي تدفع بنا للتطوير بسرعة فلكية.

وعلى النقيض منه مَن ينتظر اكتمال الفرص بمعايير أقرب للخيال؛ ليتسنّى له تحقيق الكمال المزعوم، وهَبْ جدلًا أنه تم الوصول لنقطة الكمال، فهل يُعقل ألا تكون قابلة للتطوير والتحسين في قادم الأيام؟! إذن الكمال ما هو إلا نقطة عبور لا انتهاء، وإهدار وقت أكبر من الاحتياج وبلا سجل من الإنجازات الجيدة المحتملة؛ بُغْية الوصول لنقطة عبور ليست في الأفق المنظور ضرْبٌ من عدم التبصّر.

وبالنظر للسرعة المهولة في تجدّد مفردات الحياة من حولنا بمختلف تشعّباتها، وترك الاحتكاك بها والإفادة منها بحجة انتظار ما لم يكتمل ليكتمل، فإننا نكون بمعزل عن هذا التدفق المتسارع بكل ما فيه من إيجابيات كان يتحتم علينا اقتناصها وقتئذ. إن هوس الكمال يبرّر لنا عدم الإقدام بأن الوقت ما زال باكرا على ذلك، بدون أن يقدّم لنا توقيتا محددا ـ ولو بعيدا ـ لبدء العمل، وهنا تكمن الكارثة، إذْ إنّ عدم التفاعل مع المستجدات فيما يتصل بالهدف المنشود الذي تسعى له من شأنه أن يقوّض أيّ فرصة لتوسيع دائرة النظر في أماكن التطوير المحتملة، فتظلّ الفكرة نفسها معشّشة في رأس مهووس الكمال طيلة الوقت، وإذا ما قرر البدء بعد مدة طويلة فإنه سيصطدم بجدار التأخر والاختلاف، التأخر عن مواكبة الحال الراهن، والاختلاف في المتغيرات المحيطة، مما يضطرك للمجازفة والاستمرار فيما يُطلق عليه (مغالطة التكلفة الغارقة) أو خسران مدة الانتظار الطويلة بلا أي شيء يُذكر.

ولعلي أختم إشارتي لأوجه النقص في الكمال بذكر القلق، فالمرء اللاهث وراء الكمال فوق المعقول، يكون عادة غير راضٍ عن نفسه وأدائه بشكل غير صحي؛ الأمر الذي يولّد دوّامة من جلد الذات، يصطلي بنارها ليلَ نهار، وإذا ما سكن القلقُ صدرَ امرئ فلا يُرجى منه أكثر من عدم الإنتاجية، ناهيك عما يفعله القلق في مختلف جوانب حياته بشكل عام.

دعوني أُجْمل القول فيما سبق، فأؤكد أهمية السعي للكمال ـ بمعنى منتهى الإتقان ـ من حيث المبدأ، أما الكمال الذي يعني الخاتمة التي لا بعد بعدها هو أمر أقرب للمثالية المتطرفة والتنظير اللاواقعي منه إلى الواقع المعقول والحقيقة المقبولة، ومهما يكن فحذارِ حذار من الوقوع في شَرَك الهوس به، فحينها سيكون مثلبةً تنهش منك أكثر مما تمنحك. إن «الكمال» بمفهومه الإيجابي هو إفراغ الوسع في الإتقان إلى أقصى حدود الممكن، في حين إن مفهومه السلبي يتجلّى في جعله نقطة مستحيلة المنال والتحقق في درب سعيك، والنبيه من يجعل «الكمال» مطيّةً لإنجازاته لا شمّاعة لتخاذله تحت مظلّة الانتظار.

اهتم بتوفّر المعطيات الأوّلية، ثم خطط بدقة، وتاليا اشرع في التنفيذ بحكمة، ولا تدع انتظار «الكمال» يفوّت عليك الفرص التي ما خُلقت إلا لأجلك.

محمد بن سيف العامري كاتب عماني