facebook twitter instagram youtube whatsapp


أمل السعيدية
أمل السعيدية

سنكلير أم دميان؟

22 نوفمبر 2022

بدأت علاقتي بالكاتب الألماني هيرمان هيسة من أعماله الأخيرة، الأمر الذي جعل تلك الطالبة الجامعية التي قرأت في البداية روايته «سدهارتا» تنفر منه. بدا لي صوفيًا غنائيا وغير محتمل، أنا اليافعة التي ما زالت تتعرف إلى العالم، والخلاصات التي يلقنها لي هذا الرجل المتدين بطريقة فريدة لم تتناغم، وغضبي آنذاك سرعان ما عدتُ عن موقفي بعد قراءة روايته «ذئب البراري» أو «ذئب البوادي» وروايته «تحت العجلة».

لكنني لم أقرب قط من روايته «دميان» ذلك أن قريبًا لي أحبها جدًا، وتسبب ذلك في الإعراض عن قراءتها لسنوات، ثم راودني حلم ما بأنني أقرؤها. على الرغم من أنني وعلى طريقة سارة بكويل في كتابها الشهير «مقهى الوجودية» يمكن أن أقدم صورة لي وأنا أحمل كتاب «اللامنتمي» لكولن ولسون، ككتاب مقدس ومانفيستو أستقي منه حياتي كلها، وأثبت من خلاله شيئًا ما عن موقفي من العالم، مثلما تضع بكويل صورة لها في الكتاب موقعة بعنوان: فتاة في الضواحي تحمل كتاب الغثيان لسارتر في الستينيات. كان ذلك في عام 2011 بدايات الربيع العربي، وربيعي الذي بدأ بدوره في العام نفسه مع بدء حياتي الجامعية. والإشارة لكتاب اللامنتمي هنا، تأتي من كون رواية دميان كانت أحد الأعمال الأدبية التي تناولها ولسون في دراسته، وكنت مع القراءة الثانية للكتاب قد قرأتُ كل الروايات التي تحدث عنها، وعن طبيعة الاغتراب التي تعيشه شخصياتها إلا هذه كانت مؤجلة لوقت أستطيع فيه قراءة هيسة مجددًا. قرأتُ دميان اذن، وتابعت رحلة سنكلير من عالم البراءة الناصع، إلى عالم الرشد، عالم الذنب.

إن أول سؤال يقتحم عليّ التفكير في الكتابة عن هذا العمل، هو لِمَ دميان؟ إن اسم الشخصية الرئيسية في هذا العمل سنكلير، فلِمَ دميان إذن؟ ربما يفسر المشهد الأخير من العمل هذه المعضلة، فدميان مثل دور المخلص لسنكلير، وكان يقول له بأنه لو احتاج إليه فإنه سيجده داخله، كأنما دميان فكرة أكثر منها تجسيدًا لإنسان حقيقي، إنها نزعة يمتلكها سنكلير إذن التي تظهر في الأوقات العصيبة في ابتعاد سنكلير لاكتشاف ذاته والوجود الذي يعيش فيه. يأتي إما ليزيد الأمور تشويشًا في نفس سنكلير وليثير المياه الراكدة، أو ليحل العقدة بسهولة كما فعل مع روكر الصبي الجشع الذي هدد سنكلير وأخرجه من عالم الضياء الذي توفره أحلام الطبقة المتوسطة، إلى عالم الإعتام حيث الواقع الحقيقي القذر والمدنس.

بحسب كولن ولسون فإن دميان التي أعادت هيرمان هيسة للأدب مجددًا بعد اندحار ألمانيا في الحرب، تظهر الدراسة النفسية فيها أشد تغلغلًا ونفوذًا، و« لاح تفحصه للقيم أشد عمقًا مما كان عليه من قبل». عاش سنكلير في قصة دميان هذه في عالمين منقسمين، أحدهم عالم البيت حيث السلام، وعالم الشرور حيث المسلخ والسجن والسكارى والمومسات. وعن شكه وهلاوسه حول انتمائه لعالم البيت يكتب هيسة على لسان سنكلير «كانت حياتي في ذلك الوقت جنونًا، كنت خجولًا، فعشت معذبًا وكأنني شبح وسط ذلك السلام المنظم في البيت» يكتب ولسون « كانت صدمة عنيفة لسنكلير أن يكتشف أن ذلك العالم المظلم قادر على الخروج من حدوده واقتحام حدود البيت أيضًا» وينتهي تحليل كولن ولسون لرواية دميان الذي يستمر لصفحات عديدة في كتابه «اللامنتمي» بالإشارة الآتية: «لم يحصل سنكلير على شيء، وإنما فقد الكثير حين رفض أن يواجه الشر، وتشرح المخطوطات الدينية البوذية ذلك في العبارة الآتية: «إن أولئك الذين يرفضون أن يميزوا ليسوا إلا أمواتًا.»

بحسب موقع «sparknots الأكاديمي فإن عمل دميان يُظهر تأثر هيرمان هيسة بنيتشة، فمعظم أفكار العمل مستعارة منه. نشر نيتشة ما وراء الخير والشر عام 1886، وكان قد قدم فيه رفضًا جذريًا للقيم المجتمعية التقليدية. جادل بأن التمييز بين الخير والشر لا يلزم بأن يلعب دورًا مهيمنًا في القرارات التي يتخذها الأشخاص والأفعال التي يؤدونها. هناك عدد قليل من الأشخاص المميزين الذين سيكونون قادرين على رؤية ما وراء قيم مجتمعهم ليكونوا قادرين على التعبير عن هذه الإرادة، ومنح نيتشة قيمة كبيرة للعبقرية الإبداعية هذه.

يشيد هيسة اذن في عمله هذا البيت، باعتباره الفردوس المفقود، إنه أشبه بمكان معزول ومنفصل تمامًا عن العالم في الخارج، تمضي فيه الأشياء بطريقة خاصة، والصوت هنالك خفيض، وحتى المشكلات لا تطفو على السطح، لا يبدو أن عالم ما هو خارج البيت يمكن أن يمس ما هو داخل هذا النظام المعزول مطلقًا، لكن حدثًا بسيطًا، كذبة صغيرة يمكن أن تقتحم النظام الذي افترضنا أنه موجود، ولأننا عزلنا البيت، كيف يمكن أن يجر المرء أسمال كذبته إلى بيته؟ كيف يمكن أن يعترف ويذنب ويكون خطاءً. ينبغي ترك الشرور في الخارج، لكن هل كل الشرور سيئة حقًا؟ ماذا لو كنا في بيوتنا نسير خجلين مثل الأشباح في ذلك السلام المدعى، فيما نفوسنا تتوق للجموح في الخارج، حيث الحياة بكل تناقضاتها بانتظار أن نذنب بها.

أعمدة
No Image
بشفافية : نحو تعميق الشراكة في التنمية
المسارات الجادة والحثيثة التي تنتهجها الحكومة لتحقيق التنمية على كافة الأصعدة واضحة، وتعكس الحرص على إنجاز المشاريع التنموية في المدة المحددة لذلك، لأن الواقع المتسارع يفرض نفسه والأولويات الضرورية تضع نفسها في سلم البرامج والخطط المراد إنجازها، خاصة فيما يتعلق بتنمية المحافظات وتحقيق الرخاء للمواطن.منذ مدة قررت وزارة النقل والاتصالات...