No Image
عمان اليوم

مظاهر العيد.. صمام أمان اجتماعي ومختبرات حية لترسيخ قيم الهُوية العُمانية

21 مارس 2026
21 مارس 2026

كتب ـ يوسف بن سالم الحبسي 

لا تمثل مظاهر العيد في سلطنة عُمان مجرد فلكلور بصري عابر، بل هي في جوهرها صمام أمان اجتماعي ومختبرات حقيقية لصناعة القيم؛ ففيها يتعلم الصغير والكبير معاني الصبر والمنافسة والعمل الجماعي، كما أن العادات والتقاليد المتجذرة من جيل إلى جيل ليس مجرد ترفيه، بل هي عملية تثبيت ثقافي تحمي المجتمع من الذوبان وتؤصل الشعور بالانتماء، ومن قرى وادي بني جابر في ولاية صور التي تضج بالفنون واللقاءات البينية، إلى ولاية الرستاق التي تترجم هُويتها عبر العزوة، وهي رسالة صمود ثقافية، إلى ولاية دماء والطائيين، حيث الفنون التقليدية الأصيلة، فالعيد في مفهومنا هو البيئة الآمنة التي تسمح للطفل بأن يمارس لعبته الشعبية دون خوف، وهو تجسيد حي لمنظومة أخلاقية تُورّث بالفعل قبل القول، وتؤكد أن المجتمع العُماني يظل وفياً لجذوره مهما تسارعت خطى الحداثة.

صمام أمان اجتماعي

قال سلطان بن ثاني الحسني، من ولاية دماء والطائيين: إن مهرجانات العيود وتفاصيل الألعاب التقليدية ليست مجرد فلكلور بصري في ولاية دماء والطائيين والمحافظات الأخرى، بل هي صمام أمان اجتماعي، ومن المنظور الثقافي الألعاب الشعبية هي مختبرات للقيم؛ ففيها يتعلم الفرد الصبر، والمنافسة الشريفة، والعمل الجماعي، وحينما تنتقل هذه الألعاب من جيل إلى جيل، فإننا نقوم بعملية تثبيت ثقافي تحمي المجتمع من الذوبان أو الشعور بالاغتراب.

وأضاف: أما فيما يتعلق بالعيد في ظروف الحرب والأمن هنا تبرز إشكالية أخلاقية ونفسية لدى الكثيرين.. كيف نفرح والأزمات تحيط بنا؟ إذ أن إقامة العيد في ظروف الحرب لدى الآخرين مع استشعار نعمة الأمن لدينا هو أقصى درجات الوعي الجمعي، ونحن لا نحتفل لننسى مآسي الحروب، بل نحتفل لنؤكد على نموذج الاستقرار الذي يجب أن يسود، فممارسة التقاليد في هذه الأوقات هي نوع من المقاومة الثقافية؛ فالاحتفال المنضبط هو رسالة بأن المجتمع متماسك، آمن، وقادر على تصدير البهجة رغم القلق الإقليمي.

وبين أن الفرق بين العيد في الحرب، والعيد في السلم هو إدراكنا بأن الأمن ليس مجرد غياب للرصاص، بل هو وجود بيئة تسمح للطفل بأن يلعب لعبته الشعبية في السكة دون خوف، وهذا ما نعززه اليوم عبر هذه المهرجانات.

نسيج اجتماعي

قال المهندس ماجد بن عبدالله الصلتي، من وادي بني جابر بولاية صور: تمتاز أجواء عيد الفطر المبارك في قرى وادي بني جابر بميزة جميلة تجمع بين البعدين الديني والاجتماعي، فهي شعائر وشعور في ذات الوقت، فالشعائر تتمثل في أداء صلاة العيد، أما الشعور فيتمثل في فعاليات العيد والعادات المتوارثة المعززة لأواصر القربى التي تقوي نسيج الاجتماعي ويحرص عليها الأهالي جيلا بعد جيل، إذ يستهل العيد في يومه الأول في كل قرية من قرى وادي بني جابر بأداء شعيرة الصلاة، يتبعها السلام وتبادل التهاني والمباركات بين الأهالي في كل قرية، فتكون الزيارات والتجمعات وشيء من الفنون الشعبية سمة اليوم الأول من أيام العيد بين الأهالي، أما في اليوم الثاني تكون الزيارات على نطاق أكبر بين القرى تأكيدا على النسيج المترابط بين سكان تلك القرى، وإقامة فن الرزحة التي تبرز ابتهاجهم بالعيد السعيد، وتكون في الوقت ذاته ترحيبا من أهالي القرية بزيارة أهالي القرى الأخرى ومشاركة لهم أفراح العيد، وتتخلل هذا اليوم ريحة الشواء المعهودة والمشاكيك التي تكتمل بها الفعاليات الأساسية للعيد، بينما في اليوم الثالث تكون العادة لرد الزيارات بين القرى، فالقرى التي تمت زيارتها في اليوم الثاني من أيام العيد ترد الزيارة في اليوم الثالث وتستمر أحيانا لليوم الرابع تأكيدا على عادة تبادل الزيارات بين تلك القرى التي يحرص عليها الأهالي ويتوارثها جيل بعد جيل.

ذاكرة الأرض والمكان

قال علي بن هلال المقبالي، من ولاية الرستاق: بوصفي أحد أبناء ولاية الرستاق، أستطيع أن أؤكد أن عيد الفطر المبارك في أغلب قراها ومناطقها يُعدّ منظومةً اجتماعيةً سنويةً متكاملة، تتقاطع فيها القيم، وتتجلّى فيها هُوية المكان بأدقّ تفاصيلها، فبرغم مظاهر التمدّن وتسارع العوالم الافتراضية وظهور المخططات الحديثة وانتقال السكان إليها، تظلّ مظاهر العيد في الرستاق نصًا حيًّا يُكتب كل عام بمداد الناس ذاتهم، وتحتفظ به ذاكرة الأرض والمكان أبًا عن جد.

وأوضح أن المشهد الأول للعيد يتشكل قبل أن يعلن نفسه؛ فمع الليالي الأخيرة من رمضان، تتسارع وتيرة الاستعداد في القرى والبلدات والحِلَل، حيث تُنظَّف البيوت، وتُجهَّز المجالس وتبخر، وتُهيَّأ مستلزمات الضيافة، وتعجّ الأسواق بمرتاديها، وفي فجر يوم العيد، تتجلّى صورة مهيبة للاجتماع الأسري، إذ تحرص كثير من العائلات على الالتقاء قبل التوجّه إلى المصليات، في طقس يعكس عمق البنية الأسرية وتماسكها، حيث التحية والسلام وتبادل التهاني في مشهد يفيض ألفةً ومحبة، وعقب الصلاة، التي تشهد حضورًا كثيفًا يعكس الوعي الديني والاجتماعي، تبدأ حركة الزيارات المنظمة، حيث تُعرف مسارات التهاني ضمن سياق اجتماعي غير مكتوب لكنه راسخ في الوجدان؛ فيُزار الكبير أولًا، وتُحفظ مراتب القربى، وتُراعى قيم التوقير والاحترام وتتزيّن هذه الزيارات بما يُقدَّم من وجباتٍ وحلوى، فيما تزداد فرحة الأطفال بالعطايا المالية التي تُقدَّم أحيانًا في أكياسٍ تمزج بين الطابع الحديث وروح الموروث.

وأكد أن البُعد الاجتماعي في مائدة الرستاق يبرز بوصفه أحد أهم تجليات الهُوية؛ إذ تُقدَّم أطباق تقليدية متوارثة مثل "العرسية" و"القبولي" و"الهريس"، وتُرافقها الحلوى والقهوة العُمانية بوصفها عنوانًا أصيلًا للترحيب في هذه المناسبة. وأما الذبائح، فالجميع يحرص على تواجدها أكانت لحوما تشترى أو أغناما أو أبقارا تذبح يشارك فيها كفرد أو مجموعة وهي ممارسة اجتماعية ذات أبعاد تكافلية، تتشابه في روحها كقيم الأضحية في عيد الأضحى، فعيد الفطر لا يقل أهمية عنه كعادة أهل الرستاق؛ إذ تُذبح في كثير من الأحيان بنيّة المشاركة أيضاً، ويُوزَّع جزء منها بعد التجهيز على الأقارب والجيران، سواء على هيئة "مشاكيك" أو "شواء" أو "تقلية" بل وحتى على المحتاجين، في صورة تُجسّد منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع الرستاقي خصوصا مناطق الداخل، حيث يتقدّم "نحن" على "أنا".

وأضاف: وفيما يخصّ الفنون والمظاهر الشعبية، يبرز مسمى "المَخرج" في صبيحة يوم العيد كأحد أهم المشاهد التي تختزل روح مناسبة العيد خصوصا بين الأطفال، حيث تتقاطر الجموع، جموع الأطفال بملابسهم الجديدة، في مسيراتٍ متجهة إلى "العزوة"، وهناك يفترش الباعة الرستاقيون بضائعهم من الحلويات والألعاب ومختلف احتياجات الأطفال، إلى جانب الوجبات العُمانية والمشروبات، في مشهدٍ يختصر أهمية العيد، ولا يقتصر العيد في الرستاق على يومه الأول، بل يمتدّ لعدة أيام تتصاعد فيها وتيرة الفعاليات؛ ففي اليومين الثاني والثالث، تتجلّى المظاهر بمسمى "العزوة" بوصفها تجمعًا اجتماعيًا ذا دلالة عميقة، حيث تلتقي العائلات والقبائل في مشاهد تعكس التلاحم، ويُستعاد فيها الحضور الجمعي بكل رمزيته، وفي بعض القرى، يمتد هذا الزخم حتى اليوم الرابع، ما يمنح العيد بُعدًا تراكميًا يعزّز قيم الاستمرارية والتواصل.. مضيفاً: وفي هذه الفضاءات والساحات التي تقام فيها العزوة، تتردّد الأهازيج، وتُؤدّى فنونٌ تقليدية كالرزحة والعازي، في حضورٍ لافت للكلمة والإيقاع والصفّ الجماعي، وهذه الفنون لا تُمارس بوصفها عروضًا ترفيهية فحسب، بل بوصفها حوامل ثقافية تعبّر عن التاريخ والبطولة والانتماء للرستاق، وتُعيد إنتاج الوعي الجمعي بصورة حيّة ومتجددة.

وقال: إن مظاهر العيود الممتدة بين مسمى "المخرج" في اليوم الأول و"العزوة" في الأيام التالية تمثل نموذجًا فريدًا للمهرجانات المجتمعية التي تميّز سلطنة عُمان عمومًا؛ حيث تتحوّل الساحات إلى فضاءات مفتوحة للفرح المشترك، تُقام فيها الألعاب الشعبية، وتُنظَّم مسابقات للأطفال والشباب، وتُستعاد مشاهد من الحياة التقليدية في كل مناطق الرستاق كل وقوة تسويقه، ما يجعلها منصّة للتعليم غير المباشر ونقل التراث عبر التجربة، وينعكس كل ذلك في منظومة القيم التي تتجلّى تفاصيلها في سلوك المجتمع الرستاقي؛ فما يلفت النظر في الرستاق وغيرها من الولايات أن القيم ليست شعارات، بل ممارسات يومية خلال أيام العيد من صلة الرحم، إلى إكرام الضيف، إلى مراعاة الجار، وحتى في تفاصيل بسيطة كحرص الأطفال على زيارة كبار السن وتقبيل رؤوسهم، إنها منظومة أخلاقية متكاملة تُورَّث بالفعل قبل القول، وتحافظ على توازن المجتمع رغم تغيّر الأزمنة.. مشيراً إلى أن العيد في الرستاق ليس مجرد احتفال ديني سنوي معتد، بل هو بنية ثقافية واجتماعية متماسكة، تُعيد تعريف فرح أيام العيد بوصفه فعلًا جماعيًا متآلفًا، في تأكيدٍ على أن المجتمع، رغم انفتاحه على الحداثة، لا يزال وفيًّا لجذوره، وإنه عيد يُقرأ في وجوه الناس أولاً، ويُسمع في أهازيجهم، ويُلمس في تفاصيل حياتهم؛ ليبقى شاهدًا حيًّا وبالتالي الرستاق لا تحتفل بالعيد فحسب، بل تُعيد صياغته كل عام بروحها الخاصة.