No Image
عمان اليوم

الزواج الميسر يعزز الاستقرار الأسري والنفسي والمالي للمقبلين على الزواج

18 يوليو 2026
18 يوليو 2026

استطلاع - فاطمة الحديدي

يعد الزواج وبناء الأسرة، ركيزة أساسية في نمو المجتمع واستقراره، غير أن الظواهر التي نشهدها في السنوات الأخيرة في حفلات الزواج من تكاليف مرهقة، ووضع مجموعة من شروط المهر، شكلت تحديا للمقبلين على الزواج وزادت من نسب الطلاق في الآونة الأخيرة.

وحسب البيانات الإحصائية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء، ارتفع عدد عقود الزواج المسجلة لدى دوائر الكاتب بالعدل إلى 23 ألفًا و117 عقدًا خلال عام 2025، مقارنة بـ17 ألفًا و896 عقدًا في عام 2024، و14 ألفًا و716 عقدًا في عام 2023، مسجلًا نموًا بنسبة 57 بالمائة خلال عامين.

وبالمقابل ارتفع عدد وثائق الطلاق إلى 4 آلاف و208 وثائق خلال عام 2025، مقارنة بـ4 آلاف و122 وثيقة في عام 2024، و3 آلاف و828 وثيقة في عام 2023، محققًا نموًا بنسبة 9.9 بالمائة خلال الفترة نفسها.

و ترى الأخصائية النفسية نوار الجامودي أن التيسير في تكاليف الزواج يعد أحد العوامل الداعمة للاستقرار النفسي والأسري، لما يتركه من أثر إيجابي في تخفيف الضغوط المالية التي قد ترافق بدايات الحياة الزوجية، مؤكدة أن انحسار الأعباء المادية يسهم في تعزيز الشعور بالأمان والطمأنينة، ويتيح للزوجين التركيز على بناء علاقة قائمة على التفاهم والتعاون بعيدًا عن هواجس الديون والالتزامات المالية.

وأوضحت أن المغالاة في تكاليف الأعراس وما يصاحبها من تنافس اجتماعي ومقارنات مرتبطة بالمظاهر قد تفرض ضغوطًا نفسية متزايدة على الزوجين، الأمر الذي قد ينعكس على جودة العلاقة بينهما، ويسهم في نشوء الخلافات الناتجة عن التوتر وعدم الاستقرار النفسي، مشيرة إلى أن البساطة في إقامة الأعراس تساعد على توجيه الاهتمام نحو جوهر العلاقة الزوجية بدلًا من الانشغال بالجوانب الشكلية.

وأضافت أن ارتفاع تكاليف الزواج وتأخره قد يخلّف آثارًا نفسية واجتماعية لدى الشباب، تتمثل في الشعور بالإحباط والقلق والضغوط المستمرة، إلى جانب ما تفرضه التساؤلات المجتمعية المتكررة من أعباء نفسية إضافية، مبينة أن الثقافة الاستهلاكية وما تتيحه وسائل التواصل الاجتماعي من صور ومظاهر أسهمت في تغيير نظرة بعض الشباب إلى الزواج، وربط نجاحه بحجم الإنفاق وكلفة الاحتفال.

وأكدت الجامودي أن للأسرة دورًا محوريًا في تخفيف الضغوط النفسية عن الأبناء المقبلين على الزواج، من خلال احتوائهم والاستماع إلى مخاوفهم وتقديم الدعم المعنوي والمادي عند الحاجة، مشددة على أهمية ترسيخ ثقافة الزواج الميسر من خلال نشر الوعي بأهمية بناء الأسرة وتقديم نماذج ناجحة تؤكد أن قيمة الزواج تكمن في الاستقرار والتوافق النفسي والعاطفي، وليس في المبالغة في التكاليف.

وأشارت إلى أن المجتمع ووسائل الإعلام يقع على عاتقهما دور مهم في تصحيح مفهوم "الزواج المثالي" وإبراز التجارب الإيجابية للأعراس الميسرة، مؤكدة أن البدايات البسيطة تسهم في تعزيز روح المسؤولية والشراكة بين الزوجين، وأن الاستقرار الأسري يبدأ من جودة العلاقة القائمة على التفاهم والاحترام والتعاون، لا من حجم الاحتفال أو مظاهر البذخ المصاحبة له.

وشاركت مروة بنت مرهون السيابي، مرشدة دينية رأيها حول موضوع الزواج الميسر وقالت: الإسلام يرى أن الزواج الميسر هرم وقائي، ونظام أمان وحماية للمجتمع، فهو ليس فقط مجرد طريق احترازي ذي كلفة أقل. هو زواج تُسهَّل فيه الالتزامات المادية ويُغطَّى بأكبر قدر من القيمة والتقدير الإنساني حتى تبقى أبواب الحلال سهلة للجميع بدون عوائق، فالمهر جُعل لإنشاء الود والائتلاف، وكلما خُفف المهر كان أقرب لسُنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. فالبركة والثمرة في الحياة الزوجية متلاصقتان بالتيسير في التكاليف. تيسير الزواج هو الأصل في حفظ أخلاق المجتمع وعفاف شبابه، والحذر كل الحذر من تصعيب الإجراءات المادية فهي لا تبني المجتمع إنما تهدد الاستقرار المجتمعي.

وأضافت السيابية أن التيسير المشروع في الزواج يحافظ على إشهار الزواج بالفرحة والبهجة المعتدلة، ولا يشجع على التبذير والديون والبهرجة الزائدة، أما الإجحاف يعني إسقاط هيبة العقد وقيمته أو تقديم مهر فيه مهانة للفتاة وأهلها، وهذا يتعارض مع مقصد الشرع في الاحتفاء بالزواج وإشهاره بالمعروف. فالشرع أكد على مقصد الوسطية والاعتدال، أما الإجحاف الذي يهين من قيمة النكاح فهو ليس من التيسير المندوب، التيسير الراقي المهذب ليس معناه الإخلال بحقوق المرأة وليس معناه إخلالًا بالتقاليد العُمانية الأصيلة والطيبة، إنما هو تخليص من الكلفة والثقل المالي.

وأكدت السيابية على أن خفض التكاليف يختصر أعوام الانتظار وتجميع المال من أجل الزواج، ويمكِّن الشباب من توجيه طاقاتهم في بداية حياتهم نحو الإنتاج والاستقرار. وإن تيسير أسباب العفاف والتحصين واجب مجتمعي لابد أن يقوم به أولياء الأمور، لأن التعسير في الزواج من أسبابه أن يفتح أبواب المفاسد الاجتماعية. أما الشروط التي تثقل كاهل الخاطب وتراكم الطلبات ما قبل الزواج من هدايا ومتطلبات فائضة عن الحاجة، فالتيسير في تكاليف الزواج من شأنه أن يفتح سنويًا آلاف البيوت العُمانية المستقرة.

ورأت السيابية أن مقاصد الزواج في الإسلام هي السكن والمودة والرحمة، ولكن حين يبدأ هذا الزواج بفاتورة غالية الثمن وديون، يصبح السكن النفسي حلمًا لا حقيقة، لأن الذي يحل مكانه الخوف والقلق واللوم المتبادل بين الطرفين، فتتحول العلاقة الزوجية بسبب المبالغة في المهور والمبالغة في حفلات الأعراس والمبالغة في الشكليات من ميثاق غليظ أساسه التراحم والرضا والسكن المطمئن إلى حساسيات وخلافات سريعة وشحناء في القلوب تزيل البركة في بداية الحياة الزوجية وبالتالي تقود للطلاق المبكر.

تيسير الزواج في السنة النبوية..

وفي السنة النبوية الشريفة ذكرت مروة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغرس التيسير في الزواج لكي يكسر الفوارق الطبقية؛ فقد زوَّج الرسول صلى الله عليه وسلم ابنته السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها بمهر بسيط وهو أن عليًا رضي الله عنه قال: تزوجت فاطمة رضي الله عنها، فقلت: يا رسول الله ابن بي، قال: أعطها شيئاً، قلت: ما عندي من شيء! قال: فأين درعك الحطمية؟ قلت: هي عندي، قال: فأعطها إياه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لرجل: تزوج ولو بخاتم من حديد، حتى يغرس أن القيمة والاستثمار في المعدن الإنساني وليس في المظاهر المادية. فقد أُسس المجتمع الإسلامي الأول في حياة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم على العفاف والبساطة في الزواج، وكان الرسول ﷺ يبارك ويسهل عقود الزواج بأقل المتاع ليبني مجتمعًا قائمًا على المودة والوفاق.

الأسرة والتنشئة الصحيحة...

وتابعت السيابية حديثها حول أثر الأسرة على الزواج مستقبلا وقالت: الأثر يتضح في إنشاء الأسرة على قاعدة صلبة مستقرة؛ تبدأ بمادية مالية نظيفة خالية من الديون، مما يساهم في استثمار الدخل المالي في بناء مسكن مستقر ومستقل ومؤمَّن للمستقبل. كما ينتج من غياب الديون الصفاء الذهني والسلام الداخلي والطمأنينة والأمان والاستقرار العاطفي للزوجين.

وأضافت أن الأسرة هي الأساس الأول؛ فعندما يتجاوز الأب أو ولي الأمر عقلية المباهاة والتقليد، ويركز على الدين والخلق وقدرة الشاب المتقدم للزواج على إسعاد ابنته، وعندما يتنازل عن الشروط المكلفة، وعندما يكون للأم دور أساسي في تحصين ابنتها من مظاهر البهرجة والتقليد وتثقيفها بأن ليلة الزفاف هي بوابة لرحلة عمر طويلة، وتعليمها باستخدام عقلها الواعي للحفاظ على مال وسكن زوجها، فهنا تتضح المسؤولية الوالدية التي تتطلب التركيز على أهمية تربية الأبناء والبنات على البساطة والقناعة، والترفع عن التفاخر الاجتماعي، لأن ذلك من متطلبات العقيدة السليمة.

التوعية..

واختتمت السيابية حديثها عن دور المؤسسات الدينية في التوعية بأهمية الزواج الميسر وقالت: يأتي ذلك بالعمل على صياغة ندوات وخطب ومحاضرات توعوية ترسخ أهمية الأعراس الميسرة، مع ذكر قصص ومواقف حقيقية لأسر تكونت على أعراس ميسرة وأسر تكونت على تكاليف باهظة الثمن التي حدثت على أرض الواقع في المجتمع. وأما بالنسبة للمؤسسات المجتمعية، كالفرق الخيرية وغيرها فلها دورها لتسهيل الزواج في الولايات، ويكمن ذلك في تحديد سقوف المهور ومنع الإسراف في الضيافة والقاعات، وأيضًا من المهم الإكثار من تنظيم "الأعراس الجماعية" وتشجيعها لأنها تُظهر التكاتف والتعاون والرقي والتحضر.

ومن النماذج الناجحة في الأعراس الجماعية، ما شهدته ولاية بدية في يونيو الماضي العرس الجماعي السابع عشر، وضم العرس الجماعي السابع عشر هذا العام ٧٤ عريسا وعروسا، ما يعكس التفاف المجتمع ودعمه لمشروع العرس الجماعي الذي ينظمه فريق بدية التطوعي، وبهذا الدعم المجتمعي استمر هذا المشروع وتطور منذ انطلاقته في عام 2012م.

وقال راشد الحجري عضو مجلس إدارة فريق بدية التطوعي: إن فريق بدية التطوعي منذ تأسسه في عام ٢٠١٢م، قد تبنى مشروع العرس الجماعي، لتحقيق التعاون والتكاتف بين أبناء الولاية، حيث يحرص الفريق على إشراك أهالي العرسان ومؤسسات المجتمع المحلي الأخرى كالفرق الرياضية وجمعية المرأة العُمانية، مع أعضاء الفريق في تنفيذ أعمال لجنة العرس الجماعي.

وأضاف الحجري أن العرس الجماعي في ولاية بدية يحظى بدعم كريم من المؤسسات الحكومية على رأسها مكتب محافظ محافظة شمال الشرقية ممثلا بمكتب سعادة والي بدية رئيس اللجنة الاجتماعية، ومن مؤسسات المجتمع المحلي والمتصدقين الداعمين لأنشطة الفريق من المشايخ والأعيان والمحسنين من أبناء ولاية بدية.

وأكد الحجري على أن العرس الجماعي في ولاية بدية قد أسهم في تغيير الصورة التقليدية للأعراس، من خلال التنظيم المدروس والعمل الجماعي المسؤول، والالتزام بمبادئ الشرع الحكيم في تقنين المصاريف وضبطها بضوابط ثابتة دون الإخلال بكرم الضيافة العُمانية.

وأشار إلى ضرورة ترسيخ صورة الزواج على أنه حق فردي وواجب اجتماعي، ومناسبة مجتمعية يتعاون فيها أبناء المجتمع لرفع روح المسؤولية الأخلاقية لدى العرسان وأسرهم لإنجاح بناء أسر تسهم في مجتمعها بإيجابية، وهكذا هي شجرة العمل التطوعي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها خيرا وصلاحا وبركة.

وذكر الحجري أن فريق بدية التطوعي يهدف إلى نشر ثقافة العمل التطوعي وبث روح التعاون المجتمعي لدى أفراد المجتمع. وكذلك تشجيع المحسنين والمتصدقين على المساهمة في تمويل تنظيم العرس الجماعي، بإظهار فضل وأثر صدقاتهم في تكوين أسر جديدة في المجتمع، تسهم في نموه وتقدمه. وكذلك تثقيف العرسان بأسس بناء الأسرة الكريمة وأساليب جعل الحياة الزوجية سعيدة وناجحة. بالإضافة إلى تشجيع أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الولاية ودعمهم من خلال إسناد بعض أعمال التنظيم إليهم كالتصوير والبث المباشر عبر الإنترنت وتوفير الضيافة ووجبة العشاء..

واختتم الحجري حديثه حول التحديات التي تواجههم في تنظيم مشروع العرس الجماعي فقال: بالرغم مما حققه مشروع العرس الجماعي في ولاية بدية من نجاح في السنوات الماضية، وما يلقاه الفريق التطوعي من شهادات الشكر والثناء على الجهود التي يبذلها أعضاؤه من أجل هذا النجاح، لا تزال تعترض الفريق بعض التحديات التي يعمل على حلها بروح إيجابية، ويرى الفريق أن التأثير في ثقافة المجتمع لا يكون من خلال ذم العادات السلبية الدخيلة على المجتمع فقط، بل من خلال تعزيز العادات والتقاليد الأصيلة ليصلح المجتمع بأبنائه الذين يتبنون أفضل العادات وأكرم الأخلاق، لذا تبقى ثقافة المجتمع وبقاء تفاعله الإيجابي مع مشروع العرس الجماعي أهم تحد تعمل على تذليله لجنة العرس الجماعي بفريق بدية التطوعي من خلال التطوير في الأعراس الجماعية، بما يلبي تطلعات الشباب وبما يتجاوب مع ملاحظات المجتمع.