هوايات الجدات تثير شغف الأجيال الجديدة
برلين "د.ب.أ": أينما تولى بصرك سترى مجموعة من الشباب يحيكون ويطرزون ويعملون بأشغال الكروشيه والإبرة، سواء في المنازل أو في الأماكن العامة، لتظهر بعد ذلك أنواع رائعة من السترات والأوشحة وأغطية الرأس.
وهذه الأنشطة ليست ترندات أو ضجيجا أو اتجاهات تسعى للشهرة على منصات التواصل الاجتماعي، بل في واقع الأمر يتضح أن الهوايات والأنشطة الفنية التي كانت في السابق مرتبطة بكبار السن، أصبحت الآن تحظى بإقبال شديد من جانب الأجيال الجديدة.
وبينما تشير استطلاعات الرأي مثل "دراسة شل لاتجاهات الشباب لعام 2024"، إلى استمرار اتجاه الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و25 عاما لممارسة الأنشطة الرقمية بدرجة كبيرة، فإننا نشهد المزيد من المشاركات حول الهوايات التي تم تجربتها واختبارها من جانب الجدات، على منصات التواصل خاصة أشغال التريكو والإبرة، رغم أن هذه الهوايات اختارتها الجدات لتتلاءم مع حالتهن البدنية والصحية، فهن لم يعد يستطعن ممارسة الرياضة أو القيام برحلات تتطلب جهدا مثل السفاري، كما أنها تتلاءم مع ما يتمتعن به من أناة وصبر.
وتتنوع المنتجات بأشكال مختلفة من البطانيات المصنوعة يدويا، إلى الدمى المحشوة التي يحبها الأطفال والقمصان ذات الألوان الزاهية، ويتلهف عشاق الحرف اليدوية على عرض منتجاتهم التي أطلق عليها اسم "جراتي كور" على مواقع الإنترنت، وهذا الاسم اتخذته حركة يراود أعضاؤها الحنين للماضي ويودون أن يمارسوا الاتجاه الحياتي، للجدات الذي يسوده السكينة والاسترخاء في مواجهة عالم اليوم الحافل بالسرعة والضغوط الحياتية.
وهذه الحركة ينتشر أعضاؤها في عدة دول من الولايات المتحدة إلى بريطانيا، حيث يقوم الشباب بما فيهم الجيل "زد" بعمل أشغال يدوية رائعة تتنوع بين التطريز والتريكو والكروشيه والحياكة، ويبدو من ذلك أن الشغف بالهوايات التقليدية التي كاد الزمن أن يطويها لا يعرف حدودا.
ووصل الشغف ببعضهم إلى حد ممارسة أشغال التطريز والإبرة وهم جالسين في دور السينما، وأصبحت هذه الممارسة من بين الاتجاهات الفرعية التي تم ملاحظة وجودها في دول عديدة من الولايات المتحدة إلى كوريا الجنوبية.
وفي بريطانيا يقدم دالي وهو بطل في رياضة الغطس في دورات الألعاب الأوليمبية، برنامجا تليفزيونيا مخصصا للبحث عن أفضل الحرفيين في أشغال الإبرة في بريطانيا.
وباعتباره من الهواة محبي أشغال الإبرة يقدم دالي برنامج "لعبة الصوف"، وهو مسابقة تجرى في الريف الإسكتلندي وتعرض متنافسين يواجهون تحديات معقدة، بما في ذلك تطريز الملابس بل صناعة لباس السباحة بإبر التريكو.
ويتنافس الأشخاص من جميع الأعمار باستخدام أدوات وأساليب ما يعرف باسم "البريتون"، وهو أنماط من السترات ذات الخطوط الزرقاء على خلفية بيضاء، وكان يستخدم في الأصل كملبس لصائدي الأسماك ثم تطور ليصبح من الأزياء الراقية، كما يتم الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في مسابقات حامية لتطوير إبداعاتهم وتحسينها.
ومن ناحية أخرى قامت إحدى هواة أشغال الإبرة في الولايات المتحدة تعرف على منصات التواصل باسم "جين أوف ذي كاوز"، باستعراض مهاراتها على منصة ريديت للتواصل الاجتماعي، وتقول "بدأت أمارس أشغال الإبرة في السبعينيات من القرن الماضي، وبدا في وقت من الأوقات أن شعبية هذه الهواية في تراجع خاصة خلال فترة التسعينيات، ولكن صعد نجمها مرة أخرى في بداية عام 2000 عندما أصبحت حياكة الجوارب بإبرة التريكو من الهوايات الشائعة".
وتضيف إن ما يتم حياكته تغير حيث "كان التركيز في السابق على السترات والملابس، والآن يبدو أن التركيز يتجه نحو القبعات والأوشحة والدمى".
أما الحائكة المعروفة على منصات التواصل باسم "سوتجراوند بريكنج 49"، فوصفت دافعها لتبني هذا الهواية هو الحصول على قدر من الهدوء والسكينة، في مواجهة "تغلغل الشاشات والمنصات الإلكترونية بشكل أساسي، في كل جانب من جوانب حياتها اليومية، وتوضح "أنني أمارس عملي على شاشة، ثم قبل وبعد العمل أجد نفسي إما أنني أنظر إلى الشاشة الكبيرة وهي التلفاز أو الصغيرة وهي الهاتف الذكي، وهذا كان أكثر مما يستطيع جهازي العصبي أن يتحمله".
ومن المرجح أن يكون قيام الأنشطة التجارية بالترويج لزيادة الاستهلاك، بالإضافة إلى زيادة الاتجاه لتبني الأزياء المتغيرة بشكل سريع، عاملا آخر يدفع إلى تبني هذه الهوايات اليدوية القديمة التي أوشكت على الاندثار، ثم عادت لتطل على المجتمعات الحديثة بقوة، وتقول "هناك شيء يشبع الشغف في صناعة شيء والاستمتاع بالوقت والجهد اللازم لإنتاجه بإتقان".
وهناك نموذج رائع في ألمانيا تقدمه كل من ليلي وجوليا شوارسكوف، وهما شقيقتان من بلدة أشافنبرج بولاية بافاريا، ولديهما 93 ألف متابع على حسابهما على منصة إنستجرام تحت اسم "ليفيسدوكور" أي بنات القلب، وجعلا من أشغال الإبرة مهنة لهما يتناوبان عليها كعمل بدوام جزئي مع الدراسة.
وتقول جوليا شوارسكوف إن الرغبة الشخصية بالتفرد في الملبس، هي على الأرجح السبب في عودة أشغال الإبرة لتصبح من الاتجاهات الحديثة، وتضيف "إن الملابس في هذه الحالة ليست جاهزة وموضوعة على الأرفف ليختار من بينها الزبون، ولكنها تفصل خصيصا له بحيث لا يشاركه في تصميمها شخص آخر".
وتقول بحماس إن الأمر بالنسبة لها يعني أكثر من ذلك، فهي تشعر بالزهو عندما يمكنها أن تحقق رؤية تضعها نصب عينيها، وترتدي شيئا يحتاج إلى كثير من الوقت والصبر في إنتاجه.
وتضيف شوارسكوف إن مجتمع أشغال الإبرة يرحب بحفاوة بكل من ينضم إليه، وهي تنظم وتدير مع شقيقتها الاجتماعات في الحدائق العامة والمقاهي.
وتتابع إنهما تعلمتا فنون الكروشيه والتريكو من جدتهما لأمهما.
كانت أختها تستطيع فقط عمل أشغال الكروشيه في البداية، ولكنها رغبت بعد ذلك في تفصيل الملابس الخاصة بها وبالتالي تعلمت الحياكة، وهما يبثان المشروعات الخاصة بهما على منصات التواصل، كما ألفا كتابا صدر مؤخرا عن هوايتهما.
ويوضح الباحث الاجتماعي في مجال أوقات الفراغ أولريش راينهارت أن ثمة علاقة بين العمر والهوايات، فبينما يميل الأشخاص الأكبر سنا إلى اعتبار أن هواياتهم مهدئة لإيقاع حياتهم ومرضية لهم ونافعة ويستثمرون مزيدا من الوقت لتنفيذها، يتنقل الأشخاص الأصغر سنا بين أنشطة مختلفة بشكل أكثر تكرارا، تكون "مستوحاة بدرجة أكبر من الاتجاهات الاجتماعية الأكثر شيوعا أو من منصات التواصل الاجتماعي".
كما يوضح أنه في أوقات عدم التيقن أو التعرض للضغوط، يسعى الناس بشكل خاص إلى ممارسة هوايات تهدئ من انفعالاتهم وتمنحهم القوة مثل العناية بالنباتات والحدائق الخاصة، أو ممارسة رياضة المشي بين المرتفعات أو الحياكة والتطريز.
ويقول الباحث راينهارت إن الأشخاص الذين يمارسون الهوايات يقومون بذلك بدافع من إرادتهم الحرة، ويجد ما نسبته 80% من الناس السعادة عند ممارسة هواياتهم، ويضيف "إن هذه الهوايات هي بالضبط ما تجعلهم يشعرون بقيمتهم".
