عمان اليوم

حراك شبابي متزايد في صياغة مستقبل الولايات تحت مظلة اللامركزية

14 أبريل 2026
مبادرات وطاقات واعدة تستدعي التمكين
14 أبريل 2026

العُمانية: في ظل التوجه الوطني نحو تعزيز اللامركزية الإدارية والمالية، برز الشباب العُماني في مختلف محافظات سلطنة عُمان كعنصر فاعل وشريك حقيقي في صناعة القرار المحلي، مستثمرين المساحات المتنامية للمشاركة المجتمعية، والمبادرات الشبابية، والانخراط في المجالس واللجان المحلية، بما يسهم في رسم ملامح مستقبل تنموي أكثر قربا من احتياجات المجتمع، وانسجاما مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040".

وباتت المحافظات والولايات في سلطنة عُمان تشهد حراكا شبابيا متزايدا، يعكس وعي الشباب بدورهم ومسؤوليتهم، وقدرتهم على تحويل الأفكار إلى مبادرات ومشروعات ذات أثر ملموس، في إطار منظومة لامركزية تمنح القرار المحلي مرونة أكبر، وتفتح المجال أمام الأصوات الشبابية للمشاركة والتأثير.

وفي هذا السياق، قال يونس بن ناصر العبري، المشارك في برنامج السفراء الشباب – نموذج الأمم المتحدة للشباب: إن التوجه نحو اللامركزية أسهم بصورة واضحة وإيجابية في توسيع مساحة مشاركة الشباب في محافظات سلطنة عُمان، لا سيما من خلال تعزيز حضورهم في المجالس البلدية واللجان المحلية، ما أتاح لهم إيصال أصواتهم ومقترحاتهم بشكل مباشر إلى متخذي القرار.

وأوضح العبري أن السنوات الأخيرة شهدت حراكا متناميا في تمكين الشباب داخل هذه المجالس، مؤكدا أن مشاركتهم لم تكن شكلية، بل انعكست على ترسيخ ثقافة الحوار والمسؤولية المجتمعية؛ حيث أصبح الشباب أكثر وعيا بدورهم في المتابعة والتقييم والمبادرة، وأكثر قربا من هموم المجتمع واحتياجاته.

وأشار إلى أن هذا التفاعل أسهم في تحسين جودة عدد من القرارات والخدمات المقدمة على المستوى المحلي، نتيجة مشاركة الشباب في مناقشة القضايا الخدمية والتنموية التي تمس الولايات بشكل مباشر. وأضاف: إن عددا من المحافظات شهد مبادرات نوعية هدفت إلى الاستماع لأصوات الشباب واحتضان أفكارهم، من بينها مبادرة منصة شباب شمال الباطنة التي أطلقها سعادة محافظ شمال الباطنة، والتي وفّرت مساحة مفتوحة للحوار وطرح المقترحات الشبابية وربطها بأولويات التنمية في المحافظة.

وبيّن أن مبادرات شبابية أخرى برزت في مجالات العمل التطوعي، وريادة الأعمال، والمشروعات المجتمعية، بالتعاون مع الجهات الحكومية، مجسدةً مفهوم الشراكة بين الشباب والمؤسسات المحلية. واختتم العبري تصريحه بالتأكيد على أن اللامركزية شكّلت نقطة تحوّل في تمكين الشباب، ليس فقط على مستوى المشاركة، بل في المساهمة الفعلية في صناعة القرار المحلي، مشددا على أهمية مواصلة دعم هذه المساحات وتعزيزها لضمان استدامة الدور الشبابي في التنمية المحلية.

وفي محافظة ظفار، أكد محمد بن عبدالله باتميرا أن اللامركزية لم تكن مجرد إطار تنظيمي جديد، بل مثّلت نقلة نوعية في إشراك الشباب بصورة مباشرة في صناعة القرار المحلي وصياغة المبادرات التنموية، مشيرا إلى أن تجربته في اللجنة الشبابية بالمحافظة عكست حجم التحول الذي شهدته المرحلة الأخيرة من حيث تمكين الصوت الشبابي وتعزيز دوره في مناقشة القضايا ذات الأولوية.

وأوضح باتميرا أن المشاركة في اللجنة الشبابية لم تكن حضورا رمزيا، بل ممارسة عملية مكّنت الشباب من مناقشة الملفات التنموية، وتقديم مقترحات تطويرية قابلة للتنفيذ، وإيصال الرؤى والأفكار إلى الجهات المعنية بصورة مباشرة، لافتا إلى أن هذه المساحة عززت ثقافة الحوار والشراكة مع صناع القرار، وأسهمت في ترسيخ الثقة المتبادلة بين المؤسسات والشباب، الأمر الذي انعكس على واقعية المبادرات المطروحة وارتباطها باحتياجات المجتمع المحلي.

وأضاف: إن من أبرز النماذج التي عكست حيوية الحراك الشبابي في المحافظة مسابقة «قيمة»، التي شملت عشر ولايات بمحافظة ظفار؛ حيث تم تسجيل 337 فكرة شبابية، وتأهلت 28 فكرة إلى مرحلة التصفية، فيما فازت ثلاث أفكار في مجال القيمة المحلية المضافة، مؤكدا أن هذه الأرقام تعكس حجم التفاعل المجتمعي والثقة في قدرة الشباب على تقديم مشروعات اقتصادية قابلة للتحول إلى واقع عملي، ومتسقة مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040"، لاسيما في دعم المحتوى المحلي، وتحفيز الاقتصاد الوطني، وإيجاد فرص عمل، وتعزيز سلاسل القيمة داخل المحافظة.

وأشار إلى أن الثقة في أفكار الشباب تجسدت كذلك في اندماج أربع شركات من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في مشروع اقتصادي سياحي أُطلق عليه «مشروع الغارف»، وهو اسم يحمل دلالة تاريخية تعود إلى المزرعة قديما، موضحا أن المشروع يقوم على استثمار أرض زراعية وتحويلها إلى موقع سياحي فريد من نوعه على مستوى سلطنة عُمان، مع دمج عدة قطاعات يقودها الشباب، تشمل المطاعم والمقاهي، وإدارة الفعاليات، وأنشطة المغامرات، والهندسة الزراعية، والمشاتل التعليمية، إلى جانب الجوانب الترفيهية والثقافية.

وأكد باتميرا أن هذه التجارب تثبت أن اللامركزية ليست إجراء إداريّا فحسب، بل فرصة حقيقية لإعادة تعريف العلاقة بين الشباب والتنمية المحلية، فحين تتوافر المساحة للتعبير، وأدوات التنفيذ، والثقة المؤسسية، تتحول الأفكار إلى مبادرات، والمبادرات إلى مشروعات، والمشروعات إلى نماذج تنموية متكاملة ذات أثر اقتصادي واجتماعي مستدام، معربا عن فخره بما تحقق في محافظة ظفار، وأمله في استمرار تبني هذه المبادرات واستدامتها بما يعزز حضور الشباب في صناعة مستقبل محافظاتهم.

وحول أدوات الشباب في صياغة المستقبل وتحويل المبادرات إلى تأثير حقيقي، قال عادل بن سيف الكمزاري من محافظة مسندم، أخصائي مصادر تعلم بوزارة التعليم، وناشط اجتماعي وصانع محتوى: إن دور الشباب في المحافظة لم يعد يقتصر على الحضور أو المشاركة الرمزية، بل أصبح اليوم دورا فاعلا في صناعة التأثير والمساهمة الحقيقية في رسم ملامح التنمية المحلية.

وأوضح أن تعزيز نهج اللامركزية ومنح صلاحيات أوسع للمحافظة أتاح مساحة رحبة للأفكار الخلّاقة، ومكّن الشباب من تحويل طاقاتهم إلى مبادرات ومشروعات ملموسة تخدم المجتمع وتستشرف المستقبل، مشيرا إلى نجاح شباب مسندم في توظيف المبادرات المجتمعية، وريادة الأعمال، والابتكار الاجتماعي، والإعلام الرقمي كأدوات تنموية متكاملة.

وبيّن الكمزاري أن المبادرات المجتمعية أسهمت في تعزيز الهوية الوطنية وصناعة الحراك المحلي، من خلال فعاليات نوعية مثل موسم الشتاء مسندم، إلى جانب مشروعات ثقافية ورياضية وتنموية امتدت إلى القرى والمناطق الجبلية، وأسهمت في تنشيط السياحة، وتعزيز الترابط الاجتماعي، ودعم التنمية المستدامة.

وأضاف: إن ريادة الأعمال شكّلت محركا أساسيّا للتحول الاقتصادي في المحافظة، عبر برامج تدريب وتأهيل، وإنشاء حاضنة لرواد الأعمال في ولاية خصب، وتنظيم أسابيع وبرامج ريادية للشباب والطلاب، ما أسهم في نشر ثقافة الابتكار وإيجاد فرص عمل وتنشيط الاقتصاد المحلي.

وأشار إلى بروز الابتكار الاجتماعي كحل ينبع من المجتمع نفسه، من خلال مشاركة الشباب في منصات وطنية ومبادرات نوعية، وإطلاق مشروعات اجتماعية وسياحية وتراثية استثمرت المقومات الطبيعية والثقافية للمحافظة، محوّلة إياها إلى قيمة مضافة تعزز الاستدامة. وأكد أن الإعلام الرقمي قام بدور محوريّ في إبراز هذه الجهود، من خلال المحتوى الإبداعي والحملات الرقمية، ومبادرات مثل: مسابقة الإعلامي المتميز والمرشد السياحي الرقمي، بما أسهم في إيصال صوت مسندم إلى الداخل والخارج وتعزيز حضورها السياحي والتنموي.

وفيما يتعلق بالتحديات والتوصيات المرتبطة بدور الشباب في المرحلة المقبلة، قالت أميمة بنت عمر السلماني إن تطوير منصات مؤسسية مستدامة لاحتضان الأفكار الشبابية في ظل التوجه نحو اللامركزية يتطلب الانتقال من مفهوم الدعم الموسمي إلى التمكين المنهجي طويل الأمد، بما يمنح الشباب دورًا حقيقيًّا في التخطيط وصناعة التنمية المحلية.

وأوضحت أن اللامركزية وفّرت إطارًا مناسبًا لمنح المحافظات والولايات مساحة أوسع لصناعة القرار، الأمر الذي يستدعي إنشاء منصات شبابية رسمية على مستوى المحافظات، تكون مرتبطة بمكاتب المحافظين والبلديات، وتعمل كحلقة وصل فاعلة بين الشباب وصنّاع القرار.

وبيّنت أن دور هذه المنصات لا ينبغي أن يقتصر على جمع المقترحات، بل يمتد إلى إشراك الشباب في مراحل التخطيط، والمتابعة، وتقييم المشروعات التنموية، مؤكدة أهمية توفير برامج تدريب متخصصة في مجالات التخطيط المحلي، وإدارة المبادرات، وريادة الأعمال المجتمعية، لتعزيز جاهزية الشباب وتحويل أفكارهم إلى مشروعات قابلة للتنفيذ تخدم احتياجات الولايات بشكل واقعي ومستدام.

وأكدت السلماني على ضرورة تعزيز الشراكة بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني في المحافظات، بما يضمن توفير التمويل والدعم الفني للمبادرات الشبابية، وإيجاد بيئة محفزة تشجع على الابتكار والمشاركة المجتمعية. واختتمت تصريحها بالتأكيد على أن تمكين الشباب لا يتحقق فقط بإتاحة الفرص، بل ببناء منظومة مؤسسية واضحة تستثمر في طاقاتهم، وتمنحهم الثقة والمساحة ليكونوا شركاء حقيقيين في رسم مستقبل التنمية المحلية، بما ينسجم مع "رؤية عُمان 2040" والتوجه الوطني نحو اللامركزية.

وحول الأثر الذي أحدثه حضور الشباب في سلطنة عُمان على تعزيز الانتماء الوطني والمحلي، قالت سارة بنت سعيد المعمري، خريجة علاقات عامة ومدربة في شؤون الفرد والأسرة من محافظة شمال الباطنة، إن حضور الشباب العُماني في المحافظات أحدث أثرا ملموسا على المستويين المجتمعي والتنموي، مؤكدةً أن الشباب هم سواعد النجاح ورافعة التقدم، لما يمتلكونه من رؤية متجددة تستوعب متطلبات الحاضر وتستدرك فجوات الماضي.

وأضافت: إن إتاحة الفرص أمام الشباب للقاء المسؤولين والمشاركة المباشرة في لقاءات المحافظات، أو إيصال آرائهم عبر قنوات التواصل المختلفة، أسهمت في رفع الوعي بالقضايا التنموية، وكشفت عن طاقات قيادية شابة قادرة على الإسهام في التخطيط وصناعة القرار. وأشارت إلى تجربتها الشخصية في طرح مطالبات تتعلق بتوصيف ومواءمة متطلبات خريجي الإعلام والاتصال، والعمل مع عدد من الزميلات عبر منصات التواصل الاجتماعي لتعزيز قنوات الاتصال، والمساهمة في تحريك عجلة الاقتصاد ودعم الرؤية التنموية.

وأوضحت أن التوجه نحو اللامركزية يمثل ركيزة أساسية لضمان عدالة الفرص بين أبناء المحافظات، وتمكين كل محافظة من استثمار إمكاناتها، مؤكدة دعمها لهذا النهج لما له من أثر مباشر في تعظيم المشاركة المجتمعية. ولفتت إلى أن ما يشهده مهرجان صحار الترفيهي من حضور فاعل للشباب والشابات في مختلف مجالاته، إلى جانب دور صنّاع المحتوى في إيصال رسائل هادفة وبنّاءة، يعكس تنامي هذا الأثر على أرض الواقع.

وختمت بالقول إن الأثر المجتمعي الأكثر استدامة يظل مرهونا بتمكين الخريجين والخريجات عبر التعيين وفق تخصصاتهم، بما يتيح لهم توظيف كفاءاتهم وإدارة شؤونهم المهنية بفاعلية، وبناء شراكات حقيقية مع مختلف القطاعات لخدمة التنمية المحلية.