"القيادة الاستراتيجية" تعيد تشكيل مستقبل التعليم العالي والاعتماد الأكاديمي
تتزايد أهمية القيادة الاستراتيجية في مؤسسات التعليم العالي بوصفها عنصرًا أساسيًا في تطوير أداء الجامعات وتعزيز جودة مخرجاتها، وفي هذا الحوار، نسلط الضوء على مفهوم القيادة الاستراتيجية وعلاقتها بالاعتماد الأكاديمي، ودورها في بناء مؤسسات تعليمية قادرة على التكيف مع المتغيرات وتحقيق التحسين المستمر، من خلال قراءة تحليلية في حوار مع الدكتورة نوال بنت أحمد الهوتي رئيسة قسم التدريب والتأهيل بدائرة الموارد البشرية بوزارة التعليم حول هذا الموضوع.
-ما المقصود بالقيادة الاستراتيجية في مؤسسات التعليم العالي؟ وما الفرق بينها وبين الإدارة التقليدية؟
القيادة الاستراتيجية هي قدرة القيادات الجامعية على بناء رؤية مستقبلية واضحة، وتوجيه الموارد البشرية والمادية، وإدارة التغيير، وصناعة ثقافة مؤسسية داعمة للجودة والتحسين المستمر. أما الإدارة التقليدية فتركز غالبًا على تسيير العمل اليومي، وتنفيذ اللوائح، ومتابعة الجداول، وحل المشكلات الإجرائية ،والفرق الجوهري أن الإدارة التقليدية تسأل: كيف ننجز العمل؟ بينما القيادة الاستراتيجية تسأل إلى أين نريد أن نصل؟ وكيف نضمن الاستمرار والجودة والتنافسية؟
-ما الذي يجعل موضوع القيادة داخل الجامعات مهمًا اليوم أكثر من السابق؟
لأن الجامعات لم تعد تعمل في بيئة مستقرة؛ فهي تواجه تحولات معرفية وتكنولوجية واقتصادية وسوق عمل متغير، إضافة إلى التنافس في التصنيفات والاعتماد والجودة. لذلك تحتاج الجامعة إلى قيادة لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تتوقع المستقبل وتتكيف مع التغيرات وتحافظ على القيم الأكاديمية وجودة التعليم.
-هل تختلف متطلبات القيادة الاستراتيجية في الجامعات الحكومية عن الخاصة؟
نعم، تختلف في بعض الجوانب، لكنها تتفق في الجوهر، فالجامعات الحكومية تحتاج إلى قيادة قادرة على المواءمة بين السياسات الوطنية، والمساءلة العامة، والموارد الحكومية، وخدمة المجتمع. أما الجامعات الخاصة فتحتاج إلى قيادة تجمع بين الجودة الأكاديمية والاستدامة المالية والتنافسية واستقطاب الطلبة. لكن في الحالتين تظل متطلبات الاعتماد واحدة تقريبًا وتتمثل في الرؤية الواضحة، جودة البرامج، الحوكمة، مشاركة أصحاب العلاقة، قياس جودة المخرجات، والتحسين المستمر.
-كيف تسهم القيادة الاستراتيجية في حصول الجامعات والكليات على الاعتماد الأكاديمي والمحافظة عليه؟
تسهم من خلال تحويل الاعتماد من ملف إداري إلى مشروع مؤسسي. فالقيادة الاستراتيجية تضع الاعتماد ضمن الخطة الاستراتيجية، توزع المسؤوليات، تطور السياسات والهياكل، تنمي قدرات أعضاء هيئة التدريس، تتابع مؤشرات الأداء، وتبني ثقافة جودة. والكتاب يؤكد أن مرحلة ما بعد الاعتماد هي التحدي الأكبر؛ لأن المطلوب ليس الحصول على شهادة الاعتماد فقط، بل الحفاظ على مكتسباتها وقياس أثرها على الأداء المؤسسي والبرامجي.
-ما مدى تأثير القيادة الاستراتيجية في تحقيق الاعتماد الأكاديمي مقارنةً بالعوامل التنظيمية والأكاديمية الأخرى؟
الاعتماد الأكاديمي لا ينتج عن القيادة وحدها، لكنه لا ينجح دون قيادة استراتيجية. هناك عوامل أخرى مثل التمويل، الكفاءات، والبنية الأساسية ، ووضوح المعايير، مشاركة أعضاء هيئة التدريس، ووجود نظام داخلي للجودة. لكن القيادة هي التي تنسق هذه العوامل وتحولها إلى أداء مؤسسي منظم.
-ما أبرز الأخطاء القيادية التي قد تؤدي إلى تعثر مؤسسات التعليم العالي في تحقيق متطلبات الاعتماد؟
أبرز الأخطاء تتمثل في التعامل مع الاعتماد بوصفه وثائق وتقارير فقط، بالإضافة إلى ضعف إشراك أعضاء هيئة التدريس والطلبة، وغياب خطة واضحة لمرحلة ما بعد الاعتماد، وضعف الرقابة التنظيمية، وضعف التحفيز، وعدم بناء ثقافة جودة.
-هل يمكن أن تحقق مؤسسة تعليمية الاعتماد دون وجود ثقافة مؤسسية داعمة للجودة؟
قد تحصل المؤسسة على الاعتماد شكليًا إذا استوفت الأدلة والوثائق، لكنها لن تستطيع المحافظة عليه أو تحويله إلى تطوير حقيقي دون ثقافة جودة. الثقافة المؤسسية هي التي تجعل الجودة ممارسة يومية وليست مهمة موسمية مرتبطة بزيارة فريق الاعتماد.
-ما الذي ينقص بعض الجامعات حتى تستمر في التطوير بعد الاعتماد؟
ينقصها غالبًا وجود خارطة طريق واضحة لما بعد الاعتماد، كما ينقصها وجود مؤشرات أداء قابلة للقياس، ونظام متابعة دوري، ومشاركة واسعة من أعضاء هيئة التدريس والطلبة، وحوافز للفرق العاملة في الجودة. الكتاب يبين أن الحصول على الاعتماد هو بداية الطريق نحو الجودة الشاملة وليس نهايته.
-كيف يمكن للجامعة أن تحافظ على جودة التعليم بعد سنوات من حصولها على الاعتماد؟
يمكنها من خلال المراجعة الدورية للبرامج، وتحديث المقررات، وقياس مخرجات التعلم، ومتابعة آراء الطلبة والخريجين وأرباب العمل، وتدريب أعضاء هيئة التدريس، وتفعيل وحدات ضمان الجودة. الأهم هو ألا تنتظر الجامعة موعد تجديد الاعتماد لتبدأ التحسين.
-ما المؤشرات التي تدل على أن المؤسسة التعليمية تطبق القيادة الاستراتيجية بفعالية؟
من بين أهم المؤشرات هو وجود رؤية واضحة، وخطط استراتيجية قابلة للتنفيذ، وقرارات مبنية على بيانات، ومشاركة أصحاب العلاقة، وتطوير مستمر للبرامج، ودعم للبحث والابتكار، واستثمار جيد للموارد، وثقافة مؤسسية أخلاقية، وتحسّن واضح في مخرجات الطلبة والخريجين.
-كيف يمكن قياس أثرها على مخرجات التعليم وسوق العمل؟
يمكن من خلال نسب توظيف الخريجين، ورضا أرباب العمل، وجودة مخرجات التعلم، ونتائج الطلبة، والاعتماد البرامجي، وجودة البحث العلمي، وحجم الشراكات مع سوق العمل، ومدى تحديث البرامج وفق المهارات المطلوبة.
-كيف تتعامل القيادة مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي؟
لا تتعامل القيادة الاستراتيجية مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي كأداة تقنية فقط، بل كتحول مؤسسي؛ إذ عليها تطوير البنية الرقمية، وتدريب الأكاديميين، ومراجعة المناهج، وإدماج مهارات الذكاء الاصطناعي، ووضع ضوابط أخلاقية لاستخدام التقنية في التعليم والبحث.
-إلى أي مدى يؤثر أسلوب قيادة الجامعة على تصنيفها وسمعتها؟
يؤثر أسلوب قيادة الجامعة على تصنيفها وسمعتها بدرجة كبيرة؛ لأن التصنيف والسمعة لا ينتجان عن جانب واحد، بل عن جودة التعليم، والبحث العلمي، والشراكات، ورضا الطلبة، وتوظيف الخريجين. وهذه كلها تحتاج إلى قيادة استراتيجية لا تعمل بردود الأفعال، بل وفق رؤية طويلة المدى.
-ما دور أعضاء هيئة التدريس في نجاح القيادة الاستراتيجية؟
يلعب أعضاء هيئة التدريس دورا محوريا في نجاح القيادة لأنهم يمثلون العمود الفقري لأي تحول؛ إذ لا يمكن تنفيذ الخطة الاستراتيجية أو متطلبات الاعتماد دون اقتناعهم ومشاركتهم. فهم من يطبقون المناهج، ويقيسون مخرجات التعلم، ويطورون البحث، ويتعاملون مباشرة مع الطلبة.
-هل الطلبة لهم دور في تحسين جودة الجامعة؟
للطلبة دور أساسي وهام في تحسين جودة التعليم. الطالب يلاحظ جودة التدريس، ووضوح المقرر، وفاعلية الإرشاد الأكاديمي، والخدمات، والبيئة الجامعية؛ لذلك فإن رأيه مؤشر أساسي في التحسين المستمر.
-هل يمكن أن يلاحظ الطالب وجود تخطيط استراتيجي داخل جامعته؟
يلاحظه من خلال وضوح الخدمات، وانتظام الإجراءات، وجودة المقررات، وتوفر الدعم الأكاديمي، واستخدام التقنية، وتوفير فرص التدريب، ووضوح التواصل مع الإدارة، وتحسّن التجربة التعليمية عامًا بعد عام.
-لماذا تختلف جودة التجربة التعليمية من جامعة إلى أخرى رغم تشابه المناهج؟
المنهج وحده لا يصنع الجودة والفارق تصنعه القيادة، وكفاءة عضو هيئة التدريس، والبيئة التعليمية، وأساليب التقويم، والدعم الطلابي، والموارد، وثقافة المؤسسة.
-هل الجامعات تركز أكثر على النتائج أم التطوير المستمر؟
بعض المؤسسات تركز على النتائج الظاهرة مثل الحصول على الاعتماد أو تحسين الترتيب، بينما المطلوب هو التركيز على التطوير المستمر. فالنتائج مهمة، لكنها يجب أن تكون ثمرة لثقافة تحسين لا مجرد هدف مؤقت.
-كيف تسهم القيادة الاستراتيجية في تعزيز البحث العلمي والابتكار؟
تسهم من خلال توفير البيئة البحثية المحفزة، ودعم التمويل، وتشجيع الشراكات، وتقليل البيروقراطية، وربط البحث بأولويات المجتمع، وتحفيز الباحثين. القيادة الاستراتيجية تجعل البحث جزءًا من هوية الجامعة لا نشاطًا فرديًا متفرقًا.
-ما العلاقة بين القيادة الاستراتيجية والاستدامة المؤسسية؟
الاستدامة المؤسسية تعني قدرة الجامعة على الاستمرار والتطور رغم تغير الظروف. وهذا لا يتحقق إلا بقيادة تحسن استثمار الموارد، وتبني قيادات مستقبلية، وتطور البرامج، وتحافظ على الثقة المجتمعية.
-كيف تحقق الجامعات التوازن بين الاعتماد وسوق العمل؟
تحقق الجامعات التوازن بين الاعتماد الأكاديمي وسوق العمل من خلال عدم النظر إلى الاعتماد كمتطلب خارجي فقط، بل كفرصة لمراجعة البرامج وفق احتياجات سوق العمل. وهذا يتطلب إشراك أرباب العمل، والمجالس الاستشارية، والخريجين، والطلبة في تطوير البرامج.
-ما أبرز التحديات التي تواجه مؤسسات التعليم العالي العُمانية؟
هناك عدد من التحديات التي تواجه مؤسسات التعليم العالي العُمانية من بينها حداثة تجربة التعليم العالي نسبيًا، وتعدد المؤسسات، والحاجة إلى ترسيخ ثقافة الجودة، ومحدودية الدراسات حول مرحلة ما بعد الاعتماد، وتفاوت الممارسات بين الكليات، والحاجة إلى قيادات تمتلك مهارات التخطيط والتغيير والتحسين المستمر.
-ما الذي لاحظته أثناء إعداد الكتاب حول واقع الجامعات العُمانية؟
أبرز ما لاحظته أثناء إعدادي للكتاب هو أن هناك اهتمامًا واضحًا بالاعتماد والجودة في سلطنة عمان، خاصة في تجربة جامعة السلطان قابوس التي أولت عناية فائقة لهذا الأمر وحققت الكثير من الإنجازات في هذا الجانب، لكن يبقى التحدي الأكبر دائما هو الانتقال من مرحلة الحصول على الاعتماد إلى مرحلة استدامة التحسين بعده.
-ما أبرز التجارب الدولية التي يمكن أن تستفيد منها مؤسسات التعليم العالي في عُمان؟
هناك بالتأكيد العديد من التجارب الدولية الناجحة التي يمكن أن تستفيد منها مؤسسات التعليم العالي في عُمان. ولعل الأهم هنا هو الاستفادة من التجارب التي تجعل الاعتماد جزءًا من نظام داخلي مستمر للجودة، لا مجرد زيارة خارجية. مثل التجارب التي تربط الاعتماد بمخرجات التعلم، وتوظيف الخريجين، والبحث العلمي، والتقويم الدوري، ومشاركة أصحاب العلاقة.
-ما أهم تغيير يجب أن يكون في إدارة الجامعات خلال السنوات القادمة؟
أن تنتقل الإدارة الجامعية من ثقافة الامتثال للمعايير فقط إلى ثقافة الأثر؛ أي ألا يكون السؤال: هل استوفينا المتطلبات؟ بل ما أثر ما نقوم به على كلّ من الطالب، والبرنامج، والبحث، والمجتمع، وسوق العمل؟
-ما أكثر فكرة صعبة حاول الكتاب تبسيطها؟
الفكرة الأهم هي أن الاعتماد الأكاديمي ليس شهادة تدلّ على جودة المؤسسة التعليمية فحسب، بل منظومة تغيير مستمر. حاول الكتاب تبسيط العلاقة بين القيادة الاستراتيجية والاعتماد من خلال ربطها بممارسات واضحة كالرؤية، والهياكل، والموارد البشرية، والثقافة، والقيم، والشراكات، والموارد.
-ما أهم فكرة يريد الكتاب أن يفهمها القارئ؟
إن جودة الجامعة لا تتحقق بالقرارات وحدها، ولا بالوثائق وحدها، ولا بالاعتماد وحده – بالرغم من أهميتها جميعا؛ بل تتحقق عندما توجد قيادة استراتيجية قادرة على تحويل الاعتماد إلى ثقافة مؤسسية مستمرة للتحسين.
-قدمي ثلاث توصيات لقيادات الجامعات العُمانية لتعزيز النجاح في الاعتماد الأكاديمي:
الأولى: بناء قيادات أكاديمية تمتلك مهارات التخطيط الاستراتيجي وإدارة التغيير.
الثانية: تحويل الجودة إلى ممارسة يومية يشارك فيها أعضاء هيئة التدريس والطلبة والشركاء.
الثالثة: إنشاء نظام متابعة لما بعد الاعتماد يقوم على مؤشرات أداء واضحة، وتقارير دورية، وخطط تحسين مستمرة. وقد أكد التصور المقترح في الكتاب أهمية إعداد قادة يمتلكون مهارات القيادة والتخطيط والتكيف مع التغيرات الناتجة عن الاعتماد.
-كيف يعرف الطالب أو ولي الأمر أن الجامعة ذات جودة عالية؟
على ولي الأمر أن ينظر إلى عدد من العلامات التي من بين أهمها حصول المؤسسة أو برامجها على اعتماد أكاديمي معتبر، ووضوح الرؤية والرسالة، وجودة أعضاء هيئة التدريس، وقوة الإرشاد والدعم الطلابي، وارتباط البرامج بسوق العمل، وتوفر تدريب عملي، وشفافية المعلومات، ورضا الخريجين وأرباب العمل، ووجود تحسن مستمر في الخدمات والبرامج. الجامعة الجيدة لا تكتفي بأن تقول إنها معتمدة؛ بل أن أثر الجودة فيها يظهر في تجربة الطالب ومخرجاته وفرصه بعد التخرج.
