"الصحة": منظومة وطنية متكاملة لرعاية كبار السن تواكب التغيرات الديموغرافية
تعمل وزارة الصحة على تطوير نموذج وطني رائد للرعاية المتكاملة لكبار السن، وبناء منظومة مستدامة تركز على مفهوم الشيخوخة الصحية والنشطة، وتعزز التكامل بين مختلف الجهات، إلى جانب دعم الابتكار في الخدمات المقدمة لهذه الفئة، وذلك في ظل التغيرات الديموغرافية المتوقعة التي تشير إلى ارتفاع نسبة كبار السن من إجمالي السكان إلى نحو 11.8% بحلول عام 2040.
وأكدت الوزارة أن هذه التحولات تتطلب إطلاق برامج متخصصة تسهم في تمكين كبار السن من مواصلة دورهم الفاعل في المجتمع، والاستفادة من خبراتهم المتراكمة في دعم مسارات التنمية الوطنية، بما يعزز جودة حياتهم، ويضمن حصولهم على خدمات صحية واجتماعية متكاملة.
وقالت الدكتورة نبيلة بنت حمود الوهيبي استشارية أولى طب الأسرة والمجتمع ومديرة برنامج صحة كبار السن، في حديث لـ"عُمان": إن سلطنة عُمان أولت رعاية كبار السن اهتماما مبكرا؛ حيث بدأت الخدمات عبر مبادرات رائدة في مجال الرعاية المنزلية، قبل دمجها لاحقا ضمن منظومة الرعاية الصحية الأولية وتوسيع نطاقها على مستوى سلطنة عُمان.
وأضافت: إن برنامج صحة كبار السن شهد تطورات متتابعة أسهمت في تعزيز مستوى الخدمات المقدمة؛ حيث تم في عام 2015م دمج خدمات رعاية كبار السن مع خدمات التمريض المجتمعي، الأمر الذي عزز التكامل في تقديم الرعاية الصحية لهذه الفئة.
وأوضحت أن عام 2018م مثّل محطة مهمة في مسيرة تطوير البرنامج، من خلال تحديث الأدلة الاسترشادية الخاصة برعاية كبار السن وأتمتة الخدمات ضمن النظام الصحي الإلكتروني (الشفاء 3)، بما أسهم في رفع كفاءة المتابعة وتحسين جودة الرعاية الصحية المقدمة.
وأضافت: في مايو 2025 تم تشكيل الفريق الوطني لبرنامج صحة كبار السن، ليضم كفاءات وطنية متعددة التخصصات من مختلف مستويات الرعاية الصحية والخدمات الداعمة، ويتميز الفريق بأن أعضاءه من الممارسين الميدانيين الذين يلامسون احتياجات كبار السن وتحديات الخدمات بشكل مباشر، مما يسهم في تطوير مبادرات وحلول عملية مبنية على الواقع.
وأوضحت أن الفريق يعمل على تطوير منظومة الرعاية المتكاملة لكبار السن من خلال دراسة الواقع الحالي واستشراف الاحتياجات المستقبلية، وتطوير السياسات والمبادرات الوطنية، وتعزيز التكامل بين القطاعات الصحية والاجتماعية والمجتمعية، بما يواكب التغيرات الديموغرافية ومستهدفات رؤية "عُمان 2040"، مع التركيز على تحسين جودة الحياة، والمحافظة على استقلالية كبار السن وتمكينهم من المشاركة الفاعلة في المجتمع
واقع الخدمات
وأشارت الدكتورة نبيلة الوهيبي إلى أن سلطنة عُمان حققت إنجازات رائدة في مجال رعاية كبار السن حظيت بتقدير دولي، تُوِّجت بحصولها على جائزة منظمة الصحة العالمية في مجال رعاية كبار السن وتعزيز الصحة عام 2024. كما شهدت السنوات الأخيرة مبادرات داعمة للشيخوخة الصحية والنشطة، من بينها انضمام عدد من المدن والمجتمعات العُمانية إلى الشبكة العالمية للمدن والمجتمعات الصديقة لكبار السن التابعة لمنظمة الصحة العالمية، إلى جانب اعتماد مراكز تجارية معززة لكبار السن. وقالت: "نعمل اليوم على البناء على هذه الإنجازات من خلال تطوير نموذج وطني للرعاية المتكاملة يواكب التغيرات الديموغرافية المتوقعة، ويعزز جودة الحياة واستقلالية كبار السن.
وحول أبرز الأولويات خلال المرحلة الحالية، بينت الوهيبي أن البرنامج يركز حاليا على تطوير نموذج وطني للرعاية المتكاملة لكبار السن، وتحديث الأدلة والسياسات الوطنية بما يتوافق مع معايير منظمة الصحة العالمية ومستهدفات رؤية "عُمان 2040"، وتعزيز خدمات الرعاية الطبية المنزلية والتطبيب عن بعد، والعيادات التكاملية لكبار السن.
كما يعمل البرنامج على تحسين التكامل بين الخدمات الصحية والاجتماعية، وتعزيز الكشف المبكر عن المشكلات الصحية المرتبطة بالتقدم في العمر، وتمكين مقدمي الرعاية، وبناء القدرات الوطنية، وتطوير مؤشرات الأداء الوطنية لقياس جودة الخدمات ومخرجاتها، بما يدعم تحقيق الشيخوخة الصحية والنشطة، ويعزز جودة الحياة واستقلالية كبار السن.
الرعاية المتكاملة
وعن مساهمة الرعاية المتكاملة في تحسين جودة حياة كبار السن واستقلاليتهم، أوضحت الدكتورة الوهيبي أن الرعاية المتكاملة تعتمد على مفهوم الرعاية المتمحورة حول الشخص؛ إذ يُنظر إلى كبير السن بصورة شمولية تراعي احتياجاته الصحية والنفسية والاجتماعية والوظيفية، مع إشراكه في القرارات المتعلقة برعايته.
وأضافت: يسهم هذا النهج في الكشف المبكر عن المشكلات الصحية، وتحسين القدرة الوظيفية، والحد من المضاعفات وتقليل الدخول المتكرر للمؤسسات الصحية، بما يعزز استقلالية كبار السن وجودة حياتهم، ويدعم مفهوم الشيخوخة الصحية والنشطة.
وتابعت: جاءت فرق مشاريع الرعاية المتكاملة لصحة كبار السن كمخرجات لحلقات تطوير قطاع كبار السن في سلطنة عُمان، والتي نُفذت بالشراكة بين وزارة التنمية الاجتماعية ووزارة الصحة ووحدة متابعة تنفيذ رؤية "عُمان 2040"، وبمشاركة واسعة من الجهات الحكومية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والخبراء والمختصين.
وقد هدفت هذه الحلقات إلى دراسة واقع خدمات كبار السن، وتحديد التحديات والفرص المستقبلية، واقتراح مبادرات وطنية تسهم في تعزيز الشيخوخة الصحية والنشطة وتحسين جودة الحياة لكبار السن.
وأسفرت مخرجاتها عن اعتماد ثلاثة مشاريع وطنية للرعاية المتكاملة بصحة كبار السن بتاريخ 14 مايو 2026، وهي: مشروع العيادة التكاملية لكبار السن، ومشروع الرعاية الطبية المنزلية، ومشروع تمكين وتأهيل مقدمي الرعاية.
وتضم فرق المشاريع نخبة من الكفاءات الوطنية متعددة التخصصات، تشمل طب الأسرة، وطب الأعصاب، وطب النفس وصحة المسنين، والتمريض المتخصص، وتمريض الرعاية المنزلية، والتأهيل الطبي، والتغذية العلاجية، والتثقيف الصحي، والشراكة المجتمعية، إلى جانب ممثلين من الجهات ذات العلاقة، بما يعكس مفهوم الرعاية المتكاملة القائم على التكامل بين الجوانب الصحية والاجتماعية والمجتمعية لخدمة كبار السن.
نهج التقييم الشامل
وعن إنجازات فرق مشاريع الرعاية المتكاملة، قالت: إن الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ تحقق عبر تشكيل فرق المشاريع متعددة التخصصات، وعقد الاجتماع الأول للفرق التطويرية بتاريخ 4 يونيو 2026، وإعداد الخطط التنفيذية، والبدء في تحليل الوضع الراهن للخدمات، إلى جانب تعزيز التعاون مع منظمة الصحة العالمية والشركاء الوطنيين لدعم تطوير خدمات الرعاية المتكاملة لكبار السن.
وحول أبرز التحديات، أوضحت أن التحول الديموغرافي المتسارع وارتفاع أعداد كبار السن من أبرز التحديات التي تتطلب التخطيط والاستعداد المبكر، إضافة إلى اتعدد الأمراض المزمنة والاحتياجات الصحية والاجتماعية المصاحبة للتقدم في العمر، والحاجة إلى تعزيز التكامل بين الخدمات الصحية والاجتماعية، وتطوير الكوادر المتخصصة في مجال رعاية كبار السن، وتعزيز الوعي المجتمعي بمفهوم الشيخوخة الصحية والنشطة.
واعتبرت الدكتورة هذه التحديات فرصة لتعزيز التكامل بين القطاعات المختلفة، وتطوير خدمات أكثر كفاءة واستدامة، وبناء منظومة وطنية متكاملة تدعم الشيخوخة الصحية والنشطة، وتحسن جودة الحياة، وتمكن كبار السن من الحفاظ على استقلاليتهم ومواصلة دورهم الفاعل في المجتمع.
وللتعامل مع تحديات الأمراض المزمنة المتعددة لدى كبار السن، أوضحت مديرة برنامج صحة كبار السن أن البرنامج يعتمد على نهج التقييم الشامل لكبار السن والرعاية المتمحورة حول الشخص، والذي يراعي الجوانب الصحية والنفسية والاجتماعية والوظيفية بصورة متكاملة، مع إشراك كبير السن في القرارات المتعلقة برعايته وفق احتياجاته وأولوياته، مشيرة إلى أن هذا النهج يساعد في إعداد خطط رعاية فردية متكاملة، وتعزيز التنسيق بين مختلف التخصصات الصحية، والحد من المضاعفات المرتبطة بتعدد الأمراض والأدوية، بما يدعم المحافظة على القدرة الوظيفية والاستقلالية، ويعزز جودة الحياة والشيخوخة الصحية والنشطة.
تحول ديموغرافي
وحول مستقبل خدمات كبار السن في ظل التغيرات الديموغرافية، ذكرت: تشير أحدث بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أن عدد كبار السن العُمانيين (60 سنة فأكثر) بلغ 181.241 شخصا في عام 2024، كما تشير الإسقاطات السكانية إلى أنه من المتوقع أن يرتفع عدد كبار السن إلى 376.716 شخصا بحلول عام 2040، ليمثلوا نحو 11.8% من إجمالي السكان، الأمر الذي يعكس التحول الديموغرافي المتسارع الذي تشهده سلطنة عُمان، ويؤكد أهمية التخطيط والاستعداد المبكر لتطوير منظومة وطنية متكاملة ومستدامة لرعاية كبار السن”.
وأضافت: نطمح إلى بناء نموذج عُماني رائد للرعاية المتكاملة لكبار السن يرتكز على الشيخوخة الصحية والنشطة، والتكامل المؤسسي، والابتكار في الخدمات، وتمكين كبار السن من مواصلة دورهم الفاعل في المجتمع والاستفادة من خبراتهم المتراكمة في التنمية الوطنية.
واختتمت حديثها بتوجيه رسالة للأسر والمجتمع لدعم كبار السن وتمكينهم، بقولها: "كبار السن هم مصدر خبرة وحكمة وعطاء، وما نراه اليوم من إنجازات هو امتداد لما قدموه من جهود عبر السنوات. وندعو الأسر والمجتمع إلى تعزيز ثقافة احترام كبار السن وتمكينهم وإشراكهم في الحياة الأسرية والمجتمعية، والاستفادة من خبراتهم ومعارفهم، وتوفير بيئات داعمة تساعدهم على الحفاظ على استقلاليتهم وجودة حياتهم".
