facebook twitter instagram youtube whatsapp


عبدالرزاق الربيعي
عبدالرزاق الربيعي

هوامش... ومتون: تنانير القيظ وجمراته

03 أغسطس 2022

حين عبّر الشاعر نزار قباني، عن موقفه من الصيف في قصيدته التي عنونها، ووصفها بـ«المتوحشة»، هل كان لا يحبّ الصيف حقّا؟ أم أنّ للقافية أحكامها؟ فذهب الصيف ضحيّة لواحد من تلك الأحكام، وأعني قوله:

وكوني البحر والميناء

كوني الأرض والمنفى

وكوني الصحو والإعصار

كوني اللين والعنفا

أحبيني بألف وألف أسلوب

ولا تتكرري كالصيف إني أكره الصيفا

فكل الفصول قابلة للتكرار، لماذا يطلب من حبيبته عدم التكرار مثل الصيف بدليل أنّه في نصّ آخر يتحدّث عن استمتاعه في الصيف، عندما يسترخي على ساحل البحر، ويطلق العنان لخياله في التفكير بمن يحبّ، فيقول:«في أيام الصيف أتمدّد على رمال الشاطئ وأمارس هواية التفكير بك» ؟

ففي أشهر الصيف يلجأ سكّان المناطق الساحليّة للبحر، حيث يبدو أجمل ما يكون، خصوصًا في ساعات الصباح الباكر، وفي المساء، إذ يحلو السمر.

وعلى النقيض من قباني في «القصيدة المتوحّشة» يجد د. طه حسين في الصيف متعة وراحة وهدوء، فيقول:«في الصيف تهدأ الحياة ويأخذها الكسل من جميع أطرافها» وحين جمع مقالات كتبها خلال واحدة من رحلاته الصيفيّة إلى فرنسا جعل عنوانه (في الصيف)، تأكيدًا على المكانة التي يحتلّها الصيف في وجدانه، ويشاركه في ذلك الشاعر إيليا أبو ماضي الذي يتغنى بالصيف، ويعتبره شافيًا لآلام النفس في قوله:

ما أحيلى الصيف ما أكرمه !

ملأ الدنيا رخاء ورفاها

كنت أشكو مثلما تشكو الضنى

فشفى آلام نفسي وشفاها

رغم أن درجات حرارته العالية تعكّر ليس فقط مزاج الكتابة، وإنّما مزاج الحياة، واشتداد الحر في منتصف النهار يسمى «الهاجرة» وينسب الهجير إليها، جاء في كتاب (المحاسن والمساوئ) للبيهقي قال الأصمعي: بينما أنا ذات يوم قد خرجت في الهاجرة والجو يلتهب ويتوقّد حرّا، إذ أبصرت جارية سوداء قد خرجت من دار المأمون ومعها جرّة فضة تستقي فيها ماء، وهي تردّد هذا البيت بحلاوة لفظ وذرابة لسان:

حرُّ وجدٍ وحرُّ هجرٍ وحرُّ

أيّ عيشٍ يكونُ من ذا أمرُّ؟"

ولنا تخيّل معاناة تلك المرأة، وقد اجتمعت في جسمها، وقلبها حرارة الوجد، والهجر، وحرارة الصيف، وحتى لو كان نصيبنا من تلك المعاناة حرارة الجوّ فقط، فهي كفيلة بتنغيص الحياة، رغم توفّر أجهزة التبريد الحديثة، بفضل التطوّر التكنولوجي، ولنا أن نتخيّل كيف كان أجدادنا يواجهون حرارة الصيف، وهم يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، في الحقول، والمزارع، وسواحل البحار، وعند اشتداد الحرارة يستعينون بأساليب بدائيّة، تحميهم من الشمس، وتخفّف لسعات ألسنتها الحارقة، فارتفاع درجات الحرارة يهدّد مجتمعات، وتنذر بعواقب وخيمة، فتزايد درجات الحرارة«كارثة صامتة» كما يصف الخبراء الذين كثيرا ما حذّروا من تزايدها المستمرّ الذي يندرج ضمن تغيرات مناخيّة يتعرّض لها كوكبنا الملتهب مع تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري.

وإذا لم تؤخذ تلك التحذيرات بجدّية، فستجد دول العالم نفسها أمام كارثة حقيقيّة، والمثل العربي يقول:« في الصيف ضيعت اللبن»، وهو مثل يُضرب في مَنْ يطلب حاجة بعد فوات أوانها، خصوصًا أننا في عزّ الصيف، ومناطقنا الأكثر حرارة في العالم تكتوي بـ«جمرة القيظ» الظاهرة الموسمية المناخية المعروفة في الشرق الأوسط التي ستستمر حتى نهاية أغسطس وخلالها ترتفع الرطوبة في المناطق الساحلية، وتهبّ رياح السموم، ولكنها ينضج التمر الذي تمرّ عمليّة نضجه بثلاثة مراحل، كما يؤكّد المختصّون الأولى تسمى (صباغ اللون) والثانية ( طباخ التمر) والثالثة والأخيرة (جداد النخل)، وحين يبلغ التمر هذه المرحلة تكون الحرارة بلغت ذروتها، وبعد ذلك يبدأ العدّ التنازلي، وحتى ذلك الوقت علينا الابتعاد عن الشمس في تلك الساعات، والإكثار من شرب الماء تعويضًا لفقدان السوائل، خصوصًا لمن يقتضي عمله البقاء ساعات طويلة تحت الشمس خشية التعرّض إلى ضربات الشمس في ساعات الظهيرة التي يشعر من اضطرته الظروف إلى ذلك، كأنّه داخل تنّور يقول أبو بكر الصنوبري:

إن كان في الصيف ريحان وفاكهة

فالأرض مستوقد والجوّ تنوّر

وهو بذلك لم ينكر فضائل الصيف ولذيذ فواكهه وخيراته الكثيرة لكنه بالوقت نفسه يصف مشاعر من أدخل رأسه في تنّور لأسابيع، وشهور!

أعمدة
No Image
اقتصاد العربة
hamdahus@yahoo.com قررت أن آخذ جهاز الحاسوب المحمول وكتابا مستغلة موعد عمل كنت قد حددته في أحد مقاهي مدينة مسقط الجميلة، اخترت لي مقهى جميلا هادئا يديره شباب عمانيون، يمنحني التعامل مع الشباب العماني طاقة وبهجة، وأشعر بأريحية أكثر لتلك الطاقة التي تبعث في المكان، أحب أن أتلقى التحية العمانية...