منذر الشكيري:نشطاء التواصل الاجتماعي يتجاوزون مربع الترفيه العابر إلى المساهمة في تشكيل القناعات وتوجيه السلوك
العُمانية: "ما نعيشه اليوم ليس طفرة عابرة، بل إعادة تشكيل لخارطة القوى الأربع التي تصنع وعي المجتمعات والمتمثلة في السياقات الرسمية والعلماء والشركات بالإضافة إلى الخوارزميات" بهذه العبارة يصف منذر بن حمد الشكيري الذي يمارس وعيه وشغفه من خلال عمله كمسؤول إدارة الفاعلين عبر التسويق في الوكالة الإعلامية "35"، تأثير منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل القناعات وإعادة توجيه اهتمامات الشباب.
وأضاف الشكيري: عندما نفصل عقلية الشباب اليوم، فإننا لا نعزلهم عن فضاء رقمي جعل العالم يبدو أصغر ومترابطًا؛ فالمنصات الرقمية أذابت الفوارق الجغرافية وسهلت المقارنات؛ بعد أن كانت صناعة الرأي محصورة بين ثلاثة أقطاب: السياقات والمؤسسات الرسمية في كونها المشرّع، والعلماء كواضعين للمعرفة، والشركات بدور المحرك الاقتصادي؛ اقتحمت المشهد اليوم قوة رابعة غير مرئية وهي الخوارزميات الرقمية التي يمثل الفاعلون ذراعها التنفيذي والواجهة الحية لصياغة القناعات وتدفق المعلومات وتشارك الأفكار.
وأوضح أن هذا التحول أنتج جيلاً يتسابق نحو التحقيق والإنجاز، ويمتلك رادارات وعي تفهم الخوارزميات، وبالرغم من الإنصات الدائم لضجيج الشبكات ظهرت بعض السلوكيات العابرة التي تفرضها العولمة ولا تشبهنا كعُمانيين.
مشيرًا إلى أن الشاب العُماني يملك حقيقة ذاتية واحدة؛ شخصيته في المنصات الرقمية هي ذاتها الواقعية، فعلى سبيل المثال لا الحصر ما زلنا نسأل بعضنا البعض عن الأخبار والعلوم، وهو ما يعكس جانبا إيجابيا بأن الفاعلين لم تبلغهم مساحيق التزييف، بل نقلتهم من مجرد عقلية متصفّحة إلى عقلية مُمحِّصة وواعية؛ تقرأ وتفهم، وتستقبل الرسائل بشكل متزن.
وبيّن أن الشباب يواجهون تحديات نابعة من ضغوطات البيئة الرقمية؛ لأنهم واقعون تحت وطأة حمّى الإنجاز السريع والأرقام الكبيرة، والشغف بالسبق في مجالاتهم، إذ أؤمن بأن السبق في الفكرة لا يعني نجاحاً إن لم يتم طرحه بشكل ذكي ينبع من استراتيجية واضحة وتوجه واعي، وهذا الاندفاع المحموم نحو الحضور المستمر يجعل الرسائل تفتقر أحياناً إلى العمق في المحتوى والرابط المستدام مع المتابع، فينتج عنها محتويات عادية تخاطب شريحة ضيقة جداً، متجاهلةً التنوع المجتمعي الكبير في المجتمع العُماني وحتى الإقليمي، فما يتقبله البعض قد ترفضه ثلة أخرى.
أما عن الأدوات التي تساعده على التعامل مع التنوع الكبير في عقليات الشباب الفاعلين واختلاف مرجعياتهم واهتماماتهم، قال: لا نتعامل مع الفاعلين بأدوات الرقابة الجافة، بل بأدوات التمكين التي تحول الاستعراض الرقمي إلى تمرين إيجابي يعزز الثقة الإبداعية، إلى جانب تحليل البيانات بـمنهجية علمية تساعدهم على فهم تنوع التلقي في المجتمع، وكيفية صياغة محتوى يحمل قيمة حقيقية دون التنازل عن الهوية والسمت العام يجعل إبداعه مقبولاً لدى كافة شرائح المجتمع.
وأضاف أن المؤثرين بصفة عامة تجاوزوا مربع الترفيه العابر إلى المساهمة في تشكيل القناعات وتوجيه السلوك، خصوصًا في المحطات الوطنية مثل الالتفاف الجماهيري خلف المنتخب الوطني في تصفيات كأس العالم الأخيرة، سواءً في المدرجات أو خلف الشاشات، كذلك فككوا لغة الأرقام والأهداف الرسمية للمشاريع الكبرى في سلطنة عُمان، وأعادوا صياغتها بلغة حيوية ومرنة استوعبها الشباب وتفاعلوا معها، صانعين لها تموضعاً إيجابياً بربط الخطط الاستراتيجية بالعائد المباشر على تفاصيل حياتهم اليومية.
وتابع حديثه: إن الخوارزميات الرقمية ليست كائنات محايدة، بل هي محركات ذكية صاغتها شركات كبرى تهدف بالدرجة الأولى إلى تعظيم أرباحها، فالمعادلة التجارية للمنصات بسيطة وحاسمة، توجد لكل مستخدم نمط مخصص بناءً على سلوكه الرقمي، وتضمن بقاءه لأطول مدة ممكنة داخل المنصة؛ فطول البقاء يعني تدفقاً أكبر للإعلانات والنتيجة الحتمية هي زيادة الأرباح.
وأشار إلى أن هذا التوجه التجاري يمارس عبر توجهات ناعمة للاهتمامات ويستهدف أنماط السلوك أكثر من استهداف فئة معينة، لكن إذا أسقطنا هذا الواقع على الشباب بصفة عامة؛ سنجد أن الغالبية ليس مستهلكاً مستسلماً للتيار، وأكبر دليل على ذلك هي ردة الفعل الإيجابية والواعية التي رصدناها في مواقف عديدة منها تفاعل الشباب والفاعلين مع القضايا المجتمعية والإنسانية على الصعيدين الوطني والعالمي، وكم من صانع محتوى أغلق حسابه بالكامل لمجرد أنه رفض الانسياق وراء السرديات الموجهة.
وأضاف أنه بالرغم من هذا الوعي الشاهق، لا نغض الطرف عن وجود فئة شهدنا تأثرها المباشر بالمنصات وانجرافها نحو تناول سطحي وعابر للقضايا، ما يتعين علينا تحقيق الالتفاف المجتمعي والمؤسسي لإيجاد مجتمع يسهم ويقود المشهد، أكثر من كونه مجرد متلقٍ يقف على مدرجات المشاهدة ومتأثراً بلا مقاومة.
وعما يمتلكه الشباب من آليات لفهم التأثير التي تمارسها المنصات وصناع المحتوى، قال: إن الشباب اليوم يملكون ما أسميه المناعة العفوية والذكاء الفطري في التفريق بين المحتوى المصطنع والحقيقي، ما يتطلب منا السعي لتحويل هذه المناعة إلى منهج مستدام يرتكز على تمكين الطاقات الحقيقية وضخ محتوى يجمع بين السمت العام وأعراف المجتمع، ومتزامنًا مع الاستثمار الفكري في وعي الجمهور والفاعلين الرقميين معاً. مؤكدًا أن الغاية ليست دفع الشباب للنفور من الفضاء الرقمي بل تأهيلهم ليدخلوه بعقلية واعية.
