facebook twitter instagram youtube whatsapp


عبدالله الشعيلي
عبدالله الشعيلي

نوافذ: في بيتي مكتبة

21 يونيو 2022

Ashuily.om

إحدى الإمنيات الكبار التي كان جيلنا (جيل السبعين والثمانين) يحلم بها عندما يكبر هو أن يكون لديه مكتبة في بيته حتى وأن كانت مكتبة صغيرة عبارة عن رف أو رفين من الكتب في زاوية من زوايا الغرفة أو المنزل يحتفظ فيها بالكتب التي يجمعها من هنا وهناك. كبر الحلم كثيرًا وأصبحت المكتبة تحتل جزءًا من البيت تصل أرففها إلى عنان السماء لتلامس السقف، حيث تتراص الكتب الكثيرة لتكون مثل الشجرة المثمرة التي تنمو كل يوم ورقة جديدة.

الفرق بين الحلم الصغير والواقع الكبير أن الأحلام عندما تتحقق تقتل فيها الدهشة، وتموت منها الرغبة وتصادر منها اللذة، وهذا ما كان من واقع مكتبة في بيتي التي علاها الغبار، ونسج العنكبوت فيها خيوطه، وماتت روح الكلمة التي سهر الكتاب والمؤلفون على تسطيرها لسنوات طوال.

لم تعد المكتبة أساسًا من أسس البيت ولا ديكورًا من ديكوراته كما كان السابقون يتفاخرون بمكتباتهم المنزلية التي تختزن مئات الكتب والمجلدات، وبات الأمر على النقيض من ذلك، فالمكان الذي كان يخصص كركن للمكتبة في البيت أصبح في بيوت اليوم مكانًا للملابس الكثيرة أو ركنا لقهوة أو مستودعًا لأجهزة كهربائية كثيرة أو غرفة لألعاب التسلية أو مكانًا لتجمع الأصدقاء وتسامرهم، ولم يعد هنالك متسع ولو بسيط لركن مناسب يحتضن دفوف الكتب.

سمعت مقولة من أحدهم ينسبها لأحد المعروفين يقول فيها: «لا تخف على طفل نشأ في بيت فيه مكتبة » فهي التي ستربيه وتثقفه وتعلمه الحياة وأساليبها، فحياة الطفل بين الكتب هي حياة حقيقية لا تشوبها ولا تشوهها أية مشوهات غير حقيقية، وهذا ما كان من الأجيال السابقة التي نشأت على أحضان الكتب في بيوتها ففطمت على تقليب الصفحات، وتربت على رائحة الورق، وتلقت بعض صفعات الأدب بأغلفة الكتب، فنشأ من ذلك جيل يعرف قيمة ما يقرأه، ويتعلم من كتبه معنى الحياة وقيمتها وهدفها وغايتها.

لا أقول بأن هذا العصر هو عصر الجهل أو عصر انقراض الكتب، بل على العكس من ذلك فما تنتجه المطابع الحديثة يوميًا من الكتب يعد الأكبر في تاريخ البشرية، وما يدونه البشر من تدوينات خطية أو إلكترونية لم يتم تدوينه مطلقًا في تاريخ البشرية مجتمعة، وما يتداوله البشر من نصوص مقروءة حول العالم يفوق كل الخيال، وما يكتبه الكتاب والأدباء والمثقفون والصحفيون والعلماء والطلبة والأساتذة وغيرهم يفوق أضعاف ذلك بكثير، فالعصر الذي نحياه اليوم سمي بعصر انفجار المعرفة وعصر ثورة المعرفة الذي تدفقت فيه كل المعارف من كل صوب، وجرت عيون العلم والتعلم من كل مكان، وبات الحصول على المعلومة والعلم والتعليم أسهل مما كان في أي وقت مضى.

قد تكون المفارقة هنا شديدة بين سهولة الحصول على المعرفة وتدفق العلوم، وسهولة الحصول على المعلومة، وبين الوعي الإنساني والاختلاف البشري الحاصل في هذا الزمان وضحالة المعرفة العامة بين الأجيال الناشئة، وربما قد يكون مرد ذلك إلى الانفجار المعرفي ذاته، فالاختلاف يكون في بعض الأحيان مرده إلى العلم نفسه، وهنا يقصد بالعلم غير السوي الذي ينبش في السوء ويترك الخير.

في بيتنا مكتبة لكنها مبعثرة، ولم تعد كما كانت في السابق منارة ومرجعًا وجمالًا يضفي على البيت رونقًا ونورًا. لم تعد مكتبتي الصغيرة كما كانت من قبل فأرففها مكسرة، وكتبها متناثرة، ومكانها مهجور ولم تعد الكتب خير صديق لي فالأصدقاء الجدد باتوا سريعين في إيقاع حياتهم لا ينتظرون ولا يتوقفون ولا يفتقدون، وربما من الخير لي أن أترك من اليوم رفقة أولئك الأصدقاء لأعود إلى مكتبتي الصغيرة، وانفض عنها غبار السنين، وأرجع إلى كتبي لأحنو عليها وأرتبها، وأحادثها وتحادثني في صمت طويل لا يقطعه صوت زاعق أو ناهم يدعوك إلى وجبة معرفة سريعة فاسدة. أدعوا الله لي أن يوفقني في مسعاي.

أعمدة
No Image
مكيافيللي.. الأمير.. المكيافيللية؟
ظلت هذه الكلمات تتردد على مسامعنا في الوثائقيات مذ كنا أطفالا، ثم رافقتنا في قراءتنا للأدب والسياسة وشتى أفرع علوم الاجتماع والإنسان. والكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو كتاب الأمير للسياسي الإيطالي نيكولو ماكيافيللي -حسب نطقه بالإيطالية- بترجمة محمد لطفي جمعة مرفقا بتقديم ودراسة للدكتور ياسر عبدالحسين والذي طبعته دار...