ما وراء الطفولة في كتاب «يا زهر الرمان»
ماذا يعني أن نبحث في الطفولة ونستعيد ذاكرتها وفضاءاتها وشخوصها؟ هل هو الحنين إلى الماضي وأحداثه أو هو محاولة لترميم الحاضر بتقصي الماضي وحكاياته؟
إنّ العودة إلى الماضي بأغانيه وحكاياته وأمكنته هي عودةٌ إلى الطفولة البكر، وإلى صفاء القرية وذاكرة الشخصيات التي نحملها معنا إلى اليوم.
إنّ الكتابة عن الطفولة حلمٌ جميلٌ، يختبئ في عقولنا، لا يغادره رغم سنوات الحياة الطويلة، ولعلّ هذا هو الذي عبّرت عنه الكاتبة سعيدة الراشدي في استعادتها لذاكرة العيد أيام طفولتها قائلة: «جميلة هي ذكريات الطفولة وأحاديثها، تأخذنا بعيدًا إلى الدفء والحنان، حيث نعانق أرواح من نحب أرواح من رحلوا عنا، لعلنا نجد بلسمًا يداوي جروح فراقهم». (ص85)
تتحدّث العبارة السابقة عن ذكريات الطفولة، وقد وردت في كتاب (يا زهر الرمان) لمجموعة من الكاتبات اللواتي استعدن ذاكرة الطفولة وأحداث الصغر، والحياة المليئة بالاخضرار قبل أن تتبدّل مراحل الحياة، وتتفرّق الشخصيات، ويأسرنا الحنين إلى وقت مضى. صدر الكتاب عن الجمعية العمانية للكتاب والأدباء ودار الآن ناشرون عام 2022م، وقد ضمّ ثلاثة وعشرين نصًا أدبيًا لأربع عشرة كاتبة نبشن الذاكرة، واستعدن الطفولة في إطار حكائي مختلف يصبّ في عالم الطفولة.
امتزجت الحكايات في هذا الكتاب باستعادة الذاكرة، ولهب الحنين المتصاعد، فجميع الحكایات يمكن الإحساس فيها بالحنين إلى زمن انقضى، وإلى طفولة غائبة فقدها أشخاص يحملون اليوم ذكراها على عاتقهم. تتوزع صورة الطفولة في الكتابات المذكورة بين العيد والمدرسة، وهما موضوعان مهمان وردا بصورة كبيرة في النصوص، فقد اتسعت ذاكرتا العيد والمدرسة للكتابة الإبداعية، فتفننت الأقلام في صياغة تلك المشاهد، ويمكن أن نلمح للعيد والمدرسة فضاءً مهمًا راسخًا في التعبير الكتابي. تستعيد ميا الصواعي مشاهد العيد قائلة: «صوت مدفع العيد يمطر مسامعنا جذلا مغلفا بالبشر المخضب برائحة الحناء في كفوف الصغيرات، والملابس الباهية التي خاطتها الأمهات بماء عيونهن على ضوء نور خافت لأيام متتالية.
أتسابق مع أختي فاطمة والصغيرة خولة، كنت وما زلت واسطة العقد، نمدّ كفوفنا وأعيننا تترقب والدي الحنون، وهو يدس يده في جيبه لإخراج بعض الريالات، وكل واحدة منا لديها حلمها الخاص الذي ستحوله العيدية إلى حقيقة، كان حلمي كالعادة يتجدد كل عام أن أبتاع طائرة ورقية ملونة، يا للسرور وأنا أتخيل شعور الحصول عليها من أحد الباعة في الهبطة.
أهازيج صباح العيد تبعث البهجة في المكان الذي انتشر فيه كم من البشر بثيابهم الموشاة، أصوات الباعة والأطفال مع آبائهم، تلك الأصابع التي تلوح بهجة بشراء لعبة أو الحصول على كيس من حلويات العيد الشهية، عيناي تنتقلان بين البضائع لأسحب طائرتي الورقية، إنها حلمي وغاية ما أطمح لامتلاكه». (ص9)
وتقول أسماء الهاشمي: «جلست أراقب تلك البذور الغضة التي تجمعت للذهاب إلى الهبطة أحسست أنها جديدة لم تعتدها ذاكرتي، بالرغم من صغرها فإن عوامل الطبيعة بدأت ترسم فيها ما خفي عليّ. تذكرت فأنا الآن أعيش خمسة عشر عاما مضت، استحضرت في مخيلتي .... أمي ... جدتي وأختي الكبرى وهي تجلسني صبيحة يوم الهبطة» منذ الفجر الباكر لتجدل ضفائري بالياس والزعفل وترسم بخطوط الزعفران والصندل والكحل على وجهي نقشا تعجز أرقى بيوت الموضة عن صنعه. تذكرت دشداشة». (ص109) وتقول سعيدة الراشدي: «عشت طفولتي في قريتي الجميلة التي تحفها الجبال من كل اتجاه كأنها عين تحيط بها الأجفان، في قريتي طقوس للعيد ما زال يتمتع بها الأطفال ولكن حرمت منها بعد انتقالي للمدينة.
من ذكريات الطفولة جبل العيد. في العيد يؤدي أهل قريتي صلاة العيد فوق الجبل، وهو عبارة عن هضبة متوسطة الارتفاع، لكنه ونحن صغار نراه شاهق الارتفاع». (ص85)
أما ذاكرة المدرسة فليست أقل من ذاكرة العيد؛ إذ تمثل المدرسة أول فضاء يسكنه الطفل، وتجربة جديدة تخرجه من البيت إلى مجتمع أكبر، تكتب خاتمة سعيدة الرشيدي عن (طابور الصباح) مستحضرة صراعًا بين حركتها اليومية في المدرسة وواجبها في المنزل. إن طابور الصباح محفور في وجدانها وذاكرتها لا سيما اليوم الذي تأخرت فيه عن الطابور بسبب إحضار «المعشي» من المزرعة إلى البيت، يومها «شعرت بخذلان ركبتيها، فأرختهما على الرمال، لا يهمها الآن اتساخ ملابسها، فتحت القصاصة ببطء شديد، لتسقط عيناها على الكلمات التي كانت ترددها أثناء جريها: «مديرتي الفاضلة، معلماتي الفضليات، أخواتي الطالبات، أسعد الله صباحكن بكل خير ............... «. (ص21)
وتصف وضحى المسروري في يومياتها رحلتها اليومية إلى المدرسة، بدءًا بالنهوض الصباحي المبكر حتى الموعد المسائي للذهاب إلى المدرسة، فتصف ملابس المدرسة، وحقيبتها الدراسية ومشهد انتظار الباص وسائقه: « كنا ننتظر باص «بوخالد» عند مئذنة المسجد، كان له شعر بني مجعد طويل يصل إلى منكبيه، وعينان ثعلبيتان ماكرتان، ووجنتان بارزتان. كان طويل القامة، ناحل الجسم على شاكلة الرعاة في المسلسلات البدوية، ويضع على يمينه عصا طويلة، يضرب بها من تسوّل له نفسه العبث بالمقاعد الجلدية المهترئة التي يبالغ في الحفاظ عليها.
وأول ما نركب الباص نصطف نحن البنات الصغيرات على المساند، ويستخفنا الطرب، ونبدأ بترديد الأغاني في طريق الذهاب والعودة من وإلى المدرسة، فيستمع لنا بوخالد على مضض، وأحيانا يكيل لنا السباب». (ص61)
لا تنسى كاتبات النصوص الانطلاق في طفولتهن من الحارة أو القرية، إنها أفضل فضاء يربط الكتابة السردية الحالية بعالم الطفولة؛ إذ تمثل القرية الفضاء الأول الذي يعلق في الذاكرة، لذا تنطلق أغلب نصوص الكتاب من القرية وحكاياتها وشخصياتها، نستعيد معها حكايات الأمهات، وأصوات الآباء، وصراع الأطفال وشجارهم، إنها ذاكرة عميقة وموغلة، نجدها تتوهج في سرديات القرى والطفولة. وإذا كانت نصوص القرية عديدة في هذا الكتاب، فإنني أقف هنا على نص (أسود)، إذ استوقفني السرد في هذا النص. لقد منحت الكاتبة زهرة الراسبي الحكاية معه تخيلًا واسعًا. لقد كانت شخصية الكلب (أسود) شخصية محورية في الأحداث، فقد ربط بين عناصر السرد (المكان/ القرية، الشخصيات/ دحام، والزمان/ الطفولة).
لقد قدمت الكاتبة شخصية الكلب بطريقة متداخلة بين الإحساس والتفكير والارتباط. إن (أسود) منذ ولادته كان يعكس صورة شارع الحارة، ويجعل منه عنصرًا مهمًا في اتساع السرد، فالحارة بشخصياتها كانت تمهد لانتقال الأحداث وتوزعها زمنيًا.
تفتتح الكاتبة سرد حكايتها من الكلب الذي يحيل وصف المشهد على شخصية مهمة فعلًا، تؤدي دورها بفاعلية: «بتخبط متسارع، مشى معتمدا على القليل مما تبقى له من القوة، التي بدأت تتلاشى شيئا فشيئا، تظهر الأشياء حوله مرة وتختفي مرة، فعيناه أيضا كانتا تستنفدان طاقتهما البصرية محاولتين التركيز بلا فائدة.
كان يدري أن ساعته البيولوجية ليست في صالحه، وقد وقفت أمامه كحارس محذرة إياه أن ينتهي بسرعة، وإلا فكل شيء سوف يتوقف. تنفس بصعوبة، ومشى مترنحا واعتمد في خطواته الأخيرة على حائط منزل ما، كان هدفه الأخير منذ مسافة أمتار منه، حيث بدأت لحظة نهايته». (ص37)
تسير الحكاية إلى نهايتها، ونهاية شخصية (أسود) بعد أن أطلق عليه الرصاص، هنا يظهر ارتباط الشخصيتين (الكلب/ أسود، والإنسان/ دحام) وتقدّم الحكاية العلاقة بينهما في تعبير مؤلم ومأساوي: «أحس بقرب أجله، فزاد تخبطه في البحث عنه، وزاد نزيفه دمعًا ودما، كانت أمنيته في تلك اللحظة أن يكون «دحام» آخر صورة تطبعها عيناه على قلبه في هذه الدنيا، كان يريد أن يغمض عينيه، وتكون صورة الصديق هي الأخيرة فكل مساحة في قلبه مملوءة بحب دحام» بعد حب الخالق، وأخيرا وبمعجزة ما، وجد فتحة في الجدار الأعمال صيانة في بيت دحام» المتداعية جدرانه فدخل منها، وبدأ يعوي بحزن وكأنه ينادي: «دحام»، فوجد فراشه في ساحة المنزل الداخلية، لعله أحس بالبرد فدخل ليكمل نومته في إحدى الغرف، توجه إلى الفراش؛ ليتحسسه ويشمه باحثا عن صديقه» (ص44). تظهر الطفولة في صورتها البريئة واضحة في نصوص هذا الكتاب، براءة الأطفال في مقابل الانتماء المكاني والحنين إليه رغم المسافات الزمنية الطويلة. وكأنّ الكاتبات لم يخرجن بعد من محيط الذاكرة القديم أو يحاولن العودة إليه متحصنات به من قسوة هذا الواقع.
خالد المعمري كاتب عُماني
