هل سيعود المجتمع العماني إلى ممارسة حياته بشكل طبيعي ؟
«الجائحة» أعادت التماسك الكبير بين أفراد البيت الواحد وفتحت حوارات كادت أن تكون مفقودة
مأثر المحروقية : العالم سيأخذ بعين الاعتبار التغييرات الإيجابية وسيواصل العمل عليها حتى بعد انقضاء الجائحة
محمد الشبيبي: اعتدنا على نمط حياة جديد وهناك إيجابيات استفدناها من كورونا
جوخه الشماخية:تكوّنت لدى المجتمع ثقافة صحية حول كيفية التعامل مع الأمراض المعدية
هلال العمري:مظاهر سلبية كثيرةاختفت من المجتمع وأتمنى ألا تعود مرة أخرى
حمد الخصيبي: على الشباب التفكير في أسلوب جديد يستطيعون به التعبير عن فرحهم دون تحمل الكثير من الأعباء المالية
على الرغم من التراجع الكبير في أرقام الإصابات والوفيات بفيروس «كورونا كوفيد ـ »19 في سلطنة عمان، وحدوث انفراجة كبيرة في عودة الكثير من الأنشطة والحياة إلى طبيعتها، إلا أن الفيروس لا يزال موجودا ويؤثر بطريقة أو بأخرى على سير العديد من أوجه الحياة وسط المجتمع.
ومنذ بدء انتشار الفيروس قبل عامين تقريبا، تغيرت الكثير من العادات وسلوكيات المجتمع، التزاما بالقرارات التي كانت أعلنتها الحكومة ممثلة في اللجنة العليا المكلفة ببحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا (كوفيد19) والتي حرصت على سلامة المجتمع والتقليل من حدة انتشار الفيروس عبر إصدار العديد من القرارات التي تمنع المناسبات الاجتماعية كالأعراس أو إقامة مجالس العزاء وغيرها من المناسبات الاجتماعية.
ومع مرور الوقت استشعر المجتمع بأن الكثير من العادات الاجتماعية التي كان يمارسها، يستطيع الاستغناء عنها أو ممارستها بطرق جديدة تؤدي نفس الهدف وتصل إلى غايتها بأقل التكاليف ودون أن يكون هناك تقصير، وعلى سبيل المثال الأعراس ومجالس العزاء التي كانت ترهق جيوب الكثير من أفراد المجتمع، فمع العزاء تتضاعف الخسائر المادية، وفي الأعراس تتحول الأفراح إلى هموم مالية يستطيع الإنسان أن يوفرها من خلال اتباع خطوات شبيهة بتلك التي كان يمارسها في أيام انتشار فيروس كورونا .
وبعد انحسار أرقام الإصابات والوفيات وعودة الحياة إلى طبيعتها تدريجيا، يبقى السؤال الأبرز هل ستعود بعض العادات السائدة في المجتمع سابقا إلى نفس طبيعتها أم أن هناك تغييرا في تلك العادات؟
(عمان) في هذا الجانب تستطلع آراء عدد من المواطنين حول عودة الحياة ومدى تأثرهم بالإجراءات سابقا وهل سوف يعودون إلى ممارسة العادات السابقة بنفس الطريقة أم أن هناك تغيرا في ثقافة ممارسة الحياة اليومية والمظاهر الاجتماعية ؟.
نمط جديد
المضمر محمد بن سالم الشبيبي يمتهن منذ طفولته مهنة التضمير ولديه عزبة لهجن السباقات، حيث تأثر قطاع الهجن كغيره من القطاعات بتوقف الأنشطة وقد توقفت اللقاءات في العزب التي كانت تقام تزامنا مع السباقات التي توقفت هي الأخرى لمدة طويلة ، حيث قال الشبيبي : تأثرت سباقات الهجن في تلك الفترة وبعد عودة السباقات عدنا ولكن بحذر، واللقاءات في العزب والتجمعات ما زلنا نمتنع عنها، ونكتفي بالتواصل عن طريق الاتصال الهاتفي واللقاءات من بعيد بين أصحابنا من المضمرين .
وأضاف الشبيبي : في بداية تطبيق الإجراءات الخاصة بـ «كورونا» كانت الأمور مختلفة فلم نكن نتحمل تطبيقها ونشعر بالضيق والتعب و فقدان الكثير من أوجه الحياة اليومية، ولكن مع مرور الوقت تغيرت نظرتنا تجاه واقع الحياة و استطعنا التأقلم مع الواقع الجديد .
وأوضح محمد الشبيبي كنا لا نستغني عن اللقاءات والتجمع و الزيارات بيننا ونتجمع بأعداد كبيرة ، ووجدنا فيما بعد أن مثل هذه اللقاءات لم تكن بتلك الأهمية ومن الممكن أن نتواصل بيننا بالاتصال أو عبر المجموعات عبر الهاتف .
وأكد محمد بن سالم الشبيبي بأن هناك صعوبة في عودة الحياة إلى طبيعتها بنفس ما كانت عليه قبل انتشار فيروس كورونا، وإن عادت الأنشطة والسباقات، ولكن سوف تكون هناك الكثير من الجوانب قد تغيرت ثقافتها خصوصا السلام بالوجه أو الأحضان عند كل اللقاءات وحتى كذلك التجمعات، مشيرا إلى أن المشاركة في السباقات الآن تتطلب الالتزام بلبس الكمامات، مبينا أن الجميع ملتزمون وسوف يواصلون لبس الكمامات حتى بعد انتهاء فيروس كورونا نهائيا .
إيجابيات أسرية
من جانبها قالت جوخة بنت علي بن صالح الشماخية : مما لا شكّ فيه أن جائحة كورونا إن كانت لها سلبيات فلها إيجابيات أيضًا، ولا سيما في الجانبين الأسري والاجتماعي، فعلى مستوى الأسرة أصبح هناك تقارب نفسي، وتماسك كبير بين أفراد البيت الواحد، فقد تماسكت العلاقات بين الوالدين والأبناء، وفُتحت حوارات كادت أن تندثر، الجائحة كذلك زادت من اهتمام الشخص بتعزيز ذاته ونظافته الشخصية.
وأضافت الشماخية قائلة : فترة الحظر أتاحت للأفراد وقتًا كافيًا للقرب من الله، وأداء العبادات، وممارسة الهوايات والألعاب الشعبية، كما ارتفع لديهم الوعي الصحي، مما أدّى إلى حدوث تغيير في نمط حياة الكثيرين، حيث أخذوا يركّزون على تناول الأغذية الصحية التي تقوّي المناعة، كما ابتعد العديد منهم عن العادات والممارسات السلوكية السيئة؛ خوفًا على صحتهم وعائلاتهم، أمّا على المستوى الاجتماعي فقد فرضت الجائحة على الناس ضرورة التباعد الاجتماعي، والاحتفاظ بمسافة أمان بينهم وبين الآخرين، كما تكوّنت لدى المجتمع ثقافة صحية حول كيفية التعامل مع الأمراض المعدية سريعة الانتشار، وطرق الوقاية منها.
وأكدت جوخه الشماخية على أن معظم المناسبات الاجتماعية اقتصرت على الأقارب، فانخفضت مصاريف الأعراس وشكلياتها التي نحن في غنى عنها، أتوقّع أن هذا التغيير سيستمر في بعض المجتمعات، على الأغلب فيما يخصّ التجمعات العائلية والمآتم والأعراس.
أسلوب حياة
أما مأثر بنت محمد بن سيف المحروقية أوضحت في بداية حديثها أن التغيرات الهائلة التي أحدثتها جائحة كورونا في مجالات الحياة المختلفة، أصبح التعايش معها أمراً مهماً بل ضروريًا، حيث عملت الحكومات على اتخاذ إجراءات احترازية ملموسة للحد من خطورة انتشار الوباء و المساهمة بقدر المستطاع في إيجاد حلول للتغلب على هذه الأزمة لضمان عودة الحياة لمجاريها الطبيعية، مؤكدة على أن الإجراءات والتغيرات شكلت أسلوب حياة جديدا اعتاد الناس عليه، ومن المتوقع أن هذه التغيرات ستستمر لفترة ما بعد الجائحة.
وقالت المحروقية: إذا نظرنا إلى الجوانب الحياتية التي تغيرت، نجد أن بعضها فتح مجالات تنموية تساهم في إيجاد بدائل حياتية أسهل للناس وأوفر في الوقت ذاته. حيث تحول العالم إلى عالمٍ رقميّ، فأصبح الناس يحبذون وجود الرقمية في حياتهم واستخدامها عوضاً عن الأساليب المعتادة، و كذلك بالنسبة للعادات الاجتماعية، حيث إن القوانين التي حدت مقدار التجمعات أو بالأحرى التي أعطت نسبة معينة للحضور ساهمت في تقليل التكاليف لدى الفرد. ومن وجهة نظري، إن العالم سيأخذ بعين الاعتبار التغيرات الإيجابية الموجودة و سيواصل العمل عليها حتى بعد انقضاء الجائحة.
وأوضحت مأثر المحروقية إن العادات الحميدة التي أضافتها كورونا، تقلل عبء التكاليف حيث إن التجمعات سواء كانت تجمعات أفراح أو أحزان، تكون مقتصرة على نسبة معينة من الأفراد، ولكون معظم العائلات العمانية تميل إلى التجمعات المكتظة من باب المعرفة و الكرم، نجد و للأسف أن هذه العادة ستنجلي عند معظم العائلات العمانية.
ونبهت المحروقية إلى ظهور بعض العادات السيئة وان عودة ظهورها وارد أيضا، مشيرة إلى أن الجيل الحالي اعتاد بشكل كبير على استخدام التكنولوجيا للتواصل مع الأقارب عوضاً عن الزيارات، ولا شك أن الزيارة في قلب المكان و اللقاءات بين الأقارب أو بمعنى آخر صلة الرحم يكون لها طابع روحي مميز ، وهذا ما يفتقره إليه التواصل من خلال المراسلات الإلكترونية و الاتصالات.
وتحدثت مأثر المحروقية عن المناسبات وقالت : بالنسبة للأعراس والتعازي، فلا أقول بأهمية أن نجعلها مقتصرة على العائلات، وإنما يجب أن نراعي الحدود فيها بحيث تكون مواتية لميزانية الفرد وبعيدة كل البعد عن مظاهر البذخ والإسراف. فنحن لا نريد أن يقطع الناس الوصل بينهم وإنما الحد من التبذير.
مظاهر الأعراس
من جانبه قال حمد بن هلال الخصيبي مالك محل مستلزمات للأفراح الرجالية : تأثرت التجارة العالمية وهبط اقتصاد الدول الصناعية هبوطا حادا و ذلك بسبب جائحة كورونا (كوفيد19) و أيضا تأثرت الأنشطة التجارية و الصناعية هنا في سلطنة عمان بوجه عام و تأثر نشاط بيع و تأجير مستلزمات الأفراح الرجالية و ذلك بسبب الإغلاق الكامل للأنشطة التجارية وأيضا الحظر على كافة أنواع التجمع أدى إلى خسائر كبيرة لأصحاب المحلات والبعض أغلق محله نهائيا.
وأضاف الخصيبي قائلا: بعد فتح بعض الأنشطة و عودة الحياة تدريجيا إلى طبيعتها ساد جو من الفرح لدى أصحاب محلات بيع و تأجير مستلزمات الأفراح الرجالية حيث عادت مظاهر الأعراس و عاد الشباب لإقامة حفلات الزواج وبما أن مثل هذه الأنشطة تعتمد اعتمادا كبيرا على العرسان فإننا نتوقع زيادة عدد حفلات الزواج مستقبلا، ولكن نتمنى أن تأتي الزيادة في الحفلات بدون أن تكون هناك تجمعات و مصاريف يتحملها المقبل على الزواج ، وعلى الشباب التفكير في أسلوب جديد يستطيعون فيه التعبير عن فرحهم دون تحمل الكثير من الأعباء المالية.
مسؤولية المجتمع
من جانبه قال هلال بن محمد بن راشد العمري : على الرغم من أن فيروس كورونا أوجع قلوب المجتمعات والناس في دول كثيرة حول العالم ومن بينها المجتمع العماني بسبب فقد أعزاء علينا و ما صاحب انتشار المرض من إجراءات و مخاوف نفسية، إلا أن مظاهر سلبية كثيرة اختفت من المجتمع وأتمنى أن لا تعود مرة أخرى، وهي الخسائر المادية في مجالس العزاء التي كان المجتمع يبالغ فيها بلا سبب.
وأضاف العمري : معظم مجالس العزاء سابقا كانت تقام فيها ولائم غداء و عشاء و غيرها من القهوة والشاي والمشروبات، ويتكبد ذوو الفقيد مبالغ طائلة لهذه الولائم وكل هذه مظاهر سلبية وقد اختفت في أيام كورونا عندما منعت مجالس العزاء واقتصر العزاء على الأقرباء، وهذه المظاهر على المجتمع أن يتخلص منها .
وأكد هلال العمري على أن المجتمع يتحمل المسؤولية تجاه تغيير السلوكيات السلبية وعليه أن يستغل توقف مجالس العزاء والتبذير الذي كان يحصل قبل الجائحة.
