النوم مع الحيوانات الأليفة راحة نفسية أم مخاطرة صحية ؟
في السنوات الأخيرة، أصبح النوم مع الحيوانات الأليفة ظاهرة شائعة في كثير من البيوت، مدفوعة بالمشاعر الإيجابية التي تمنحها هذه الحيوانات الأليفة لأصحابها، ولكن هذا السلوك يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول ما إذا كانت فوائده النفسية تفوق مخاطره الصحية؟
وفي هذا الاستطلاع، قدم المختصون صورة متوازنة حول هذا الأمر..
التعلق النفسي
تشير سعاد بنت عبدالله الغيلانية أخصائية العلاج النفسي، بعيادة "يونيا" إلى أن كثيرا من الأشخاص يشعرون براحة وطمأنينة عند النوم بالقرب من حيواناتهم الأليفة، وهذا الأمر مدعوم بعدد من الأبحاث النفسية، التي أوضحت أن التفاعل القريب مع الحيوان يساعد على تهدئة الجهاز العصبي، إذ يرتبط بانخفاض مستويات هرمونات التوتر، ما ينعكس على مالكيها الشعور بالأمان والاسترخاء.
وتضيف الغيلانية أن هذا التأثير يكون أوضح لدى الأشخاص الذين يعانون من القلق أو الوحدة، حيث يصبح وجود الحيوان عامل دعم نفسي مهم، خصوصًا في أوقات الليل التي تتكثف فيها الأفكار والمشاعر السلبية. وبينت أن التأثير ليس واحدًا لدى الجميع، ولكن يختلف باختلاف التجربة الشخصية والحالة النفسية لكل فرد.
كما أوضحت الدكتورة الغيلانية مسألة القلق والأرق قائلة: إن النوم مع الحيوان قد يساهم بالفعل في تقليل القلق قبل النوم لدى بعض الأشخاص، ويعزز الشعور بالاسترخاء، ولكن من واقع خبرتها الإكلينيكية، أكدت أن الصورة ليست مثالية دائمًا، فإذا كان الحيوان يسبب حركة مستمرة أو أصواتا أثناء الليل، قد يؤثر سلبًا على جودة النوم. لذلك، لا نستطيع القول إن النوم مع الحيوانات مفيد أو مضر بشكل مطلق، بل يعتمد على الشخص وطبيعة نومه.
وأضافت أن السؤال الأهم ليس "هل النوم مع الحيوان مفيد أم مضر؟" ولكن "لمن سيكون مفيدًا، ومتى سيصبح غير مناسب؟"، مؤكدة أن التقييم يجب أن يكون بشكل فردي بناءً على الحالة.
وبينت الغيلانية أن العلاقة مع الحيوان تصبح مقلقة عندما يتحول إلى المصدر الوحيد للدعم العاطفي، ويبدأ الشخص بالانسحاب من علاقاته الإنسانية أو يشعر بقلق شديد عند الابتعاد عن الحيوان.
وبينت الغيلانية من منظور نفسي، أن في هذا التعلق غير المتوازن، لا نهدف إلى قطع العلاقة، بل نسعى إلى إعادة التوازن في حياة هذا الفرد والبحث له عن مصادر دعم أخرى تكون في حياته.
علاوة على ذلك أكدت الغيلانية أن هناك فرقا واضحا بين الأطفال والبالغين، فالحيوانات الأليفة تلعب دورًا إيجابيًا في تنمية التعاطف والشعور بالمسؤولية لدى الأطفال، وهو ما تدعمه دراسات نفسية عديدة، محذرةً الأسر من أن الأطفال أكثر حساسية في مسألة التعلق، فمن المهم أن تكون هناك حدود واضحة، وتوجيه أسري . أما البالغون، فعادة ما يكونون أقدر على تنظيم علاقتهم بالحيوان، ويعتمد ذلك بالتأكيد على نضجهم العاطفي واستقرارهم النفسي.
وأشارت إلى أن الحيوان يمكن أن يكون مصدر دعم عاطفي مهم، لكنه لا يمكن أن يحل محل العلاقات الإنسانية، فعندما يعتمد الشخص على الحيوان كبديل للعلاقات الإنسانية، قد تتأثر قدرته على التواصل وبناء علاقات صحية مع العالم من حوله. وبينت الغيلانية أن في العلاج النفسي، يتم التشجيع على أن يكون الحيوان جزءا داعما من شبكة العلاقات، ولكن ليس الشبكة كلها، مشددة على أن التوازن هو المفتاح الأساسي لتحقيق فائدة نفسية مستدامة.
النظافة تصنع الفرق
ومن جانبها، توضح الدكتورة أمامة عبدالله طبيبة بيطرية، أن النوم مع الحيوانات الأليفة بحد ذاته ليس خطرًا، لكن الإهمال الصحي هو العامل الأساسي وراء معظم المشكلات. وأشارت إلى أن هناك مخاطر صحية محتملة، أبرزها تساقط الشعر ووبر الجلد، الذي قد يسبب الحساسية والربو. مشيرة إلى أن الحيوانات قد تنقل بعض الأمراض مثل الفطريات والبكتيريا والطفيليات، وأكثر هذه الأمراض شيوعًا الفطريات الجلدية، إضافة إلى الطفيليات الخارجية كالبراغيث والقراد والعث، في حال ضعف النظافة أو عدم الالتزام بالعلاج الدوري.
وأضافت أن دور التطعيم والنظافة لا يستهان بهما، فالتطعيم المنتظم والمعالجة الدورية ضد الطفيليات تقلل من المخاطر الصحية بشكل كبير، كما شددت على أهمية الاستحمام المنتظم للحيوان، وتنظيف فراشه، وغسل اليدين بعد ملامسته، خصوصًا قبل النوم أو الأكل، مؤكدةً أن مستوى العناية الصحية هو العامل الحاسم.
راحة غير حقيقية
يقول الدكتور نبيل بن محمد اللواتي استشاري أول أمراض الصدر وطب النوم بالمستشفى السلطاني: إن بعض الدراسات العلمية تشير إلى أن النوم مع الحيوانات الأليفة قد يقلل من جودة النوم، خصوصًا إذا كانت كثيرة الحركة أثناء الليل، وأوضح أن الاستيقاظ المتكرر أو الشعور بعدم الراحة بسبب مشاركة السرير، قد يؤدي إلى زيادة الأرق والتعب في اليوم التالي.
وأشار اللواتي إلى أن بعض المشاركين في الدراسات يعتقدون أن نومهم أفضل مع الحيوان، بينما تظهر القياسات الطبية عكس ذلك، ما يعكس الفارق بين الإحساس الذاتي وجودة النوم الفعلية، فحركة الحيوان وقفزاته أو الاستيقاظ المتكرر يمكن أن يسبب تشتتا في النوم أو زيادة هرمون التوتر، مما يؤثر ذلك سلبًا على الراحة والقدرة على التركيز.
ونصح اللواتي مرضى الحساسية والربو، والأطفال الصغار، والأشخاص ذوي المناعة الضعيفة، بعدم النوم مع الحيوانات، لأن جهازهم المناعي أقل قدرة على التعامل مع بعض الجراثيم والطفيليات، موضحاً أن الحيوانات تحمل وبرًا وبروتينات ولعابا قد يهيج الجهاز التنفسي، ويفاقم أعراض الربو والتهاب الأنف التحسسي، خصوصًا عند النوم في نفس السرير، مؤكداً أن الاحتكاك المستمر قد يزيد من احتمالية انتقال بعض الأمراض المشتركة.
وأشار اللواتي إلى أن الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان (Zoonotic diseases) هي تلك التي يمكن أن تنتقل بين الحيوانات والبشر، كالطفيليات، لأنه من المحتمل أن تحمل هذه الحيوانات الأليفة طفيليات خارجية مثل البراغيث والقراد، وأحيانًا طفيليات داخلية أو بكتيريا مثل "السالمونيلا أو بارتونيلا" أو الفيروسات في بعض الحالات والتي يمكن أن تنتقل عن طريق الفم، أو اللعاب أو البراز، أو حتى لمس الفراء إذا كان ملوثاً، وأضاف أن بعض العدوى المشتركة، مثل داء خدش القطط أو غيره من الالتهابات البكتيرية قد تنتقل من الحيوان إلى الإنسان عند الاحتكاك الوثيق، إلى جلد الإنسان أو ملابسه وفراشه، مما يزيد من احتمالات العدوى، خصوصًا إذا بقي الحيوان قريبًا من وجه الإنسان أو في نفس السرير طوال الليل.
وأوضح اللواتي بأنه توجد دراسات تفصيلية حول وجود جراثيم أو طفيليات على فراء الحيوانات أو أقدامها، لكن الإحصاءات الدقيقة عن عدد الإصابات الفعلية الناتجة عن النوم معها نادرة نسبيًا، كما أن إحدى الدراسات التي حللت المخاطر المشتركة بين الحيوانات الأليفة وأصحابها وجدت مستويات عالية من بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية في القطط، مما يشكل ذلك خطرًا محتملًا على الإنسان.
كما أكدت بعض الدراسات، الفوائد النفسية المتعلقة بها مثل تقليل التوتر والقلق، وتحسين الشعور بالرفقة، مما يساهم ذلك في تحسين الحالة المزاجية، فالكثير من مالكي الحيوانات يشعرون أن وجود الحيوان يحسن حالتهم النفسية، لكن معظم الدراسات حول جودة النوم نفسها لا تثبت علاقة سببية قوية نهائية بين النوم مع الحيوان وتحسين الصحة؛ بل تشير غالبًا إلى فوائد نفسية مقابل مخاطر محتملة على النوم وجودة الراحة الليلية.
وشدد الدكتور نبيل اللواتي على أهمية تنظيف الفرش والملاءات بانتظام لمنع تراكم الشعر والوبر، كما نصح بوضع مكان نوم مخصص للحيوان داخل الغرفة ولكن ليس على السرير، ونبه اللواتي على أهمية تنظيف الحيوانات الأليفة بشكل دوري باستخدام وسائل مناسبة كالشامبو البطري والتمشيط المنتظم للفراء، فهذا الإجراء قد يساعد على إزالة البراغيث التي قد تعيش على جلد الحيوانات وسيساهم في التخلص من البوض الميكروسكوبية التي تضعها هذه الطفيليات والتي قد لا ترى بالعين المجردة، مما يقلل فرص تكاثرها وانتقالها إلى الإنسان أو إلى بيئة المنزل مثل الفراش والسجاد. كما تساعد هذه الممارسات على تحسين صحة الحيوان العامة وتقليل مخاطر الإصابة بالأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، إلى جانب إجراءات الرعاية البيطرية المنتظمة.
وأكد اللواتي على أهمية موازنة الراحة الصحية مع الرفقة التي يقدّمها الفرد للحيوان، واستشارة طبيب الحساسية والربو إذا كانت هناك أي أعراض تنفسية.
