غسل الأموال.. من معاملات بسيطة إلى جريمة يعاقب عليها القانون
لا يقتصر غسل الأموال على عالم المخدرات أو صفقات الفساد الكبرى كما يعتقد الكثيرون، فبحسب محمد إسلام حسين قانوني واختصاصي مكافحة غسل الأموال، فإن هذا التصور الشائع لا يعكس حقيقة الجريمة ولا نطاقها الواسع، مبينا بأنها جريمة مستقلة، تتحقق متى ما تم إجراء معاملة ترتبط بعائدات نشاط إجرامي، مهما كان حجم هذا العائد، طالما توفرت أركان الجريمة. مشيرا إلى أن الخطورة تكمن في أن البعض قد ينخرط في سلوك إجرامي دون إدراك، مثل استلام مبلغ نقدي من شخص غريب وتحويله إلى طرف آخر من دون معرفة المصدر أو الغرض الحقيقي من المعاملة.
وحول الصورة المتداولة عن الجريمة، يرى حسين أن الحديث المتزايد عن غسل الأموال لا يمثل تضخيمًا، بل هو جزء من واجب التوعية المجتمعية، فالكثير من المتورطين يقعون في المخالفة بحسن نية أو نتيجة جهل بالمؤشرات التحذيرية.
وأوضح أن قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في سلطنة عُمان ينص على عقوبات قد تصل إلى السجن من خمس إلى عشر سنوات، وغرامة لا تقل عن خمسين ألف ريال عُماني، إذا ثبت علم الشخص بالجريمة. بينما قد تتراوح العقوبة بين ستة أشهر وثلاث سنوات وغرامة لا تقل عن عشرة آلاف ريال إذا كان على الشخص المشتبه فيه "أن يشتبه" أو كان من المفترض أن يعلم بطبيعة المعاملة كما ورد في المادة (6) من المرسوم السلطاني رقم 30/2016.
وأكد أن تجاهل مؤشرات الاشتباه يجعل الشخص مسؤولًا حتى في حال عدم معرفته بأن الأموال عائدات جريمة، ولو كان بدافع حسن نية.
وبيّن حسين أن أساليب غسل الأموال تتطور باستمرار، لكن بعض صورها اليومية قد تبدو بسيطة وخادعة، مثل أن يطلب شخص من آخر عند جهاز الصراف أو الإيداع استلام مبلغ وتحويله لأحد أفراد أسرته، سواء بمقابل مادي أو بدونه. مؤكداً أن "أي معاملة مالية مع شخص مجهول أو أموال مجهولة المصدر أو الغرض من المعاملة قد توقع المتعامل في شبهة جنائية".
وفيما يتعلق بالعملات المشفرة، أشار إلى أنها تُستخدم أحيانًا لما توفره من سرية للبيانات والمعلومات وتعقيد في تتبع العمليات مقارنة بالتحويلات التقليدية، ومع ذلك فإن الأدوات التقليدية تحتفظ بحضور قوي ومؤثر في المشهد العالمي وتشكل جزءًا أساسيًا من أنماط غسل الأموال المتداولة.
وأوضح أن الشركات الوهمية تمثل أداة كلاسيكية لإخفاء المصدر الحقيقي للأموال، من خلال اصطناع مستندات وعقود وأرباح وخسائر وهمية، لتظهر على أنها قانونية، بينما النشاط الاقتصادي في حقيقته غير موجود، أو يتم التلاعب في علاقات العمل وإصدار فواتير ومصروفات وهمية.
وأشار إلى أن المنصات الرقمية غير المرخصة تمثل خطراً أكبر نسبيًا من البنوك التقليدية لضعف الرقابة أحيانًا، بينما تخضع البنوك لأنظمة رقابية صارمة. كما يمكن أن تُستغل الألعاب الإلكترونية في بعض الدول لممارسة غسيل الأموال عبر بيع الرصيد والمعرفات الشخصية داخل الألعاب.
وحذر حسين من أن غسل الأموال قد يخلق وهماً بازدهار اقتصادي قائم على معاملات صورية لا تضيف قيمة حقيقية، ما ينعكس سلبًا على استقرار الاقتصاد الوطني ويشوّه مؤشرات النمو والاستثمار.
وأكد أن العقوبات الحالية رادعة، وأن القانون لا يشترط العلم اليقيني بمصدر الأموال، بل يُعتبر تجاهل مؤشرات الاشتباه كافياً لتكوين المسؤولية الجنائية، خصوصًا بالنسبة للجهات والأشخاص الخاضعين لرقابة خاصة، مثل المؤسسات المالية والشركات العقارية وتجار المعادن الثمينة.
ووصف حسين الذكاء الاصطناعي بأنه سلاح ذو حدين، إذ يمكن توظيفه لتطوير أساليب إجرامية أكثر تعقيدًا، وفي المقابل يمكن استخدامه لتعزيز أنظمة الرصد والتحليل وكشف الأنماط المشبوهة بسرعة ودقة أكبر، مؤكدا أن مكافحة غسل الأموال ليست معركة قصيرة الأمد، بل سباق دائم مع الجريمة المنظمة التي تسعى باستمرار إلى ابتكار وسائل جديدة للتحايل على الجهات المختصة، والتي يمكن القضاء عليها إلى حد كبير عبر تشريعات فعّالة، ورقابة يقظة، ووعي مجتمعي مسؤول.
