No Image
عمان اليوم

خريف ظفار.. تناغم مناخي استثنائي يحول المحافظة إلى ملاذ طبيعي ساحر

05 يوليو 2026
05 يوليو 2026

يُعد موسم خريف ظفار في سلطنة عُمان من أبرز الظواهر المناخية الفريدة في المنطقة، حيث تسهم الرياح الموسمية الصيفية القادمة من بحر العرب وخليج عدن في إحداث تحول بيئي وجوي استثنائي بمحافظة ظفار خلال الفترة الممتدة من يونيو إلى سبتمبر من كل عام. وتستقبل المحافظة خلال أشهر الصيف تأثيرات الرياح الموسمية الجنوبية الغربية المحملة بكميات كبيرة من الرطوبة، في الوقت الذي تشهد فيه معظم مناطق شبه الجزيرة العربية أجواءً حارة وجافة. ويؤدي هذا التباين المناخي إلى تشكّل السحب المنخفضة والضباب والرذاذ على السواحل والمرتفعات، واكتساء الجبال والسهول بالغطاء النباتي الأخضر.

وفي حوار خاص لـ"عُمان"، قال أحمد بن سالم غواص، مدير دائرة الأرصاد الجوية بالمديرية العامة للطيران المدني بمحافظة ظفار: إن المناطق الساحلية والمرتفعات المجاورة لها في محافظة ظفار تتأثر بظاهرة الخريف، أو ما يُعرف عالميًا بـ"المونسون"، وهي ظاهرة مناخية فريدة في سلطنة عُمان تمتد تأثيراتها من ولاية ضلكوت غربًا إلى ولاية مرباط شرقًا، وتشمل أجزاء من السواحل والجبال والسهول المجاورة، موضحًا أن هذه الظاهرة لا تنتج عن عامل واحد فقط، بل عن تفاعل معقد بين الرياح الموسمية، والرطوبة البحرية، وانخفاض درجات الحرارة، وصعود المياه الباردة في بحر العرب، إضافة إلى الطبيعة الطوبوغرافية الجبلية لمحافظة ظفار.

Image

وأشار إلى أن المرحلة التمهيدية لنشاط الرياح الموسمية في بحر العرب تبدأ خلال شهر مايو، فيما يبدأ موسم الخريف رسميًا في 21 يونيو ويستمر حتى 21 سبتمبر، وخلال هذه الفترة تمتد تأثيرات الغطاء السحابي على طول الشريط الساحلي لمحافظة ظفار لمسافة تقارب 150 كيلومترًا من ضلكوت غربًا إلى سدح ومرباط شرقًا، وبعمق داخلي قد يصل إلى نحو 80 كيلومترًا باتجاه الجبال والمناطق المجاورة لها.

كما ترتبط نشأة هذه الظاهرة بعدة عوامل مناخية إقليمية واسعة النطاق، من أبرزها ارتفاع درجات الحرارة فوق اليابسة الآسيوية خلال الصيف، ولا سيما فوق شبه القارة الهندية وهضبة التبت وسلسلة جبال الهيمالايا، ما يؤدي إلى تشكّل منخفض جوي حراري واسع النطاق يُعد من المحركات الرئيسة للرياح الموسمية الآسيوية. ونتيجة لذلك، تندفع كتل هوائية رطبة وباردة نسبيًا من نصف الكرة الجنوبي بمحاذاة السواحل الشرقية لقارة أفريقيا، لتعبر خط الاستواء ثم تنحرف باتجاه شمال المحيط الهندي وبحر العرب.

ويعبر جزء من هذه الرياح بين جزيرة سقطرى والقرن الأفريقي، ولا سيما شمال شرق الصومال، متجهًا نحو السواحل الجنوبية الشرقية لشبه الجزيرة العربية، حيث تسهم هذه الرياح في تلطيف الأجواء الساحلية لسلطنة عُمان المطلة على بحر العرب.

وأوضح غواص أن درجات الحرارة تسجل خلال الموسم مستويات معتدلة مقارنة ببقية محافظات سلطنة عُمان، إذ لا تتجاوز غالبًا 30 درجة مئوية في المناطق المتأثرة بالخريف، بينما تنخفض على قمم الجبال إلى حدود العشرينيات، وقد تصل في بعض الفترات إلى نحو 21 درجة مئوية، مقابل نحو 26 درجة مئوية في المناطق الساحلية. ويساعد هذا الانخفاض الحراري على تكثف بخار الماء وتكوّن السحب المنخفضة القريبة من السطح، خاصة على السفوح الجبلية والمناطق الساحلية القريبة من الجبال.

وبيّن أن الرياح تُعد العامل الأبرز في تشكّل موسم الخريف، حيث يمكن تمييز ثلاث طبقات رئيسة تؤثر في طبيعة الموسم. وتتمثل الطبقة الأولى في الرياح السطحية الجنوبية إلى الجنوبية الغربية، وهي رياح باردة ورطبة نسبيًا تمتد غالبًا من سطح الأرض وحتى مستوى يقارب 500 متر. ويتركز دورها في تبريد الأجواء السطحية فوق البحر واليابسة، وتكون قادمة من المنطقة الواقعة بين جزيرة سقطرى والقرن الأفريقي، لتسهم في تلطيف الأجواء الساحلية وتعزيز تشكّل السحب المنخفضة والضباب بالقرب من السطح. أما الطبقة الثانية فتتمثل في الرياح الجنوبية الغربية الرطبة في الطبقات المنخفضة، التي توجد غالبًا بين مستوى 600 متر و1500 متر، وتكون قادمة من جهة خليج عدن وبحر العرب.

وتعمل هذه الرياح على تغذية موسم الخريف بكميات كبيرة من بخار الماء اللازم لعملية تكاثف السحب، خصوصًا عند اصطدامها بالمرتفعات الجبلية في محافظة ظفار.

ويضيف: تتمثل الطبقة الثالثة في الرياح الشمالية العلوية الحارة والجافة، التي توجد غالبًا فوق مستوى 1500 متر، وتعمل كطبقة مستقرة تحد من النمو الرأسي للسحب، مما يساعد على بقاء السحب المنخفضة محصورة في الطبقات القريبة من السطح والمرتفعات الجبلية.

حيث إن ظاهرة الانقلاب الحراري تحدث في هذا المستوى، التي تتشكل غالبًا على ارتفاع يقارب 1500 متر فوق سطح البحر، وتؤدي دورًا مهمًا في حبس الرطوبة بالقرب من السطح ومنع السحب من النمو رأسيًا. وبذلك تبقى السحب على ارتفاعات منخفضة طوال موسم الخريف، مما يفسر انتشار الضباب والرذاذ والسحب الملامسة للجبال، بدلًا من تطورها إلى سحب ركامية عالية، موضحًا أن مصدر الرطوبة خلال موسم الخريف يرتبط بتدفق الرياح الموسمية القادمة من جهة خليج عدن، وهي رياح مشبعة بكميات عالية من بخار الماء. ومع مرور الوقت، تلتقي هذه الكتل الرطبة بالرياح الموسمية الباردة نسبيًا القادمة من المنطقة المقابلة للساحل الشرقي للقرن الأفريقي، مما يؤدي إلى تكثف السحب المنخفضة.

وفيما يتعلق بالمنخفض الجوي الحراري، أوضح أن موقعه وتموضعه شمالًا إلى شمال غرب محافظة ظفار يسهمان في تعزيز نشاط الرياح الموسمية الجنوبية الغربية، إذ يساعد هذا المنخفض على جذب الكتل الهوائية الرطبة من بحر العرب وخليج عدن باتجاه سواحل المحافظة. ويُعد تغير موقع المنخفض الجوي الحراري أو قوته من العوامل المؤثرة في تفاوت شدة الموسم من عام إلى آخر، سواء من حيث كثافة الغطاء السحابي أو نشاط الرذاذ أو امتداد تأثيرات الخريف نحو الداخل.

وفيما يتعلق بظاهرة صعود المياه الباردة، فإنها من العوامل الأساسية المؤثرة في خريف ظفار، حيث تدفع الرياح الموسمية القوية المياه السطحية الدافئة بعيدًا عن الساحل، لتصعد بدلًا منها تيارات بحرية باردة من أعماق المحيط. ويسهم هذا الانخفاض في درجة حرارة سطح البحر في تبريد الهواء الملامس له، ما يساعد على وصول الهواء الرطب إلى حالة التشبع، ويعزز تشكّل السحب الطبقية المنخفضة والضباب والرذاذ، كما يزيد من استقرار الغلاف الجوي القريب من السطح.

وأكد مدير دائرة الأرصاد الجوية بالمديرية العامة للطيران المدني بمحافظة ظفار أن الطبيعة الطوبوغرافية الجبلية لمحافظة ظفار تؤدي دورًا محوريًا في تعزيز الظاهرة، حيث تعمل الجبال المواجهة للرياح الموسمية على رفع الهواء الرطب إلى أعلى، مما يؤدي إلى تبريده وتكثف بخار الماء فيه، فتتشكل السحب المنخفضة والضباب والرذاذ.

وتختلف كمية السحب والهطول بحسب ارتفاع الجبال وموقعها وزاوية مواجهتها للرياح الموسمية. فالسحب المنخفضة في موسم الخريف لا يتجاوز ارتفاعها غالبًا 1500 متر، ولذلك فإن المرتفعات التي لا يتجاوز ارتفاعها نحو 1000 متر تكون أكثر عرضة لتساقط الرذاذ والأمطار الخفيفة بصورة مستمرة، نظرًا لتقاطعها المباشر مع قاعدة السحب وطبقة الرطوبة النشطة.

أما الجبال التي ترتفع فوق مستوى السحب المنخفضة، فقد تقل فوقها سماكة السحب وتضعف فرص الهطول، خاصة في القمم العالية مثل بعض أجزاء جبل القمر وجبل سمحان. ولذلك فإن زيادة ارتفاع الجبال لا تعني بالضرورة زيادة كمية الهطول، بل قد يحدث العكس عندما ترتفع القمم فوق مستوى السحب المنخفضة.

كما أن زاوية اصطدام الرياح الموسمية بالجبال تُعد عاملًا مهمًا في توزيع السحب والهطول؛ فكلما كانت الرياح شبه عمودية على السفوح الجبلية، زاد احتمال رفع الهواء الرطب وتكاثفه، وبالتالي زادت فرص تشكل الضباب والرذاذ. لذلك تشهد الجبال الواقعة في الأجزاء الوسطى والغربية من المحافظة، والتي تواجه الرياح بزوايا أكثر ملاءمة، هطولات ورذاذًا أكثر وضوحًا مقارنة بالمناطق الجبلية الموازية لاتجاه الرياح، مثل بعض أجزاء جبل سمحان.

ولفت إلى أن نشاط موسم الخريف قد يتفاوت من عام إلى آخر تبعًا لقوة العوامل المناخية المؤثرة فيه، حيث إن الموسم النشط يتميز بعدد من الخصائص الجوية، أبرزها هطول الرذاذ بصورة شبه متواصلة، وانتشار الضباب والسحب المنخفضة على نطاق واسع، وارتفاع مستويات الرطوبة في الطبقات الجوية القريبة من السطح، إلى جانب نشاط الرياح الموسمية على أجزاء واسعة من بحر العرب، وانخفاض درجات الحرارة مقارنة ببقية محافظات سلطنة عُمان.

مشيرًا إلى أن هذا النظام المناخي يخضع لمتابعة دقيقة ومستمرة من خلال منظومات الرصد الحديثة، والنماذج العددية المتقدمة، وصور الأقمار الاصطناعية، والبيانات الجوية المختلفة، بما يتيح رصدًا فوريًا للتغيرات الجوية، ويسهم في تمكين المختصين من إصدار التنبؤات والتحذيرات في الوقت المناسب، وبما يعزز مستويات السلامة العامة خلال الموسم.