facebook twitter instagram youtube whatsapp
خميس العدوي
خميس العدوي

الإسهام السياسي والعلمي لبَهلا.. خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين

18 يوليو 2021

بَهلا.. حاضرة من حواضر عمان الكبرى، وإحدى مدنها الموغلة في القدم، فهي مدينة مكتملة البنية منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد. وما أن دخلت عمان الإسلام حتى كان لبَهلا مساهمتها الحضارية الممتدة حتى اليوم. ومن أوائل أعلامها من بلد بسيا أبو عبيدة عبدالله بن القاسم البسيوي (حي:171هـ). ثم بدأ النشاط العلمي يزدهر، فظهر في القرن الثالث الهجري أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي؛ فكان من كبار العلماء، وقد ترك مؤلفات مرجعية، وعُدّ أحد الثلاثة الذين ترجع إليهم عمان في الفتوى بزمانه؛ مع محمد ابن جعفر الإزكوي، ونبهان بن عثمان النزوي. وقد تتابع العلم والفقه في أولاده، فكانت أسرته من أوائل الأسر العلمية بعمان.

نشطت الحركة العلمية ببَهلا خلال القرن الرابع الهجري، فغدت المحور العلمي لعمان، وظهر فيها أبو محمد عبدالله بن بركة السليمي، وأبو الحسن علي بن محمد البسيوي، وقد تركا مراجع فقهية جليلة.

وقدّمت بَهلا خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين للمشهد السياسي ثلاثة أئمة، كلهم من آل الخليل الخروصي؛ وهم:

1. الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك الخروصي: (حكم:407-425هـ)، ويعتبر الإمام مفتتحاً للإمامة الرابعة، وهي أصلب عوداً وأمكن سياسة من الإمامة الضعيفة التي سبقتها.

جاءت إمامته ولا تزال عمان تحت وطأة التدخل الأجنبي، حيث كان بنو مكرم يحكمون في عمان، وقد نُصِّب الإمام الخليل زمن وجود أبي محمد الحسين بن مكرم (حكم:390-415هـ) في عمان، وهذا الإمام الجد هو الذي اعتقله «الترك»، وليس الحفيد، وقد تحدثت عنه في مقالي «صاحب عمان.. الذي أهدى للكعبة».

2. الخليل بن شاذان بن الخليل بن شاذان: بويع بعد الإمام راشد بن سعيد اليحمدي عام 445هـ. واستمرت إمامته إلى نهاية العقد السادس من القرن الخامس. وكانت الدولة قد قويت شوكتها منذ الإمام راشد، وتوسعت حتى شملت مناطق قريباً من الأحساء كأرض قبيلة عقيل، وشرق نجد كأرض قبيلة نهد. وأصبحت عمان مرجعاً لإباضية المنطقة، فجاء الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي مستنجداً به، فأعانه بالمال والرجال. وتواصل مع إباضية السند، فأرسل لمشايخ المنصورة رسالة بعقائد المذهب وسيرته.

وقد تواصل الأمر في عهد الإمام الخليل بن شاذان الثاني، فحافظت الدولة على قوتها ورخائها الاقتصادي، وأصدرت عملة باسمه. ورغم هذه القوة إلا أنه لم يستطع طرد النفوذ البويهي المتمثل في بني مكرم من سواحل عمان الشمالية، ويبدو أنه حصرهم في صحار.

3. الخليل بن عبدالله بن عمر بن محمد بن الخليل بن شاذان: آخر إمام في القرن الخامس، وربما كان بعد إمامة محمد بن خنبش (ت:557هـ).

كانت أوضاع عمان قبل الإمام الخليل الثالث زمن الإمام ابن خنبش مستقرة تقريباً، فقد دامت إمامته طويلاً، واطمأن الناس لحكمه، وأحبوه؛ فحزنوا كثيراً على موته، ولمّا تولى الإمام الخليل الحكم كانت عاصمته نزوى، وفيها عقد له بالإمامة، ثم بسط نفوذه على معظم عمان، وكان محمود السيرة. وقد واجه في بداية حكمه نباهنة طي، وليس نباهنة العتيك.

كانت نزوى مقر حكم أئمة بني خليل فقط، بينما استقرت عوائلهم وذرياتهم ببَهلا، وكانت حارتهم فيها القديّم بالعلاية، ونتيجة الصراع بين النباهنة والإمام عمر بن الخطاب الخروصي ترك بعضهم بَهلا؛ فمنهم من صعد إلى الجبل الأخضر، ثم اتجه إلى وادي بني خروص، وهم أجداد جاعد بن خميس الخروصي، ومنهم من اتجه إلى إزكي ثم انتقلوا إلى بوشر، وهم أجداد سعيد بن خلفان الخليلي.

إن أهم ما ميّز القرنين الخامس والسادس الانقسام الحاصل بين أجنحة الإمامة، إثر خروج موسى بن موسى على الإمام الصلت بن مالك الخروصي وتنصيبه راشد بن النظر إماماً بدلاً منه، فانقسمت عمان إلى حزبين؛ يماني ونزاري، وقعت بينهما معارك طاحنة، أشهرها معركة الروضة بتنوف، ومعركة القاع بالباطنة، وقد خلّف الانقسام جدلاً معرفياً، يحسب له أنه خفف من وطأة الصراع القبلي، لكنه أحل محله انقساماً فكرياً، نتج عنه المدرستان الرستاقية والنزوانية.

كانت بَهلا في القرن الرابع مركز الثقل العلمي، والذي ابتدأ في القرنين الثاني والثالث، لكن ما إن دخل القرن الخامس حتى رأينا انحساراً في الحركة العلمية، والتي سوف تعود في القرن التاسع الهجري. وبنظري.. أن الانحسار لم يصب بَهلا وحدها، وإنما لحق معظم عمان، ما خلا نزوى، التي انتعشت علمياً حينذاك، وأرجع ذلك للتدخل الأجنبي الذي منيت به عمان بعد فتنة الإمام الصلت بن مالك، وانقسام العمانيين إلى يمانية ونزارية؛ استنصرت النزارية بالعباسيين، فتمكنوا من فرض ولايتهم على عمان، وأسندوها لبني سامة النزاريين، الذين اتخذوا بَهلا عاصمة لهم، وبنظري.. أن اتخاذها مركزاً لهم يعود لأسباب؛ منها:

1. قربها من نزوى، ليكون الوالي العباسي قريباً من أي تحرك يحصل من قِبَل العلماء لتنصيب إمام والاستقلال بعمان، فيعاجلهم فوراً، ويسقط مشروعهم قبل نهوضه.

2. كونها محصّنة بسور، فيتمكن الوالي بأن يحافظ على عاصمته من السقوط بأيدي العمانيين إذا ما تحركوا لطرده.

3. بَهلا ذات ثقل يماني، وبوجوده فيها يضغط عليهم عند أية تحركات قبلية يمانية.

أدى هذا الوضع، مع تعاقب التدخلات الأجنبية كالوجيهيين والبويهيين وبني مكرم والقرامطة، إلى أن يتجمّع العلماء في نزوى حفاظاً على «بيضة الإسلام» وأم الحواضر العمانية، فرحل طلبة العلم إليها للدراسة، ثم المُكث بها؛ مرابطين للحفاظ عليها من السقوط بأيدي الأجنبي.

لقد تقدم بأن الحركة العلمية خلال القرنين الخامس والسادس قد انحسرت للأسباب التي ذكرتها، لكن علينا أن نأخذ في الاعتبار بأنه قد اختفى كثير من المعلومات عن تلك الفترة؛ فلا يلزم عدم وجود علماء بهلويين، فقد يكونون رحلوا إلى نزوى، أو أن البحوث لم تكشف عنهم بعد.

ومن علماء بَهلا خلال هذين القرنين:

1. أبو القاسم ابن الصقر الضرحي: نسبة إلى الضرح، وهي حارة ابن بركة السليمي وبها قبره. لم تذكر المراجع التأريخية عنه شيئاً، إلا كونه حفظ عن أبي عمر، وله مسائل في كتب الفقه.

2. خالد بن محمد الخروصي: من علماء القرن الخامس في عهد الإمام راشد بن سعيد اليحمدي (ت:445هـ)، وقد أفتى في مسألة شراة الإمام راشد -الشراة.. جند شبه نظاميين- بأن الشرى سقط عنهم بعد موت الإمام.

3. عبدالله بن محمد بن علي البسياني: ينتمي للمدرسة الرستاقية، فلعله من تلاميذ أبي الحسن علي بن محمد البسيوي، فهو من بلده بسيا، وعلى نهج مدرسته، وأبو الحسن من علماء أواخر القرن الرابع، فيكون عبدالله البسياني من علماء القرن الخامس.

4. يزيد بن محمد العدوي: من علماء القرن السادس، اشتغل بعلوم اللغة، وله «الهادي في النحو»، وهو من أقدم ما أُلِّف في النحو لدى العمانيين.

5. عادي بن يزيد بن محمد العدوي: ابن العالم السابق، فقيه ومتكلم ولغوي ونسّابة. من علماء أواخر القرن السادس وبدايات القرن السابع الهجري. له «شرح القصيدة الحلوانية» المنسوبة لمحمد بن سعيد القلهاتي، وفيها مدح للقبائل القحطانية وذكر مناقبهم. وله كذلك كتاب في النحو.

6. الأخطل البَهلوي: ذكره سيف بن حمود البطاشي في «إتحاف الأعيان» فقال عنه: (الأخطل البَهلوي.. جاء ذكره في الأثر، وهو معدود من فقهاء زمانه، ولم يذكروا أباه، ولا في أي زمن كان وجوده، فضلاً عن ذكر شيء من أخباره).

7. زمام بن سعيد بن زمام: قال عنه البطاشي: (من فقهاء زمانه، وهو من مدينة بَهلا)، ولم أقف على أية معلومات أخرى عنه.

أعمدة
No Image
موسوعة الأثر البعيد
محمود الرحبي - من يقرأ "موسوعة عمان في التراث العربي" التي تكفل بجمعها الدكتور هلال الحجري في ثلاث مجلدات، يقف على حضور متنوع لعمان في المدونة العربية القديمة، حضور يشمل الأدب والتاريخ والأنساب والجغرافيا والرحلات، إلى جانب التفسير واللغة والفقه والطب. يكفي مثلا أن نستحضر "أبا الحسن العماني" هو البطل...