العيد في سلطنة عُمان.. مظاهر اجتماعية وثقافية تتوارثها الأجيال
كتبت ــ نورة العبري / "تصوير: عبدالواحد الحمداني"
تُعد الأعياد في سلطنة عُمان مناسبة اجتماعية وثقافية تعلو فيها قيم التلاحم والتكافل والفرح، وتمتزج الطقوس الدينية بالعادات الشعبية التي توارثها العُمانيون عبر الأجيال، لتشكّل لوحة تراثية نابضة بالحياة وعاكسة للبهجة والفرح.
وتبرز خلال أيام العيد العديد من الفعاليات الشعبية التي تعكس الهُوية العُمانية، تتضمن العيود والألعاب الشعبية التي لا تزال حاضرة في القرى والولايات رغم التطور التقني وتغيّر أنماط الحياة، مما يدل على مكانتها وأهميتها بين أفراد المجتمع، ويحرص الأهالي في مختلف محافظات سلطنة عُمان على إحياء الأجواء التراثية خلال العيد، حيث تتجمع الأسر في الساحات العامة والأسواق القديمة، وتقام الفنون الشعبية مثل الرزحة والعازي، إلى جانب الألعاب التقليدية التي تستقطب الأطفال والكبار معا، لتتحول المناسبة إلى مساحة للترفيه وتعزيز الروابط الاجتماعية.
والعيود في بعض الولايات العُمانية يبدأ بتجمعات واحتفالات شعبية تُقام في أيام العيد، وتشمل عروضًا تراثية ومسابقات وألعابًا للأطفال، إضافة إلى البيع والشراء والأنشطة الترفيهية التي تمنح العيد طابعًا مميزًا، وتُعد هذه الفعاليات فرصة لتعريف الأجيال الجديدة بالموروث الشعبي العُماني وغرس قيم الانتماء والهُوية الوطنية، إضافة إلى تعريف السياح بالعادات والتقاليد العُمانية التي تتجلى مظاهرها في العيد، وتقدم لهم مساحة معرفية للتعرف عن قرب بالموروثات الشعبية.
أما الألعاب الشعبية العُمانية، فهي جزء أصيل من التراث غير المادي الذي حافظ عليه المجتمع العُماني عبر السنين، ومن أبرزها لعبة "الحواليس" التي تعتمد على الذكاء والحسابات الدقيقة، إلى جانب ألعاب أخرى كانت تُمارس في الساحات والحارات القديمة، وأسهمت في تنمية روح التعاون والتنافس الشريف بين الأطفال، وخلق روح المرح والسعادة لهم في أيام العيد.
كما تأتي فعالية العيود والعزوة في مقدمة مظاهر الاحتفال بالعيد، فهي مظهر فريد يستقطب الزائرين الذين يستمتعون بهذه الفنون الجميلة ويشترون الحلوى والألعاب، كما يجذب الباعة الذين يفترشون بضائعهم الناس في جو يسوده المرح والمتعة، ويكتسب فن الرزحة والعازي حضورا لافتا، إذ تحيي فرق الفنون العُمانية بالولايات أهازيج خاصة بهذه المناسبة.
وغالبا ما تبدأ فعاليات العيود في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، وتهدف لرسم البهجة والابتسامة على وجوه الأطفال والأسر والزائرين، بالإضافة إلى الاحتفال بأجواء العيد وسط مظاهر من الفرح والترفيه والتسلية، كما تعد الفعاليات المصاحبة له فسحة للزوار والعائلات لقضاء أجمل الأوقات الممتعة، وتشتمل على فعاليات ترفيهية وتراثية وثقافية لمختلف شرائح المجتمع، إضافة إلى عروض موسيقية وفعاليات ركوب الخيل.
ويتوافد الأطفال والكبار إلى مواقع العيود المنتشرة في جميع الولايات، من خلال تنوع المعروضات من الألعاب المختلفة التي يحبها الأطفال ويتقنون نوعيتها، إلى جانب الحلويات العُمانية التي تتقنها اليد المحلية بعذوبتها وطعمها وقيمتها الغذائية، واستكمالا للفرحة ولمظاهر العيد يحرص جميع الأهالي على تشجيع أطفالهم على الذهاب إلى العيود، حيث تتاح لهم حرية التجول في العيود وشراء ما يتم عرضه من ألعاب وهدايا وحلويات وغيره.
ويستخدم الأطفال «العيدية» التي حصلوا عليها من أقاربهم وجيرانهم لشراء مختلف الألعاب والهدايا والحلويات التي تناسب أعمارنا، إلى جانب المشاركة في المسابقات والبرامج المختلفة.
وفي هذا السياق، أكد شهاب الناصري أن العيود تعد من أهم مظاهر العيد في السلطنة، وتعمل على زيادة التواصل والالتقاء بين أفراد المجتمع والتآلف الاجتماعي، حيث لها أهمية بالغة وعظيمة في الحياة العامة، وتغرس الشعور لدى الأطفال بالولاء والانتماء إليه، بالإضافة إلى غرس مبدأ التكافل والتآلف الاجتماعي، مشيرا إلى أنها تلعب دورا بارزا في تقوية أواصر الأخوة والتعاون والتكاتف بين أفراد المجتمع، حيث إنها تثير البهجة والفرحة والسرور والألفة في نفوس الأطفال والكبار على وجه العموم، كما تصاحب العيود فنون تقليدية مختلفة ومسابقات لمختلف الأعمار من الأطفال، مما يسعد جميع الحضور في المشاركة والتفاعل.
وتقول شيماء المزروعي: إن للعيد عادات وتقاليد تختلف في كل ولاية من ولايات سلطنة عُمان، حيث تسعى جميع محافظات السلطنة إلى الحفاظ على موروثها الاحتفالي بالعيد من خلال إحياء العادات والتقاليد، التي صاحبته منذ القدم وغرسها في نفوس الصغار لتظل مستمرة سنوات طويلة، ويحرص الجميع على التمسك بها؛ لأهميتها في توطيد أواصر الصداقة والمحبة، مضيفة أن العيود بما تحتويه من فعاليات تغرس فينا مشاعر المحبة لعاداتنا الأصيلة التي نفتخر باستمرارها وتوارثها من جيل لآخر.
وأوضح محمد المزروعي أن العيود تضم مجموعة متنوعة من العروض الترفيهية والتعليمية التي تناسب جميع الفئات العمرية، وتشمل على عروض مسرحية، وألعاب تفاعلية، إلى جانب إقامة معرض متنوع يضم مختلف الأركان للتسوق، مما يعزز من الشعور بالأجواء الاحتفالية خلال العيد، وتوفير مساحة ترفيهية تجمع بين المرح والتعلم، وتسهم في خلق تجربة فريدة للعائلات والأطفال في بيئة مفعمة بالحيوية والتفاعل الاجتماعي.
وتحدث سالم الرواحي عن فعاليات العيد بقوله: إن مظاهر العيود تمثل نموذجا متكاملا للمهرجانات المجتمعية التي تميّز سلطنة عُمان؛ وتتحول الساحات إلى فضاءات مفتوحة للفرح المشترك، تُقام فيها الألعاب الشعبية، وتُنظم مسابقات للأطفال والشباب، فمن خلالها تستعاد مشاهد من الحياة التقليدية في كل المناطق، مؤكدا أن العيود وما تصاحبها من فعاليات مختلفة وفنون شعبية تعد فرصة للتعليم غير المباشر خاصة للأطفال، ونقل التراث عبر التجربة، وينعكس كل ذلك في منظومة القيم التي تتجلّى تفاصيلها في سلوك المجتمع، وبقاء عاداتنا وتقاليدنا حية ومتجددة.
وعقّب سلطان الحراصي في مداخلته على مظاهر العيد قائلا: في أزقة القرى العُمانية وساحاتها القديمة، يأتي العيد محملًا بأصوات الضحكات ووقع الأقدام الصغيرة وهي تركض خلف الألعاب الشعبية، وتتعالى الأهازيج وتلتف العائلات حول مشاهد الفرح التي تصنعها "العيود" عبر السنين، مشيرا إلى أن تلك المظاهر لم تكن مجرد وسائل للتسلية، بل ذاكرة شعبية حية تختزن تفاصيل البساطة والمحبة وروح الجماعة التي ميزت المجتمع العُماني قديمًا، وقام الأجيال بنقلها بكل تفاصيلها والإصرار على عدم التهاون فيها أو الاستغناء عنها.
