خميس بن منصور الخروصي
خميس بن منصور الخروصي
عمان اليوم

خميس بن منصور الخروصي: لا أستطيع الذهاب إلى أي مكان دون أن أرتدي الخنجر العمانية

05 مايو 2021
05 مايو 2021

الوالد خميس بن منصور بن محمد الخروصي أحد كبار السن بولاية العوابي بمحافظة جنوب الباطنة زرته في منزله بمخطط المحدوث فكان لسانه يلهج بالترحاب ووجهه يتهلل إشراقًا وفرحًا، وهذه عادته عندما يزوره أي شخص.

ورغم أنه يقدر عمره بـ98 سنة إلا أن حالته الصحية جيدة على رجل في مثله عمره المقدر. ولا يعاني الوالد خميس إلا من ضعف في النظر وآلام في رجليه تجعله لا يقوى كثيرا على الحركة إلا باستخدام العكاز ولمسافات قصيرة وفي محيط المنزل فقط.

يقول الوالد خميس الخروصي: سافرت إلى البحرين أكثر من خمسة عشر عاما وكانت الحرب العالمية الثانية قد اندلعت وتأثر بها العالم أجمع.

ويضيف: ولدت في قرية الظاهر فكان والدي وأسرتي يقيمان هناك وتعلمّت القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة على يد المعلمين خولة الهاشمية وسالم بن غريب السيابي، وعلي بن ناصر الخروصي وهو رجل أعمى أصله من قرية الهجار بوادي بني خروص وانتقل إلى قرية الظاهر وتعلمت معهم حتى ختمت القرآن الكريم وكان معي مجموعة من الأولاد نحو عشرين طالبا.

ويضيف الوالد خميس: كنا نتعلم في مكان اسمه بستان الحوض تحت أشجار الليمون فلم تكن المدارس المبنية بالمواد الثابتة موجودة، وطريقة التدريس أن يجلس المعلم في وسط المدرسة وعندما يصل الطلاب يقوم كل واحد يدرس ما تعلمه ويقصد يدرس «أي يراجع ويستذكر ما تعلمّه من قبل» وعند انتهائهم من المراجعة يبدأ يستمع إليهم واحدًا واحدًا إلى الآخر حتى ينتهي منهم جميعا، وهكذا تستمر الدراسة حتى يختموا القرآن، ومن يختمه يقوم ولي أمره بدفع أجرة تعليم ابنه للمعلم ثم يدعوه والجيران إلى وليمة، فيذبح ما تيسر خلالها من الضأن أو الأغنام تعبيرّا عن الفرحة بانتهاء ختم ابنه للقرآن الكريم، وكانت وسائل التعليم بدائية فالكتابة كانت على اللوح وبالرخام لعدم وجود الأوراق والأقلام «الرخام واللوح تجلب من الصخور التي في الأودية والجبال».

يواصل الوالد خميس الخروصي حديثه فيقول: بعد أن انتهيت من تعلم القرآن الكريم أرسلني والدي لأتعلم مع الإمام محمد بن عبدالله الخليلي في نزوى وتعلمّت هناك تلقين الصبيان وملحة الأعراب وقرأت في جوهر النظام والحمد لله أحفظ أجزاء من القرآن الكريم ومواظب على قراءته رغم ضعف بصري كما أقرأ العديد من الكتب مثل تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان وكتب أخرى ففي ذلك أقضي وقتي ولدي في المنزل مكتبة بسيطة احتفظ فيها بالكتب التي أرغب في قراءتها.

وعن مسيرة حياته منذ شبابه وحتى الآن يقول: تنقلت في السكن في أكثر من موقع فمولدي كان كما أشرت في قرية الظاهر وبعد أن تزوجت انتقلت لولاية نخل وأقمت في محلة الغريض أكثر من ست سنوات وعندما تولي السلطان قابوس -طيب الله ثراه- الحكم رجعت للعوابي وسكنت في محلة الجامع ثم محلة الغرب والآن استقر بي المقام في المحدوث بعد أن قام أولادي ببناء هذا المنزل ولله الحمد أعيش في راحة واستقرار ولا ينقصني شيء.

يعود الوالد خميس بذاكرته فيقول: سافرت إلى المملكة العربية السعودية ودوله الكويت ودولة قطر لطلب العمل كما سافرت إلى العراق لزيارة أصحاب لي هناك وكان عملي في تلك الدول مراقبًا للعمال أو حارسًا وفي البحرين كنت التقي بسمو الشيخ عيسى بن سلمان -رحمه الله- حينما كان أميرًا للبحرين، كما التقيت بوالده سمو الشيخ سلمان وتصل سنوات سفري إلى ثلاثين عامًا لكنها كانت غير متصلة حيث أسافر وأجلس أربع أو خمس سنوات ثم أعود للوطن لفترة وجيزة أعاود بعدها السفر وهكذا.

وعندما رجعت لأرض الوطن التحقت بالعمل في بلدية العوابي مشرفا على العمال وبعد تقاعدي طلب مني أحد الأصدقاء العمل إمامًا للمصلين بأحد المساجد في المعبيلة فقمت بالمهمة ولله الحمد حتى كبر سني فاعتذرت عن مواصلة العمل، والحمد لله البركة في أولادي يقومون على رعايتي أيّما قيام وأنا راضٍ عنهم وسعيد بأني ما زلت أتمتّع بالحياة بينهم وأنا بكامل قواي الحسيّة والعقلية فهذا فضل ونعمة من الله سبحانه وتعالى يتوجب عليّ مقابلتها بالشكر والثناء لله سبحانه وتعالى.

وحدثني الوالد خميس عن هواياته فيقول: هوايتي حمل السلاح واقتناء البنادق ومنها «الصمع بومركبين» والكند والخميسي وحريص على المحافظة عليها فأقوم بتنظيفها وإصلاحها بنفسي كما حرصت على تعليم أبنائي.

ويقول: إن السلاح مهم بالنسبة لي وكذلك الخنجر العماني وكنت وما زلت رغم ضعف حالتي الجسمية لكن عندما أذهب لأي مكان سواء على مستوى الولاية أو خارجها في زيارتي لأقاربي أو معارفي فلن أجد المتعة والراحة إلا إذا كنت مرتديّا للخنجر، وأنصح أولادي بأن لا يتخّلوا عن هذه العادة فالزي العماني تراث خالد وإرث ماجد لا يمكن أن نتخلى عنه ولبس الخنجر خاصة تعد من العادات الأساسية في السلطنة منذ القدم وهو اللباس التقليدي المعروف ويجب أن لا نتجاهل ذلك ونحرص على تعويده أولادنا.

ومرة أذكر أني اشتريت خنجرا بألف ريال عماني وبعتها بنفس القيمة ممّا يدلّ على أنها تحافظ على قيمتها خاصة إن كانت خنجرا ذات قرن زراف، وعن البنادق وأهميتها يقول: هي مهمة جدًا للرجال وكنا نقوم بممارسة الرماية بها والتدريب المكثف عليها مع من لهم خبرة كافية في هذا المجال وكنا نقوم بنصب الشبح «والشبح يقصد به أهداف للرمي» وكان في الماضي يوجد أشخاص اشتهروا بالتصويب الدقيق عند استخدامهم للبندقية وقد شاهدت بأم عيني أحد الرماة يصوب البندقية على طائر في الهواء ويصيبه، وهذا يدل على الدقة المتناهية والمهارة الكبيرة وسرعة التصويب فالطائر متحرك وهو في الجو ومع ذلك يستطيع إصابته ومثل هؤلاء الرماة كانوا في الماضي كثر.

يصف الحاجة في الفترة الماضية بأنها بالغه الصعوبة لدرجة أن بعض الأسر لا تجد قوت يومها وانعدم الأرز وصار الاعتماد لأجل بقاء الناس على حياتهم فقط في تناول التمور والمنتجات الزراعية المحلية كالبر والشعير وغيرها وأذكر أن الناس كانت لا تجد ما تلبسه وإن وجدوا فدشداشة واحدة وعندما تتسخ يتم غسلها وتنشيفها ثم يعاود لبسها لعدم وجود البديل وأذكر أنه توفي شخص ولم يجدوا ما يكفنوه به فكفن بجوانٍ وكان العمل غير موجود والناس فقط يعملون في الزراعة عند أصحاب الأموال الخضراء وكانت نخيل المبسلي هي السائدة وتشكل مصدر دخل للأغنياء في بيعه وللفقراء يحصدون منه التمر ليكون هو الغذاء الرئيسي لهم. ويضيف: في الماضي كانت المعيشة صعبة لكن كانت الحياة جميلة بتواصل الناس بعضها مع بعض وحتى الأجواء كانت طبيعية ومريحة والأمطار كانت لا تنقطع لدرجة أنني أذكر أن امرأة توفيت وتم تغسيلها في شرجة الغور «إحدى الشعاب الجبلية بين قريتي طوي السيح والظاهر» ما يعني أن الماء كان مستمر الجريان لدرجة أنه كان صافيًا وخاليًا من كل الشوائب وصالحًا للشرب ولمثل هذه الحالات.

أخيرًا تحدث الوالد خميس عن رمضان ولم يختلف حديثه عما ذكر في اللقاءات السابقة من حيث العادات الرمضانية والوجبات التي تقدم لكن أكد لصعوبة الصيام في ذلك الوقت لعدم وجود وسائل التبريد والتكييف فكان الجميع يتعب ولكنهم يصبرون ليناولوا الأجر والثواب من عند الله سبحانه وتعالى أما اليوم في هذا العهد فالحياة فيها راحة تامة والجميع يعيش الأمن والأمان والاطمئنان والأمور متيسرة وأحوال الناس في يسر وأحوالهم المادية والمعيشية أفضل بكثير.