قيس البداعي: لكل مصور حسه الفني الخاص والنقد جزء من التطور
لم تكن بداية المصور قيس البداعي مع التصوير خيارا مدروسا أو مسارا مهنيا محدد المعالم، بل جاءت كنتيجة لفطرة إنسانية عميقة ورغبة طبيعية في مراقبة العالم من زاوية مختلفة. ففي عام 2012م بدأ توثيق اللحظات عبر هاتفه المحمول، وكانت الكاميرا بالنسبة له أكثر من مجرد جهاز؛ كانت أداة للتعبير عن الإحساس والوجدان قبل أن تصبح ممارسة فنية. كان البداعي يرى المشهد بعين مختلفة، ويبحث في تفاصيله عن معنى أعمق، محاولًا أن يلتقط اللحظة كما يشعر بها في داخله، لا كما تبدو فقط للعين المجردة.
من بين الصور الأولى التي رسخت وعيه الفني، صورة لجده – رحمه الله – حاضرة في ذاكرته. التُقطت بين النخيل، كانت بسيطة في عناصرها، لكنها غنية بالمعاني والدلالات. لم تكن مجرد صورة عائلية، بل ذاكرة إنسانية مكثّفة، حملت ملامح الزمن والانتماء والحنين، وشكّلت لحظة فارقة جعلته يدرك أن الصورة يمكن أن تكون حاملة للمشاعر والقصص، لا مجرد توثيق بصري عابر.
تطورت تجربة البداعي من خلال المشاركات المحلية والدولية، والاحتكاك بمصورين من ثقافات مختلفة، و حصل على عدة جوائز، من أبرزها ميدالية الفياب الفضية في بينالي الفياب للشباب التاسع والثلاثين – بلغاريا 2018، بالإضافة إلى حصوله على المركز الرابع في مسابقة ابن فرناس للدرون عام 2025م والتي شكّلت محطة مهمة في مسيرته.
يعتمد أسلوب البداعي على الصورة القصصية التي تحكي ما خلف المشهد، مع تركيز خاص على تصوير الوجوه وحياة الناس، و بالنسبة له فإن الصورة تُرى والقصة تُروى. فهو يبحث عن المشاعر الوجودية للإنسان، والصراعات الداخلية التي يعيشها بينه وبين نفسه، لأن هذه التفاصيل هي ما تمنح الصورة روحها، فالصورة قادرة على رواية قصة كاملة من خلال تعابير الوجه ونظرات العيون؛ فهي تُرى ما لا يُسمع، وتُحسّ أكثر مما تُقال. ويسعى إلى توثيق حياة الناس والبيئة في المجتمع العُماني، ونقل ثقافتنا وقصصنا العمانية إلى شعوب العالم.
يفضل البداعي تصوير البورتريه، وتحديدًا تصوير حياة الناس، لأنه الأقرب للإنسان، ويكشف الكثير من القصص غير المروية ويحرص على توثيق الإنسان والبيئة، والصراعات الوجودية، إلى جانب الأمل والحياة والسعي والبساطة. حتى معظم صوره تنطلق من قضايا إنسانية ومجتمعية، وتلامس علاقة الإنسان ببيئته، سواء كانت علاقة متوازنة أو متأثرة بالصراع والتغيير.
من أبرز التحديات التي واجهت البداعي هي سرعة المحتوى المنشور، وتشابه الصور، وضغط وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى صعوبة المحافظة على الهوية الفنية وسط هذا الزخم البصري.
و يروي لنا موقفا صادفه أثناء رحلة التصوير وقال: " أثناء سيري بين جبال كشمير رأيت طفلة تقود خيلها، وكانت ملامح عينيها تحكي معاناة كبيرة من أجل لقمة عيش عائلتها، حيث كانت تصطحب السواح على ظهر الخيل وتسير في طرق جبلية وعرة لتؤمّن قوت يوم أهلها، وكان مشهدًا لا يُنسى، فالتقطت لها صورة لن أنساها و خلدت في ذاكرتي لأنها اختزلت معاني المعاناة والبراءة والمسؤولية في لحظة واحدة، وتركت أثرًا عميقًا في نفسي".
يؤمن البداعي بأن لكل مصور زاويته وحسّه الفني الخاص، ويقول: " أتقبل النقد باعتباره توصيات نابعة من آراء مجتمعية مختلفة، وأراه جزءًا مهمًا من التطور".
يشير البداعي إلى أن المعدات تلعب دورًا مهمًا في جودة الصورة، مثل الكاميرا والعدسات والإضاءة، لكنها ليست الأساس دائمًا. فالفكرة والإطار واللقطة الفنية المعبرة هي الأهم في إيصال الرسالة، وقال أن تعديل الصور يعتمد عليه بشكل بسيط جدا، مثل تصحيح الألوان، مع الحرص على عدم المساس بروح وأصل الصورة. و يطمح البداعي مستقبلا إلى تنفيذ فيلم وثائقي يحكي قصة العسل العُماني في قريته " بدت" بولاية السويق.
يوجه البداعي في نهاية حديثه رسالة جوهرية من خلال صوره وهي: إبراز العلاقة بين الإنسان والمجتمع والبيئة، سواء كانت علاقة متوازنة أو متناقضة، لكنها دائمًا حقيقية، وينصح الشباب المبتدئ على التغذية البصرية من أعمال مصورين بمختلف أنحاء العالم، وبالتطبيق العملي المستمر، مع التركيز على إيصال الفكرة والقصة الفنية، لا الاكتفاء بالتوثيق العابر.
