الوجه الآخر للأمن الغذائي..

09 مارس 2026
09 مارس 2026

يبدو أنه قد نفد صبر أعداء الإنسانية من الصهاينة، فصرنا نسمع قعقعة السلاح على مقربة منا. وقد يرافق الحروبَ حروبُ التجويع وحروبُ نشر الأمراض المصنَّعة، كما يقول أغلب المراقبين.

وهكذا نعود إلى ضرورة إجراءات الوقاية على جميع الأصعدة؛ المالي والاقتصادي، وصعيد الأمن الغذائي والصحي، كي نحقق أفضل وقاية ضد الحروب المدمرة التي تلوح في الأفق.

تقود الشركات العالمية الكبرى في قطاع الكيماويات الزراعية والتكنولوجيا الحيوية تطويرَ وبراءةَ اختراع ما يُعرف بـ «تكنولوجيا الإنهاء» (Terminator Technology) أو البذور العقيمة. وتهدف هذه التقنية إلى منع المزارعين من إعادة زراعة البذور التي يحصدونها، مما يجبرهم على الشراء من الشركة في كل موسم.

أما أبرز الشركات المرتبطة بهذه التقنيات تاريخيًا وحاليًا فهي: باير (Bayer)، فقد أصبحت اللاعب الأكبر عالميًا بعد استحواذها على شركة مونسانتو (Monsanto) في عام 2018، وشركة سينجنتا (Syngenta)، وشركة كورتيفا (Corteva)، وشركة باسف (BASF).

وبسبب الحظر الدولي الطوعي منذ عام 2000، والذي لا ندري كم سيستمر؛ أصبحت الشركات حاليًا تعتمد بشكل أساسي على بيع البذور الهجينة (F1) التي تضعف إنتاجيتها بشكل طبيعي في الجيل الثاني، مما يحقق الهدف التجاري نفسه دون الحاجة لاستخدام تقنية العقم الوراثي.

إننا بحاجة إلى بناء بنك بذور وطني للأصناف الأصلية المتوارثة لجميع الزراعات التي تحقق الأمن الغذائي لنا وللحيوانات الداجنة التي نعتمد على لحومها وألبانها وبيضها. فالبنك هو الركيزة الأساسية لسيادة الغذاء، حيث تضمن هذه البذور قدرة النبات على التكيف مع المناخ المحلي وإعادة الإنتاج ذاتيًا دون تبعية للشركات.

ولا بأس بالاستفادة من الخبرات والجهود التطوعية وغير التطوعية من المتقاعدين من وزارة الزراعة والخبراء ومن الكليات الزراعية والباحثين عن عمل. يقترح الخبراء أن يتم العمل أولًا بالجمع والحصر (Bio-prospecting)، فتنفذ حملات ميدانية لجمع البذور من المزارعين التقليديين في القرى والمناطق البعيدة، والذين ما زالوا يحتفظون بسلالات قديمة لم تتعرض للتهجين التجاري. ثم توثق الخصائص الوراثية لكل صنف، كمقاومة الجفاف والملوحة والآفات.

ثم يتم التوصيف والتقييم، فتزرع البذور في حقول تجريبية تحت إشراف مراكز البحوث الزراعية للتأكد من ثبات صفاتها الوراثية ونقائها من أي ملوثات جينية.

ثم يتم إنشاء بنوك الجينات (Gene Banks)، ثم الحفظ طويل الأمد، حيث يتم تخزين البذور في غرف مبردة تصل إلى -20 درجة مئوية لضمان حيويتها لعقود.

ثم الحفظ الميداني عبر استمرار زراعة هذه الأصناف بانتظام لتجديد البذور وتكييفها مع التغيرات المناخية المستمرة.

ثم نظام الإكثار والتوزيع، فيتم تحويل البذور من عينات مخبرية إلى كميات تجارية عبر «مزارع الإكثار»، وتوزيع هذه البذور على المزارعين المحليين لضمان انتشارها في التربة بدلًا من بقائها حبيسة الرفوف.

وأخيرًا إصدار التشريعات والحماية، بإصدار قوانين تمنع تسجيل براءات اختراع على الأصناف المحلية من قبل شركات أجنبية، مع تشجيع «مكتبات البذور المجتمعية» التي تسمح للمزارعين بتبادل البذور وتطويرها محليًا.

د. طاهرة اللواتي إعلامية وكاتبة