مركز عُمان المالي العالمي .. نقلة نوعية في بنية الاقتصاد الوطني وجاذبية الاستثمار
- سلطان الحبسي : بيئة ممكنة بامتيازات متعددة لإدارة الاستثمارات وتأسيس الشركات
د. خالد العامري: تحول جوهري في فلسفة جذب الاستثمارات الأجنبية
ـ عبدالله العبري: توجيه السلوك الاقتصادي نحو قرارات استثمارية أكثر جرأة
ـ عبدالله الشيذاني: رفع ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية العالمية
يأتي إنشاء "مركز عُمان المالي العالمي" الذي أقرّه مجلس الوزراء في اجتماعه اليوم، كخطوة استراتيجية مدروسة وممنهجة مبنيّة على دراسة تجارب عالمية وإقليمية، ويهدف إنشاء المركز إلى إيجاد بيئة جاذبة للاستثمارات والبنوك التجارية والمؤسسات المالية العالمية المتخصصة في الخدمات المصرفية التجارية والإسلامية والخدمات المالية والتأمينية وغيرها من الأنشطة المساندة، ونقل المعرفة وتوفير المزيد من الوظائف النوعية في القطاعات المالية.
التوزيع الاقتصادي
وقال معالي سلطان بن سالم الحبسي وزير المالية ورئيس اللجنة الإشرافية لمرحلة تأسيس المركز: إن إنشاء المركز سيسهم في تعزيز دور القطاع المالي لتحقيق مستهدفات التنويع الاقتصادي بالتكامل مع جهود تطوير القطاع المالي والاستثماري والتوجهات المستقبلية التي تتطلع إليها سلطنة عُمان.
وأضاف معاليه: أن المركز سيعمل كبيئة ممكّنة بامتيازات متعددة لإدارة الاستثمارات وتأسيس الشركات وإقامة الشراكات التجارية المبنيّة على تسهيل حركة رؤوس الأموال والخدمات المالية ودعم الابتكار المالي.
وأوضح معاليه أنه سيتم من خلال هذا المركز الاستفادة من المقومات التي تتمتع بها سلطنة عُمان من حيث الاستقرار السياسي والجاذبية الاستثمارية والشراكات الاقتصادية مع مختلف دول العالم.
التنويع الاقتصادي
وأشاد الدكتور الدكتور خالد بن سعيد العامري، رئيس مجلس إدارة الجمعية الاقتصادية العُمانية، بإقرار مجلس الوزراء لإنشاء "مركز عُمان المالي العالمي" .. مضيفًا: أن هذه الخطوة تمثل فصلًا جديدًا في مسيرة التنويع الاقتصادي التي تقودها رؤية "عُمان 2040".
وقال: إن إنشاء مركز مالي يتمتع باستقلالية تشريعية وإدارية وتنظيمية ليس مجرد إضافة مؤسسية، بل هو تحول جوهري في فلسفة جذب الاستثمارات الأجنبية، إذ إن اعتماد نظام مالي وقضائي وتشريعي جديد ومستقل سيعمل على بناء جسور الثقة مع المستثمر العالمي، ويوفر بيئة عمل مرنة تحاكي أفضل الممارسات المعمول بها في المراكز المالية الكبرى عالميًا.
وأشار إلى أن المركز سيسهم في تحقيق عدة أهداف استراتيجية، منها تعزيز التدفقات النقدية من خلال استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية والمؤسسات المالية الدولية لفتح مقار لها في سلطنة عُمان، وكذلك توطين الابتكار المالي عبر خلق بيئة خصبة لتقنيات المال والخدمات المالية المتقدمة، إضافة إلى توفير فرص وظيفية تخصصية عالية المستوى للشباب العُماني في قطاعات التحليل المالي، والقانون الدولي، والإدارة المالية، مع وجود نظام قضائي متخصص يضمن السرعة والعدالة في فض النزاعات التجارية وفق معايير دولية.
وأكد أن توقيت هذا القرار يعكس الجاهزية العالية للاقتصاد العُماني والمكانة المرموقة التي وصلت إليها سلطنة عمان في مؤشرات الاستقرار المالي .. مشيرًا إلى أن الجمعية الاقتصادية العُمانية ستواكب هذا التطور من خلال تقديم الدراسات والتحليلات التي تدعم نجاح هذا المركز ليكون بوابة عُمان نحو مستقبل مالي مستدام.
البعد السلوكي
وقال عبدالله بن محمد العبري، خبير اقتصادي، عضو الجمعية الاقتصادية العمانية: يمثّل إقرار إنشاء مركز عُمان المالي العالمي تحولًا نوعيًا لا يقتصر على البنية التشريعية والتنظيمية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل سلوك الفاعلين الاقتصاديين، وبخاصة المستثمرين والمؤسسات المالية، وهو ما يمكن تحليله بعمق من منظور الاقتصاد السلوكي، ومن هذا المنظور، تُعد الاستقلالية التشريعية والإدارية والتنظيمية للمركز أداة فعّالة لتقليل ما يُعرف بـ "الاحتكاك السلوكي" في اتخاذ القرار (Decision Frictions) إذ إن تعقّد الإجراءات وتعدد الجهات وتباين التفسيرات القانونية تمثل عوائق نفسية قبل أن تكون عوائق مؤسسية، وتقليص هذه العوائق يخفف العبء الإدراكي الواقع على المستثمر، ويزيد من احتمالية اتخاذ قرار الدخول إلى السوق، حتى في الحالات التي لا تكون فيها المزايا المالية المباشرة هي الأعلى مقارنةً بالأسواق المنافسة، كما يسهم وجود نظام مالي وقضائي وتشريعي مستقل ومتوافق مع المعايير العالمية في تعزيز اليقين القانوني، وهو عامل حاسم في مواجهة أحد أقوى الانحيازات السلوكية، وهو تحيز النفور من الخسارة (Loss Aversion) فالمستثمرون، وفق الأدبيات السلوكية، يولون أهمية أكبر لتجنب الخسائر غير المتوقعة مقارنةً بالسعي لتحقيق أرباح أعلى ولكن غير مستقرة، وعليه، فإن وضوح القواعد وسهولة التنبؤ بنتائج النزاعات والالتزامات التعاقدية يشكّلان عنصر جذب جوهري للاستثمار طويل الأجل.
وأضاف: وعلى مستوى أعمق، يعيد المركز صياغة الإطار الذهني (Framing) الذي تُدرَك من خلاله سلطنة عُمان في أذهان المستثمرين الدوليين، فالانتقال من توصيف السوق كبيئة استثمارية تقليدية إلى منصة مالية عالمية يغيّر نقاط المقارنة المرجعية (Reference Points) التي يعتمد عليها صانعو القرار، وينقل التقييم من معايير إقليمية إلى معايير دولية، وهو ما يؤثر مباشرة في تصورات المخاطر والعوائد، كذلك، فإن إنشاء كيان جديد بقواعد حديثة يقلل من تأثير تحيز الوضع القائم (Status Quo Bias) إذ إن الأفراد والمؤسسات يكونون أكثر استعدادًا لتبنّي قواعد جديدة عند الدخول إلى منظومة حديثة، مقارنة بمحاولات تعديل السلوك داخل أنظمة قديمة مترسخة، وهذا العامل السلوكي يسهّل استقطاب مؤسسات مالية عالمية قد تتردد في العمل ضمن أطر تنظيمية تقليدية، لكنها تبدي استعدادًا أعلى للالتزام بقواعد صُمّمت منذ البداية وفق أفضل الممارسات الدولية، وعليه، يمكن القول إن القيمة المضافة لمركز عُمان المالي العالمي لا تكمن فقط في نصوصه القانونية أو هياكله المؤسسية، بل في قدرته على توجيه السلوك الاقتصادي نحو قرارات استثمارية أكثر جرأة، وأسرع تنفيذًا، وأطول أمدًا، عبر بيئة تقلل الخوف، وتعزز الثقة، وتجعل قرار المشاركة هو الخيار الأسهل نفسيًا وعقليًا.
استقطاب المؤسسات المالية
وقال الباحث والمحلل الاقتصادي، راشد بن عبدالله الشيذاني: إن إنشاء المركز المالي العالمي يعد خطوة مهمة تعزز ثقة المستثمرين، وستسهم في استقطاب المؤسسات المالية، وتنافسية الاقتصاد العُماني، وتدعم برامج ومبادرات التنويع الاقتصادي من خلال دعم بيئة الأعمال .. مشيرًا إلى أن المركز سيسهم في إيجاد بيئة استثمارية جاذبة ومستقرة، بوجود نظام مالي وقضائي مستقل لمركز عُمان المالي العالمي، وبالتالي سيزيد من ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية العالمية.
وأكد الشيذاني أن مركز عُمان المالي العالمي يتميز بالاستقلال التشريعي والقضائي، ما يوفر بيئة استثمارية آمنة ومستقرة، بالإضافة إلى موقع عمان الجغرافي الاستراتيجي .. كما أن الاستقلال التشريعي والقضائي لمركز عُمان المالي العالمي سيزيد من ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية العالمية، ما يجعل عُمان مركزا ماليا إقليميا.
وأضاف الشيذاني: إن ضمان إيجاد توازن بين المرونة الاستثمارية وحماية الاقتصاد الوطني سيتم من خلال تطبيق المعايير الدولية والرقابة الفعالة التي سينتهجها مركز عُمان المالي العالمي.
