مطالب بإعادة ترميم حصن السليف بعبري
يشكّل التراث العمراني في سلطنة عُمان شاهدًا حيًا على تاريخ عريق امتد لقرون طويلة، حيث تقف الحصون والقلاع كرموزٍ للصمود والقوة، وتحكي تفاصيل حياة الأجداد وما واجهوه من تحديات عبر الزمن، ومن بين هذه المعالم البارزة حصن السليف بولاية عبري أحد الشواهد التاريخية التي ارتبطت بذاكرة المكان والإنسان، ليظل حاضرا في وجدان الأهالي وقصةً تُروى جيلاً بعد جيل، خاصة في ظل المتغيرات الطبيعية التي قد تؤثر على هذه المعالم وتضعها أمام تحديات غير مسبوقة.
في مستهل حديثه، يوضح علي بن عبدالله المنذري أن حصن السليف في ولاية عبري يُعد واحدًا من أبرز الحصون الأثرية في الولاية، حيث شُيّد على يد الإمام سلطان بن سيف اليعربي في عام 1711م، ويحمل في طيّاته تاريخًا عريقًا يمتد لنحو 350 عامًا. وقد أُقيم الحصن على سفح جبل السليف المرتفع، في موقع استراتيجي مميز، وأُحيط بسور ضخم شُيّد بعناية ليحمي الحصن من جميع الجهات ويقيه تأثيرات مختلف الظروف المناخية، ويُقدّر طول هذا السور بحوالي 500 متر. وقد استُخدمت في بنائه مواد تقليدية متينة تمثلت في الجص والطين المخلوط بالتبن، بينما يتميز الموقع الذي أُقيم عليه الحصن بكونه جبلًا مستوي السطح من الأعلى.
ويضيف أن الحصن يتكون من عدة طرق أو ممرات، يحيط بكل طريق منها نحو 25 بيتًا، كما تقع بالقرب منه حارة السليف التاريخية التي تضم حوالي 110 منازل، وتزخر بعدد من الأبراج من أبرزها برج الريح. ويحتوي الحصن كذلك على جامع، ومكان مخصص للبرزة، إضافة إلى مواقع مهيأة للضيافة وعدد من المجالس التي كانت تُستخدم للتشاور وتبادل الآراء بين الأهالي. كما توجد في أعلى الحصن بئر محفورة من الأعلى إلى الأسفل، كان الأهالي قديمًا يعتمدون عليها في الحصول على المياه.
ويشير "المنذري" إلى أن المدخل الرئيسي للحصن كان يشهد إقامة البرزة، حيث يجتمع فيه الأهالي والآباء والأجداد لمناقشة مختلف القضايا المتعلقة بشؤون بلدة السليف، كما كانت تُستخدم هذه المجالس لحل النزاعات وإجراء الصلح بين الناس عند حدوث أي خلاف. وقد مثّل الحصن في الماضي حصن أمان وحماية لأهالي البلدة، الذين كان معظمهم يسكن في الحارة المجاورة له، حيث عاشوا بروح الأسرة الواحدة التي يسودها التآلف والمحبة. كما كان الحصن محاطًا بعدد من الأبراج، ويوجد في أسفله سوق كان الأهالي يقصدونه لتلبية احتياجاتهم اليومية، وكان نشاطه يتركز خلال فترة العصر.
وفيما يتعلق بانهيار السور الأمامي لحصن السليف، يوضح "المنذري" أن هذا الحدث يُعد سابقة لم يشهدها الحصن على مر تاريخه، مؤكداً أنه لم يُعرف بين الأهالي أو يُروَ عن الآباء والأجداد وقوع أي انهيار أو تهدم للسور في الأزمنة الماضية. إلا أن تأثر ولاية عبري بمنخفض "المسرات" وما صاحبه من أمطار غزيرة كان له الأثر البالغ في تغيير هذا الواقع، حيث أدت قوة تدفق المياه في مجرى وادي السليف ـ الذي تتجمع فيه مياه نحو 360 وادياً وشِعبة، إضافة إلى وادي العين ووادي ضم ـ إلى ارتفاع منسوب المياه بشكل غير مسبوق، وهذه المياه حين تجاوزت معبر جسر السليف القريب من الحصن، انحرفت بقوة نحو الجهة الشمالية من البلدة، ما تسبب في انجراف السور الأمامي للحصن وتهدمه بالكامل، في حادثة تُسجل لأول مرة منذ إنشاء الحصن. كما أدى اندفاع الوادي بشكل جارف إلى تسرب المياه إلى بطن الفلج داخل الحصن، وغمرت المياه المزارع المجاورة، بل ووصلت إلى جامع بلدة السليف، في مشهد يعكس حجم التأثير الذي خلفته هذه الحالة الجوية.
ويؤكد علي المنذري أن هذا السور يمثل رمزاً تاريخياً راسخاً في ذاكرة أهالي البلدة، لما له من دور مهم في حماية الحصن من الأخطار والعوامل المناخية المختلفة عبر السنين، ومن هذا المنطلق، نناشد الجهات المختصة، وعلى رأسها وزارة التراث والسياحة، بضرورة التدخل العاجل لإعادة بناء وترميم السور، حفاظاً على هذا المعلم التاريخي والأثري، وضمان حمايته من أي مخاطر مستقبلية قد تنتج عن جريان الأودية أو الظروف الجوية القاسية.
انهيار غير مسبوق
وفي السياق ذاته، يؤكد راشد بن خلفان المنذري البالغ من العمر نحو 90 عامًا، أن ما حدث يُعد أمراً غير مألوف في تاريخ الحصن، مشيراً إلى أنه عاش في الحارة التاريخية المجاورة لحصن السليف منذ سنوات طويلة، وشهد خلال تلك الفترة هطول أمطار غزيرة وجريان وادي السليف في مواسم متعددة، إلا أن ذلك لم يتسبب يومًا في تأثر أو انهيار السور الأمامي للحصن. ويوضح أن ما شهده الحصن هذه المرة جاء نتيجة قوة اندفاع مياه الوادي خلال منخفض "المسرات"، حيث تدفقت المياه بشكل جارف نحو الحصن، ما أدى إلى انجراف السور الأمامي وانهياره، في حادثة لم يُعرف لها مثيل من قبل، ولم تُنقل مثلها في روايات الأهالي أو كبار السن عبر الأجيال.
وفي ختام حديثه، أعرب راشد المنذري عن أمله في أن تبادر الجهات المختصة، وعلى رأسها وزارة التراث والسياحة، إلى إعادة بناء السور الأمامي لحصن السليف في أقرب وقت ممكن، نظراً لما يمثله الحصن من قيمة تاريخية كبيرة ومكانة راسخة في ذاكرة الأهالي منذ القدم، مؤكداً أهمية الحفاظ عليه وصونه للأجيال القادمة.
