الممتلكات العامة بين الاستخدام المسؤول ومظاهر العبث والتخريب
تعدّ المرافق العامة متنفسًا للمجتمع ومظهرًا حضاريًا يعكس مستوى الوعي والمسؤولية لدى أفراده، فهي وجدت لخدمة الجميع وتعزيز جودة الحياة في مختلف المواقع العامة. إلا أن بعض السلوكيات السلبية وأعمال التخريب التي تطال الحدائق والمتنزهات والمرافق الخدمية لا تزال تشكل تحديًا يستنزف الموارد المالية المخصصة للصيانة والتطوير، ويؤثر في الاستفادة المثلى من هذه المرافق.
ويرى مختصون ومهتمون بالشأن الاجتماعي أن المحافظة على الممتلكات العامة مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة والمدرسة وتمتد إلى مختلف مؤسسات المجتمع، مؤكدين أهمية تعزيز الوعي المجتمعي وترسيخ قيم الانتماء والمسؤولية للحد من هذه الظاهرة وحماية المكتسبات الوطنية للأجيال القادمة.
ورصدت «عُمان» آراء المواطنين حول أبرز أعمال التخريب التي تطال المرافق العامة، إلى جانب مقترحاتهم لتعزيز ثقافة المحافظة عليها والحد من هذه السلوكيات، وفي هذا السياق، أوضح ناصر بن جميل الصولي أن من أبرز السلوكيات السلبية التي تتكرر في عدد من المرافق العامة الكتابة على الجدران والمقاعد، وإتلاف الممتلكات العامة، ورمي المخلفات في غير الأماكن المخصصة لها، إلى جانب سوء استخدام الحدائق والمرافق الترفيهية وإهمال المحافظة على نظافتها، مشيرًا إلى أن هذه الممارسات لا تسيء إلى المظهر الحضاري فحسب، بل تُحمّل الجهات المختصة تكاليف إضافية لإصلاح الأضرار وإعادة تأهيل المرافق.
وأكد أن المحافظة على الممتلكات العامة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع، تبدأ من الأسرة والمدرسة، مرورًا بالمؤسسات الحكومية والخاصة، ولا تنتهي عند كل فرد يستخدم هذه المرافق، باعتبارها ملكًا عامًا يستفيد منه الجميع، وأن الحفاظ عليها يمثّل واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا يعكس مستوى الوعي والانتماء للمجتمع.
وأضاف أن الحد من ظاهرة العبث بالمرافق العامة يتطلب تكثيف الحملات التوعوية، وتعزيز الرقابة في المواقع العامة، وتطبيق الأنظمة والعقوبات على المخالفين، إلى جانب تشجيع المبادرات المجتمعية التي تنمي الإحساس بالمسؤولية، وترسخ ثقافة المحافظة على الممتلكات العامة، وتعزز روح الشراكة المجتمعية.
وأشار إلى أن للأسرة دورًا محوريًا في غرس هذه القيم لدى الأبناء، من خلال تقديم القدوة الحسنة في السلوك اليومي، وتعليمهم أهمية الممتلكات العامة وضرورة احترامها، وإشراكهم في الأعمال التطوعية وحملات النظافة، بما يسهم في ترسيخ قيم المسؤولية والانتماء والمحافظة على المرافق العامة منذ الصغر.
وتشاركه الرأي بشرى بنت بخيت العريمي، مؤكدةً أن أبرز مظاهر التخريب – للأسف – تتمثل في العبث بأعمدة الإنارة، وإتلاف ألعاب الأطفال في الحدائق العامة، وتخريب دورات المياه، فضلًا عن الكتابة على الجدران، وكسر المقاعد، ورمي المخلفات في غير الأماكن المخصصة لها. وأشارت إلى أن هذه السلوكيات لا تقتصر آثارها على تشويه المظهر الحضاري للمرافق العامة، بل تمتد إلى حرمان أفراد المجتمع من الاستفادة منها، واستنزاف الموارد المالية المخصصة لصيانتها وإعادة تأهيلها.
وترى أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب تبني حلول عملية ومستدامة، في مقدمتها إطلاق مبادرات شبابية لتنظيف الحدائق والمرافق العامة والعناية بها، وتكريم الأفراد والأحياء والفرق التطوعية الأكثر محافظة عليها، بما يعزز ثقافة المسؤولية المجتمعية، إلى جانب تركيب كاميرات مراقبة في المواقع التي تتكرر فيها أعمال التخريب، وتطبيق الأنظمة وفرض العقوبات على المخالفين، مؤكدةً أن نجاح هذه الجهود يبقى مرهونًا بتكاتف المجتمع وتعزيز الوعي بأهمية المحافظة على الممتلكات العامة باعتبارها ملكًا للجميع وإرثًا حضاريًا يجب صونه للأجيال القادمة.
وأضافت أن للأسرة دورًا محوريًا في غرس قيم المحافظة على الممتلكات العامة لدى الأبناء، من خلال اصطحابهم للمشاركة في الأنشطة التطوعية، وترسيخ مفهوم أن المحافظة على المرافق العامة تعكس أخلاق الفرد واحترامه للمجتمع، إلى جانب تعزيز البرامج التوعوية الهادفة.
العبث بالممتلكات
ومن جانبها قالت سارية بنت سعيد الغنيمي، باحثة اجتماعية وعضوة بجمعية الاجتماعيين العُمانية: يرى الأخصائيون والباحثون الاجتماعيون أن المحافظة على المرافق العامة تعكس مستوى الوعي الاجتماعي والانتماء الوطني لدى الأفراد. وعندما نتحدث عن الوعي الجماعي، فإننا نقصد في الأساس وعيًا فرديًا يتحول مع الوقت إلى وعي جماعي يتبنى قيم المحافظة على المرافق العامة، بوصفها ملكًا للجميع قبل كل شيء، ويسهم في تعزيز السلوك الحضاري القائم على احترام الحقوق والمسؤوليات المشتركة في المجتمع. وفي المجتمع العُماني، تُجسد هذه الممارسات قيم التعاون والمسؤولية التي تشكل جزءًا أصيلًا من الهوية الاجتماعية والثقافية.
وأوضحت أن ظاهرة العبث بالممتلكات العامة تعود إلى عدة أسباب اجتماعية، أبرزها ضعف الوعي بأهمية الملكية العامة، وغياب الرقابة الأسرية، وتأثر بعض الأفراد بالسلوكيات السلبية المنتشرة بين الأقران، إلى جانب اللامبالاة وعدم الاكتراث بنظافة المكان وأهمية المحافظة عليه، وهو ما يعكس قيم الفرد وسلوكياته، فضلًا عن الاتكال على وجود من يتولى إصلاح ما أُتلف أو تنظيف المكان بعد مغادرته. وأضافت أن ضعف الشعور بالانتماء المجتمعي، وعدم إدراك الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على التخريب، قد يدفع بعض الأفراد إلى ممارسة سلوكيات تضر بالمرافق العامة المخصصة لخدمة الجميع، حتى في ظل وجود غرامات مالية أو عقوبات تُفرض على غير المحافظين على الممتلكات العامة.
وأضافت للأسرة دورًا أساسيًا في غرس قيم المحافظة على المرافق العامة من خلال التربية بالقدوة الحسنة والتوجيه المستمر وغرس القيم منذ الصغر وتجنب الممارسات الخاطئة؛ فعندما يحرص الوالدان على احترام الأنظمة العامة والمحافظة على النظافة وعدم الإضرار بالممتلكات المشتركة، يكتسب الأبناء هذه السلوكيات تلقائيًا، وينشؤون على إدراك أن المحافظة على الأماكن العامة مسؤولية أخلاقية ووطنية وواجب وطني يجب أن يُحترم وأنه يعكس شخصيته وهو في ذلك المكان، وحب الخير للغير كذلك في استخدامه من بعده. كما ان للمدرسة دور فعّال و تأثير كبير على الطلبة أو الأطفال منذ التنشئة الأولى، حيث تعزز هذا الشعور من خلال دمج قيم المواطنة والمسؤولية المجتمعية في الأنشطة والبرامج التربوية عبر المناهج الدراسة والبرامج الإذاعية والأنشطة المدرسية والجماعات الطلابية بما فيها العمل الخيري والحملات التوعوية، وإشراك الطلبة في المبادرات التطوعية وحملات المحافظة على البيئة المدرسية والعامة، وسلطنة عمان تمثل النهج الصحيح في هذا المجال وذلك من خلال تمثلها في تعزيز قيم المنافسة عن طريق مسابقة "المحافظة على النظافة والصحة في البيئة المدرسية" وتكون هناك لجنة خاصة من الوزارة تشرف وتزور المدارس الحكومية والخاصة، ومن ثم اختيار أنظف وأرتب مدرسة أو فصل دراسي متقيد بجميع الأنظمة والقوانين المدرسية. علاوة على ذلك فإن المرافق العامة مسؤولية الجميع ولهذا فإن تنمية ثقافة المشاركة واحترام الممتلكات المشتركة داخل المدرسة تسهم في تكوين جيلاً أكثر وعيًا بدوره في حماية المرافق العامة والمحافظة عليها وأنها تمثل هوية الفرد والمجتمع كافة.
المسؤولية المجتمعية
ومن جهتها قالت أسماء بنت عبدالله البلوشي، عضوة بجمعية الاجتماعيين العُمانية: إن وجود مثل هذه السلوكيات السلبية في الأماكن العامة يؤثر بشكل مباشر في تماسك المجتمع ويضعف قيم الانتماء والهوية المجتمعية، إذ تعكس هذه التصرفات مستوى وعي الأفراد بمسؤولياتهم تجاه مجتمعهم ومرافقه العامة. فممارسات مثل رمي المخلفات في غير الأماكن المخصصة لها، وإتلاف الممتلكات العامة، والكتابة على الجدران، وإحداث الضوضاء، وعدم احترام خصوصية الآخرين، لا تقتصر آثارها على تشويه المظهر الحضاري، بل تؤثر أيضًا في جودة الحياة داخل المجتمع وتحد من استفادة الجميع من المرافق العامة.
وأضافت أن استمرار هذه السلوكيات يسهم في إضعاف الشعور بالمسؤولية الجماعية، ويستنزف الموارد المخصصة لصيانة المرافق وإعادة تأهيلها، مؤكدة أن المحافظة على الممتلكات العامة مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، مرورًا بالمدرسة ووسائل الإعلام، وصولًا إلى مختلف مؤسسات المجتمع، من خلال غرس قيم احترام الممتلكات العامة، وتعزيز الوعي المجتمعي، وتشجيع المبادرات التطوعية، إلى جانب تطبيق الأنظمة على المخالفين. وأكدت أن المحافظة على المرافق العامة تمثل سلوكًا حضاريًا يعكس وعي المجتمع ورقيه، ويعزز صورة المجتمع هويته الحضارية أمام أفراده والزائرين، ومن جهة أخرى، فإن مكافحة السلوكيات السلبية لا تقتصر على فرض القوانين والعقوبات فقط، بل تبدأ من تعزيز التربية والقيم الأخلاقية داخل الأسرة، والمدرسة، ووسائل الإعلام، من خلال نشر ثقافة احترام النظام، والتعاون، والمحافظة على الممتلكات العامة. فكل فرد يتحلّى بالسلوك الإيجابي يسهم في بناء مجتمعًا أكثر تماسكًا، ويعزز مشاعر الفخر والانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية.وعليه فإن احترام الأماكن العامة يعكس احترام الإنسان لمجتمعه ووطنه، ويُعد مؤشرًا على وعيه وثقافته؛ فالمجتمعات المتقدمة تبنى بسلوك أفرادها قبل أن تبنى بمرافقها وإنجازاتها.
وأضافت أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤثر في سلوك الأفراد تجاه الممتلكات العامة، سواء بصورة إيجابية أو سلبية، وذلك بحسب طريقة استخدامها وطبيعة المحتوى المتداول عبرها. فمن الناحية الإيجابية، تسهم هذه المنصات في نشر الوعي بأهمية المحافظة على الممتلكات العامة، وتعزيز قيم المواطنة والانتماء، من خلال الحملات التوعوية والمبادرات المجتمعية التي تشجع على النظافة، واحترام الأنظمة، وحماية المرافق العامة، كما تساعد في إبراز النماذج الإيجابية وتحفيز الآخرين على الاقتداء بها.
أما من الجانب السلبي، فقد تسهم بعض المحتويات في نشر سلوكيات غير مسؤولة، مثل تصوير أعمال التخريب أو التصرفات غير اللائقة بهدف جذب الانتباه أو تحقيق الشهرة، مما قد يشجع البعض على تقليد هذه الممارسات دون إدراك آثارها على المجتمع. وأكدت أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي يعتمد في المقام الأول على وعي المستخدمين وقدرتهم على اختيار المحتوى النافع، واستثمار هذه المنصات في ترسيخ القيم الإيجابية، وتعزيز الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع وممتلكاته العامة.
