No Image
منوعات

الشاعرة مها العتيبي: الثقافة جزء من صورة المجتمع وتحولاته.. والشعر تجربة إنسانية واعية

28 يونيو 2026
28 يونيو 2026

من: حجاج سلامة القاهرة "د.ب.أ": قالت الشاعرة السعودية الدكتورة مها العتيبي، إن المشهد الثقافي بوطنها المملكة العربية السعودية، يشهد حالة "اتساع" حقيقية، وحضورا أكبر للكتاب والمبدعين، ولدور النشر، وانتشارا للفعاليات الثقافية، في صورة تؤكد أن الثقافة لم تعد نشاطا هامشيا، بل صارت جزءا من صورة المجتمع وتحولاته.

وأشارت العتيبي إلى أن هناك أزمة تعيشها القصيدة العربية، لكنها ليست أزمة الشعر وحده. بل هي أزمة قراءة، وأزمة نقد، وأزمة منصات، أزمة شاعر أحيانا. موضحة أن بعض الشعراء يكتبون بلا عمق، وبعض القراء يريدون نصا سريعا، وبعض المؤسسات والمنصات تحتفي بالاسم أكثر من النص. ورأت أن تجاوز ذلك يكون بالقراءة العميقة، وبالنقد الجاد، وبالورش، وبالمجلات الثقافية، وبإعادة الشعر إلى الحياة بوصفه تجربة إنسانية واعية.

النقد يضيء النص

وحول وظيفة النقد ودوره في التقريب بين النص والمتلقي، قالت مها العتيبي إنه حين يكون النقد حيا وواضحا فإنه يقرب النص من المتلقي. لكنه حين بتشبث بالمصطلحات ويغالي في استخدامها ويكتب للنخب فقط فهنا يزيد المسافة بين النص وبين المتلقي. وأوضحت أن وظيفة النقد أن يكشف ويضيء على النص، وأن يساعد القارئ على رؤية جمال النص وطبقاته. في قراءة مسؤولة وصادقة ، معتبرة أن النقد يحاول، لكنه لا يواكب دائما. هناك إبداع سريع ومتعدد، وهناك نقد لا يزال أحيانا أسير المصطلحات أو الانطباعات الشخصية. ورأت الشاعرة السعودية مها العتيبي أن هناك أزمة بين النص وبين المتلقي، وأن تلك الأزمة هي أزمة مسافة. حيث بعض النصوص سيطر عليها الغموض، في الوقت الذي يريد منه المتلقي أن يكون مباشرا، مؤكدة على أن الشعر يحتاج إلى قارئ يشاركه الرحلة، لا قارئ ينتظر معنى جاهزا منذ السطر الأول.

بناء الجسر مع القارئ

وشددت على أن المسئولية في ذلك مشتركة، وأنه على الشاعر ألا يغرق في الغموض واجتراح عوالم خاصة لا تستطيع أن تبني جسرا نحو القارئ، وعلى المتلقي ألا يطلب من القصيدة أن تتخلى عن عمقها وجمالها كي تكون مباشرة، وتامة الوضوح. وقالت إنه على القصيدة أن تعبر عن تحولات المجتمع العربي بدرجات مختلفة. وأن القصيدة العربية حملت أثر التحولات الاجتماعية، وصعود أسئلة المرأة والهوية. لكنها أحيانا وقعت في المباشرة، وأحيانا هربت إلى الغموض. أجمل النصوص هي من جعلت التحولات جزءا من بنية الصورة والإيقاع والرؤية.

الأنساق الثقافية للقصيدة المعاصرة

وحول أبرز الأنساق الثقافية التي تنعكس على القصيدة العربية المعاصرة، قالت مها العتيبي إن أبرز تلك الأنساق الهوية، والمدينة، والمنفى، والمرأة، والجسد، و الذاكرة، والتكنولوجيا. وأضافت أن القصيدة العربية اليوم تحمل أثر القرية والمدينة، والتراث والحداثة، والذات والجماعة، والمحلي والعالمي. وأن الشاعر المعاصر لا يكتب من فراغ. يكتب وهو محاصر بالصور، والأخبار، والأسئلة، ومن ثم فقد جاءت القصيدة مرآة لهذه الأنساق، حتى حين تبدو قصيدة حب خالصة، فهي تحمل في طياتها الأنساق الحديثة المعاصرة. وحول رؤيتها لتأثير الحداثة على بنية القصيدة العربية المعاصرة، قالت العتيبي إن الحداثة حررت القصيدة من كثير من القيود الشكلية، لكنها لم تحررها من الحاجة إلى الشعرية. وفتحت الباب للتفعيلة، وقصيدة النثر، وتعدد الأصوات، وتداخل السردي بالغنائي، وتكثيف الصورة، وتفكيك الخطاب ، معتبرة أن أهم سمات الحداثة هو قدرتها في تغيير النظرة القديمة إلى العالم. وأنه قد يكتب الشاعر قصيدة موزونة وحديثة جدا، وقد يكتب نصا حرا لكنه تقليدي في روحه وأفكاره وانفتاحه على الذات والآخر. ولفتت العتيبي إلى أن النص المعاصر استطاع اختراق المهمش والمسكوت عنه في مواجهة المركزية الثقافية داخل النص الشعري، وأن القصيدة المعاصرة اقتربت إلى حد كبير من الهامش : المرأة، المنفى، الفقير، المختلف، وإلى أي ذات لا تجد صوتها في الخطاب العام، معتبرة أن هذا من أجمل مكاسب الحداثة الشعرية. وشددت على أن الاختراق الحقيقي لا يكون فقط بذكر المهمش، بل بمنحه صوتا وجمالا وحقا في الوجود داخل النص، ومحاورته، وتجليه.

وعي القصيدة بالتراث والحداثة

وتناولت الشاعرة العتيبي ، في حديثها، موضوع التراث والحداثة في النص الشعري، وقالت إنه حين يلتقي التراث بالحداثة بوعي، يفتحان أفقا واسعا جدا. وأن التراث يمنح النص عمقا وذاكرة، والحداثة تمنحه سؤالا وحركة. وأكدت على إيمانها بأن النص الجميل يستطيع أن يستدعي الأسطورة، والموروث، والرمز العربي، ثم يعيد كتابتها بروح معاصرة، مشددة على "أننا لا نحتاج أن نكرر التراث، بل أن نحاوره. ونعيد انتاجه بلغتنا الحاضرة وبأدواتنا الحالية. وأن الأسطورة تمنح القصيدة عمقا رمزيا، لكنها تحتاج إلى وعي. وأضافت: "لا يكفي أن نذكر جلجامش أو عشتار أو العنقاء، ولكن المهم هو كيف تدخل الأسطورة في نسيج النص، وأن تصبح جزءا منه" ، مشيرة إلى أن الشاعر الناجح هو الذي لا يستعير الأسطورة كما هي، بل يعيد خلقها داخل تجربته الخاصة. وحول أثر الحروب والنكبات على الأنساق الفنية للقصيدة العربية، ومدى تفاعل القصيدة العربية المعاصرة مع قضايا الهوية والإنتماء، قالت العتيبي إن الشعر لا يكتفي بتسجيل الفاجعة، بل يحاول أن يمنح الألم شكلا جماليا مختلفا. وأوضحت أن الهوية في القصيدة المعاصرة أصبحت سؤالا مفتوحا. الشاعر يسأل: هل الهوية مكان؟ لغة؟ ذاكرة؟ أم جرح؟ والانتماء صار علاقة معقدة بين الحب والفقد والحنين، لافتة إلى أن القصيدة الجيدة هي التي تحب وطنها وتخلده جمالا في لغتها وشعرها وتفاصيلها الصغيرة مثلما تخلده في عناوينها الكبيرة.

يذكر أن الدكتورة مها العتيبي، شاعرة سعودية، تحمل درجة الدكتوراة في مناهج وطرق تدريس العلوم بجامعة أم القرى، صدر لها 12 ديوانا شعريا، إلى جانب رواية لليافعين وكتاب في النقد الأدبي. ولها العديد من البحوث والدراسات التي نوقشت بالمؤتمرات العلمية، بجانب مشاركاتها في الفعاليات الشعرية السعودية والدولية، وحازت على العديد من التكريمات والجوائز المحلية والعربية منها جائزة الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية في دورتيها الثالثة لعام 2020، والثامنة للعام الحالي 2026.