عمان اليوم

"تجربة المريض".. محرك لـ "أنسنة" الرعاية وتطوير المستشفيات

13 مارس 2026
13 مارس 2026

يحمل المريض معه عند دخوله المستشفى الأمل في الشفاء والحاجة الملحة لمن يفهم وضعه ويقدم له كل سبل الدعم والطمأنينة؛ فالمستشفيات ليست مجرد أماكن لتلقي الدواء أو الإجراءات الطبية، بل أصبحت مراكز للرعاية المتكاملة حيث يشعر المريض بالدعم العاطفي والنفسي، ويُقدَّم له الاهتمام بكل تفاصيل تجربته. إن أنسنة الرعاية وتجربة المريض باتت نهجًا محوريًا في تطوير الخدمات الصحية، حيث يُؤخذ بعين الاعتبار شعور المريض وراحته النفسية، ويُعزَّز التواصل الإنساني بين الطاقم الطبي والمرضى، ما يجعل رحلة العلاج أكثر أمانًا وراحة، ويحفز على استجابة أسرع للعلاج ورضا أكبر عن الخدمة الصحية.

Image

وتوضح جيهان بنت محمد آل فنه، الباحثة في سياسات النظم الصحية والتنمية المستدامة في المستشفى السلطاني، أن المريض يحتاج أولًا إلى فهم حقيقي لمعاناته. وأضافت أن المستشفيات الحديثة أصبحت تضع "تجربة المريض" في صدارة أولوياتها، فلم يعد التركيز مقتصرًا على تقديم العلاج الطبي فحسب، بل امتد ليشمل الطمأنينة الكاملة داخل النظام الصحي.

وعلى مدى العقود الماضية، شهدت إدارة المستشفيات تطورًا ملحوظًا، بدءًا من التركيز على ضبط الجودة وتقليل الأخطاء الطبية، ثم الانتقال إلى تحسين الكفاءة التشغيلية وتقليل الهدر، وصولًا اليوم إلى مرحلة أكثر تقدمًا تعتمد على الابتكار المؤسسي وإعادة تصميم الأنظمة الصحية بطريقة إنسانية ومستدامة.

هذا التحول لا يعكس مجرد تطوير للأدوات الإدارية، بل يعكس تحولًا أعمق في فلسفة إدارة الأنظمة الصحية، مؤكدة أن هذه المنهجيات ساعدت على تحقيق توازن مهم بين جودة الخدمات الصحية وكفاءة استخدام الموارد، وهو عنصر أساسي لضمان استدامة الأنظمة الصحية على المدى الطويل.

Image

من جانبها، أفادت الدكتورة حسينة بنت أحمد الحارثي، رئيسة قسم الدراسات والبحوث في المستشفى السلطاني، بأن تعقيد التحديات الصحية في القرن الحادي والعشرين يجعل تحسين العمليات وحده غير كافٍ. فالقضايا الحديثة مثل الأمراض المزمنة، وارتفاع أعداد كبار السن، والضغوط المالية على الأنظمة الصحية تتطلب حلولًا أكثر ابتكارًا وشمولية.

وأضافت أن منهجيات مثل التفكير التصميمي برزت لتضع تجربة المريض في قلب أي تحسين للنظام الصحي، مؤكدة أن تصميم الخدمات الصحية يجب أن يبدأ من فهم احتياجات المريض والكوادر الصحية، وليس فقط من منظور إداري أو تنظيمي. ومن هذا المنطلق، جاءت فكرة تطوير الأنظمة الصحية عبر أنسنة الرعاية الصحية، حيث لم يعد المريض مجرد متلقٍ للعلاج، بل أصبح شريكًا فاعلًا في تصميم تجربته العلاجية، يشارك في اتخاذ قراراته العلاجية ويقدّم رأيه في تطوير خدمات المستشفى وتحسين جودة الرعاية.

وأضافت رئيسة قسم الدراسات والبحوث في المستشفى السلطاني أن هذا التحول يعكس فهمًا جديدًا لدور المجتمع في تطوير النظام الصحي، حيث تصبح تجربة المريض جزءًا أساسيًا من عملية تحسين الخدمات الصحية، وأوضحت أن أنسنة النظام الصحي لا تقتصر على المرضى فحسب، بل تشمل أيضًا الكوادر الصحية العاملة داخل المؤسسات، فالأطباء والممرضون والفنيون والإداريون يعيشون تفاصيل النظام الصحي يوميًا ويملكون رؤى عملية لتحسينه. ومع ذلك، فإن العديد من الأفكار الابتكارية قد تبقى غير مستثمرة إذا لم توجد قنوات مؤسسية تسمح للموظفين بالتعبير عنها، لذلك أصبح صوت الموظف أحد المحركات المهمة للابتكار في المؤسسات الصحية الحديثة.

وأفادت بأن المستشفى السلطاني بدأ خلال العام الماضي في تبني منهجيات جديدة لتعزيز ثقافة الابتكار داخل المؤسسة، من خلال فتح مساحات للاستماع إلى تجارب المرضى والكوادر الصحية، وفهم التحديات اليومية التي يواجهونها، بهدف تحويل هذه التجارب إلى فرص عملية للتحسين والتطوير. ويعكس هذا التوجه تطوير الرعاية الصحية بشكل عام، فالتطوير لا يعتمد فقط على التقنيات الطبية المتقدمة، بل أيضًا على بناء بيئة مؤسسية تشجع الابتكار وتضع الإنسان—مريضًا كان أو موظفًا—في قلب عملية تطوير النظام الصحي. مؤكدة أنه عندما يتم إشراك الكوادر الصحية في تحليل المشكلات وتصميم الحلول، تتحول المؤسسات الصحية من هياكل إدارية تقليدية إلى منظومات تعلم وابتكار مستمر، قادرة على مواجهة التحديات وتحسين جودة الرعاية بشكل مستدام.

المستشفى مركز للمعرفة والبحث

وتابعت الدكتورة حسينة حديثها: مع دخول العالم عصر الاقتصاد المعرفي، لم تعد المستشفيات مجرد مؤسسات تقدم الخدمات الصحية، بل أصبحت أيضًا مراكز لإنتاج المعرفة والابتكار، وفي سلطنة عمان، يعكس المستشفى السلطاني جانبًا مهمًا من هذا التحول الذي تشهده المؤسسات الصحية الحديثة، فباعتباره أحد المستشفيات المرجعية المتخصصة لا يقتصر دوره بوصفه مبنى لتقديم العلاج بل يمتد أيضًا إلى دعم البحث العلمي والتطوير المؤسسي، كما أن الاستثمار في البحث في النظم الصحية والبحوث التطبيقية يسهم في تطوير سياسات صحية أكثر فاعلية وكفاءة، ويعزز قدرة المؤسسات الصحية على مواجهة التحديات الصحية المتغيرة، ففي عالم يواجه تحديات صحية وبيئية واقتصادية متزايدة، أصبح تطوير الأنظمة الصحية مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمفهوم التنمية المستدامة، فالأنظمة الصحية المستدامة لا تركز فقط على تقديم الخدمات العلاجية، بل تسعى أيضًا إلى استخدام الموارد الصحية بكفاءة، وتقليل الهدر في الإنفاق الصحي، ودعم الابتكار في الخدمات الصحية، وتعزيز البحث العلمي والمعرفة الصحية، إذن إن الجمع بين الجودة، والكفاءة التشغيلية، والابتكار المؤسسي، والبحث العلمي يمثل اليوم أحد أهم الأسس لبناء أنظمة صحية قادرة على تحقيق تنمية صحية مستدامة تخدم المجتمع وتستجيب لتحديات المستقبل.

موضحة بأن المستشفى السلطاني في المستقبل لن يكون فقط مكانًا للعلاج، بل مساحة يلتقي فيها العلم والإدارة والابتكار لخدمة الإنسان، وتطوير النظام الصحي يصبح مشروعًا مجتمعيًا يشارك فيه المرضى والكوادر الصحية والباحثون وصناع السياسات؛ فمستقبل الأنظمة الصحية لن يُبنى فقط في غرف العمليات أو المختبرات، بل أيضًا في قدرة المؤسسات الصحية على الاستماع للمريض أو الموظف وتحويل هذا الصوت إلى ابتكار يحقق تنمية صحية مستدامة.