ضلكوت بعد «المسرّات».. طبيعة آسرة وإقبال سياحي متصاعد
تشهد ولاية ضلكوت بمحافظة ظفار خلال هذه الفترة مشهدًا استثنائيًا يعكس سحر الطبيعة وروعتها حين تجتمع مع شغف الإنسان باكتشاف الجمال، في لوحة طبيعية متكاملة الأركان.
فقد توافدت أعداد كبيرة من الزوار من مختلف ولايات المحافظة، مدفوعة برغبة في الاستمتاع بالمناظر الخلابة التي رسمتها الطبيعة، حيث شكّل المنخفض الجوي «المسرّات» لوحة فنية اكتست فيها الجبال والسهول بحلة خضراء زاهية، وافترشت الأرض بساطًا من العشب اليانع، في مشهد يأسر القلوب ويمنح الزائر شعورًا عميقًا بالسكينة والانبهار.
ومع دخولك إلى الولاية، يتجلى حجم الإقبال الكبير الذي تشهده المنطقة، حيث اصطفت المركبات على امتداد الطريق المؤدي إليها، في صورة تعكس الشغف المتزايد بهذه الوجهة الطبيعية وما تزخر به من مقومات سياحية واعدة، جعلتها مقصدًا متجددًا للزوار خلال هذه الفترة.
ومن بين أبرز المواقع التي استقطبت الزوار، برزت منطقة خضرفي التي ترتفع عن سطح البحر (١٠٥٠) مترًا، كواحدة من أهم الوجهات، لما تتمتع به من إطلالات بانورامية خلابة على الأودية والتكوينات الجبلية، إلى جانب أجوائها المعتدلة ونسماتها العليلة التي تعزز تجربة الزائر وتمنحه تجربة سياحية فريدة تجمع بين الجمال الطبيعي والهدوء.
وأوضح محسن بن عيسى المجيبي، عضو المجلس البلدي بولاية ضلكوت، أن ما تشهده الولاية من إقبال سياحي «يعكس ما تزخر به من مقومات طبيعية، إلى جانب ما تحقق من مشاريع تنموية أسهمت في تهيئة البيئة المناسبة لاستقبال الزوار»، مشيرًا إلى أن هذا الحراك السياحي لا يقف عند حدود المشاهدة والاستمتاع فحسب، بل يمتد ليشكل رافدًا مهمًا في تنشيط الحراك الاقتصادي المحلي، من خلال دعم الأنشطة التجارية والأسر المنتجة والخدمات المساندة.
وأضاف أن هذا الإقبال السياحي المتزايد يسهم بشكل مباشر في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي؛ إذ تنشط معه قطاعات النقل والخدمات والتسويق والضيافة، إلى جانب استفادة عدد من الفئات المرتبطة بالأنشطة الموسمية، ما يعكس تكامل الأثر السياحي والاقتصادي في آن واحد.
وأشار إلى أن الطريق الساحلي الرابط بين ولايتي ضلكوت ورخيوت يُمثل «إضافة نوعية تعزز الربط الجغرافي وتدعم النشاط السياحي والاقتصادي في المحافظة»، مؤكدًا أن هذا المشروع يجسد جانبًا مهمًا من التكاتف المؤسسي بين الجهات المعنية، بما يخدم أهداف التنمية الشاملة.
وأضاف أن «هذا الطريق الحيوي يحظى باهتمام مستمر لاستكمال بعض الجوانب الفنية التي تعزز من كفاءته، ومن ذلك تحسين بعض المنحنيات، وخفض الارتفاعات، وإزالة الصخور التي قد تؤثر على مستوى الرؤية، بما يسهم في رفع مستويات السلامة المرورية وتحسين انسيابية الحركة».
وأشار إلى أن «استكمال أعمال رصف الطريق (السفلتة) يُعد خطوة مهمة للحفاظ على الغطاء النباتي، في ظل الطبيعة الساحلية الرطبة وتأثير الأتربة المتطايرة من الطرق الترابية، والتي قد تتسبب في تراكمها على النباتات والأشجار، بما يؤثر على نموها واستدامتها»، مؤكداً أن هذه الجوانب تحظى باهتمام الجهات المختصة، وفي مقدمتها هيئة البيئة، بما يحقق التوازن بين متطلبات التنمية والحفاظ على الموارد الطبيعية وصون الموروث البيئي الفريد للمنطقة.
ومن جانب آخر، اتجه عدد من الزوار إلى التخييم في المواقع الطبيعية، في تجربة تعكس عمق الارتباط بين الإنسان والبيئة، وتؤكد تنامي الوعي بأهمية السياحة المستدامة. ومع حلول المساء، تحولت خضرفي إلى لوحة مضيئة، حيث أضاءت الأنوار أرجاء المكان، مانحة إياه طابعًا احتفاليًا مميزًا يضفي على التجربة مزيدًا من الجاذبية والحيوية.
وفي مشهد آخر لافت، انتشرت صناديق خلايا النحل في مختلف المناطق، في مؤشر على تفاؤل النحالين بموسم وفير من العسل، نتيجة ازدهار الغطاء النباتي وتنوعه، بما يبشر بمردود اقتصادي إيجابي يعزز من فرص الاستثمار في هذا القطاع.
وقال أحد ملاك الإبل، سيف بن مسلم مسلم هبيس: إن اخضرار الأشجار، وخاصة شجرة “السقوت”، ساهم بشكل كبير في توفر المراعي الطبيعية، مما خفف الأعباء المالية على مربي الإبل، حيث انخفضت تكاليف الأعلاف بنسبة تتجاوز 50%.
وأضاف هبيس بأن الأمطار التي تهطل في شهر أبريل وتسبق موسم الخريف، تعرف لدى الأهالي بموسم "اغليل"، وهو أفضل من موسم الخريف، حيث تكون الأشجار والعشب في نمو متزايد بكثافة، وتعود الحياة إلى الأشجار التي كانت شبه ميتة، وخاصة شجرة "السقوت" و"الخفات"، وغيرها، في مشهد يعكس دورة الحياة الطبيعية وتجدد البيئة في هذه الفترة من العام.
وفي جانب الخدمات، برزت جهود بلدية ضلكوت في إدارة هذا الإقبال، حيث أوضح محمد بن سهيل شماس أن الجهات المعنية كثّفت أعمال النظافة خلال فترة الذروة، إلى جانب توزيع أكياس مخصصة لجمع المخلفات على الزوار، مشيرًا إلى وجود خطط لتعزيز الخدمات من خلال توفير دورات مياه متنقلة في المواقع التي تشهد كثافة، بما يسهم في تحسين تجربة الزوار ورفع جودة الخدمات المقدمة.
وأشاد شماس بالدور الإيجابي للزوار في الحفاظ على نظافة المواقع الطبيعية، من خلال التزامهم بجمع المخلفات ووضعها في الأماكن المخصصة، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا من الوعي والمسؤولية المجتمعية، ويعزز استدامة هذه المواقع للأجيال القادمة، ويجسد صورة حضارية تعكس وعي المجتمع بأهمية الحفاظ على البيئة.
