دراسة مصرية تطالب باستلهام التراث وتوظيفه في تنمية الخيال والابتكار والمعرفة للأطفال واليافعين
القاهرة - د ب أ: أكدت دراسة مصرية حديثة على قوة التراث الشعبي، وقدرته على تحفيز الإبداع، من خلال استلهام معطياته وإعادة تقديمها وفق رؤى جديدة تحقق التوظيف الأمثل لذلك التراث في الكتابات والفنون المختلفة، من أجل تنمية الحس الخيالي والابتكاري والمعرفي لدى الأطفال واليافعين.
وجاء في الدراسة التي أعدها كاتب الأطفال المصري، والباحث في شؤون التراث، الطيب أديب، أن تراث الأمة هو الذي يحفظ لها ملامحها ومكونات شخصيتها، ويمنحها قاعدة قوية راسخة تبني عليها مستقبلها. فإن فُقدت القاعدة استحال البناء. وأمة بلا تراث هي أمة بلا مستقبل.
واستعرض " أديب " في دراسته - التي جاءت ضمن البحوث التي ناقشها مهرجان الشارقة القرائي للأطفال في دورته الأخيرة - التراث في اللغة والمصطلح، وكيف تتعدد تعريفات التراث، ثم تتفق في مجملها على أن التراث هو ما خلفته الأجيال السالفة للأجيال الحالية من مكونات مادية ومعنوية كإرث يستقي منه الأبناء الدروس ليعبروا به من الحاضر للمستقبل.
التراث العربي والخيال
وأكد الطيب أديب في دراسته، على أن التراث العربي يحفل بالحكايات والقصص الشهيرة كحكايات وقصص ألف ليلية وليلة، وحي بن يقظان وكليلة ودمنة وغيرها، وأن تلك الحكايات والقصص لم تكن موجهة للطفل العربي على وجه الخصوص، إلا أنه تم تبسيط كثير منها ليلائم الطفل العربي، مثل تبسيط حكاية بساط الريح والجواد الخشبي، وقصة عبد الله البري وعبد الله البحري، وهي من قصص ألف ليلة وليلة، إضافة للقصص الروائي الشفاهي للأطفال والذي لعب دوراً مهماً في مخاطبة حواس الطفل وحفز مشاعره وخياله، وكثيراً ما كانت المربيات والوصيفات يقصصن على الأطفال قصصاً مبسطة كما كان للجدات في البيئات العربية دورهن في قص الحكايات التراثية.
وبحسب الدراسة، فإن السير الشعبية أو ما يطلق عليه الباحثون "الأدب الشعبي"، هي مجموعة أعمال روائية طويلة تتناول السيرة منها قصة حياة بطل من أبطال العرب، ملك أو شاعر، ومعظم هذه السير ارتبطت بشبه الجزيرة العربية لأن أحداثها دارت في هذه المنطقة الثرية أدبياً، وارتبطت بقضايا عاشها سكان المنطقة قبل الإسلام وبعده، مثل سيرة عنترة بن شداد، التي ارتبطت بقضية اللون وحرص بطلها على نيل الحرية المنشودة ، فيما دارت سيرة حمزة البهلوان حول قضية العلاقة بين الفرس والعرب، وسيرة الأميرة ذات الهمة التي تناولت قضية المرأة في البيئة العربية، وهكذا.
تعدد الروايات والرواة
وشدد الطيب على أن التعرف على اسم مؤلف واحد لأي من هذه السير الشعبية هو أمر صعب، وذلك لاختفاء المؤلف الأصلي للنص وتعدد رواة النص باختلاف الزمان والمكان ولتداول السيرة شفاهيا. فمؤلف النص الشعبي هو متلقيه كما يقول مؤرخو السيرة الشعبية، واعتبرت الدراسة أن نص السيرة الشعبية يصلح لروايته للأطفال بطرح جديد مهما بعد زمان ومكان السيرة بما يلائم متطلبات وذوق بيئة المتلقي الجديدة.
تسابق الحكائين
ولفت الطيب أديب في دراسته، إلى أن التراث العربي احتفى بالخيال، وتسابق الحكائين في النظم والسرد في الحكي على السنة الطير والحيوان، وسرد السير الشعبية والأمثال والأحاجي والتي أصبحت مادة خصبة ساعدت في تنمية خيال جيل جديد من أساطين الأدب والفكر في العواصم العربية في مختلف العصور. بل وبلغ صداها بلدانا أخرى أوروبية، وما زال صداها يتردد حتى يومنا هذا.
وبحسب الدراسة، فإن أكثر هذه الحكايات والقصص التراثية الخيالية التي أحدثت دويا فكريا في الشرق والغرب "كليلة ودمنة" لابن المقفع وحي بن يقظان لابن طفيل.
وأوصت الدراسة بضرورة قيام الكتاب، وجميع المؤسسات الأهلية، والثقافية، والتعليمية، والأكاديمية، والإعلامية وغيرها بتكثيف الجهود لإحياء التراث واستلهامه وتوظيفه بما يخدم الأطفال واليافعين، عبر إنشاء المراكز والمعاهد التي تعنى بالتراث، وإصدار مطبوعات تعنى بنشر التراث وتسليط الأضواء عليه، ووضع نماذجه المتفردة على قوائم التراث العالمي، مع تشجيع الكتاب للغوص في التراث، وإعادة طرحه في صورة قصص وروايات ومسرحيات وكتابات نثرية ونشره في دور نشر حكومية وخاصة، والاهتمام بالمسرح التعليمي في المدارس والجامعات لعرض ما يتم تأليفه بصورة جذابة للفئات العمرية المعنية، وتدريس اللغة العربية في المناهج الدراسية للمرحلة الابتدائية وما بعدها، بطرق تحبب الأطفال واليافعين والشباب في لغتهم العربية، وتنمي فيهم الحس الخيالي والجمالي والمعرفي والوطني، واختيار نصوص أدبية تشدهم وتحببهم فيها، بجانب تذكير التلاميذ بالتراث وإلقاء الضوء على الشخصيات التاريخية مثل الأدباء والعلماء والأبطال والمخترعين وغيرهم.
كما أوصت أيضا، بتكليف الباحثين في الجامعات والمعاهد العلمية بإعداد البحوث والدراسات العليا في التراث الشعبي (مادي ومعنوي) لتوثيقه في المكتبات العربية، وليكون مادة خصبة للكتاب ومنتجي الأعمال الفنية، وتشجيع الأطفال واليافعين أنفسهم على التأليف والكتابة في مجال التراث، ومكافأة الفائزين منهم ماديا ومعنويا، والتوسع في إنشاء المتاحف التاريخية والعلمية، وذلك لكون المتاحف ذاكرة الشعوب، وتشجيع الأطفال واليافعين والشباب لزيارتها في رحلات مدرسية وخلال العطلات، وإقامة المهرجانات والاحتفالات المستمدة من التراث وتسليط الأضواء عليها لربط الصغار بتراثهم الشعبي وجعلها مهرجانات سياحية بجانب كونها شعبية.
