عمان اليوم

الحياة بعد التقاعد.. بداية جديدة تعيد فصول ملهمة بالعطاء

27 مارس 2026
27 مارس 2026

بعد عقودٍ من العمل في مضمار الوظيفة وأبجدياتها وروتينها اليومي، يجد الموظف نفسه بعد التقاعد أمام عتبة حياة جديدة، حياةٌ تخلع رداء الرسميات لترتدي ملامح الحرية الفسيحة. والتقاعد هو مرحلة مفصلية قد تغدو التحدي الأصعب إذا ما باغتت صاحبها دون تخطيط؛ لكنها في الوقت ذاته تظل المحطة الأجمل والأكثر سلاماً واستقراراً في رحلة العمر.هي تلك المساحة الزمنية الهادئة التي يهبط فيها الإنسان بسلام فوق "أرض الخبرة"، ليقطف ثمار سنيه ويستثمر معارفه وتجاربه في بناء توازن جديد. إنها الدعوة الحقيقية لصياغة حياة تمنح المتقاعد الهدوء الذي يستحقه والسكينة التي تليق به بعد طول مسيرٍ في صخب السنين وزحام المهام.

التخطيط المسبق

يقول خليفة بن صالح الراجحي: لا أرى التقاعد نهاية، بل هو رحلة متجددة وانتقال حيوي من السكون إلى حركة مستمرة تتوزع بين كافة أطياف الحياة، حكايتي مع هذا الفصل الجديد بدأت بشعور عميق بالرضا والامتنان؛ فالتقاعد بالنسبة لي هو "قطاف" لثمار غُرست بصبر طوال عقود العمل، وليس مجرد طي لصفحة الوظيفة. وأضاف قائلاً: التخطيط هو الأساس لأي مرحلة حياتية، فقد استطعت وبتدبير مسبق أن أؤمن مستقبلي عبر بناء منزل وتأسيس أسرة، والأهم من ذلك هو التحرر من قيود الالتزامات البنكية التي قد تنغص صفو هذه المرحلة على الكثيرين. هذا الأمان المادي كان هو حجر الزاوية الذي انطلقت منه نحو عالم الاستجمام، حيث أقضي أيامي اليوم متنقلاً بين السفر للترويح عن النفس والعناية بالصحة، وفي مزرعتي الخاصة أجد الهدوء والصفاء وأنا أعيد بناء علاقتي مع الأرض من خلال الهوايات الزراعية.

وأكد الراجحي: فلسفتي في الحياة بعد التقاعد لا تقتصر على الاسترخاء الفردي، بل تمتد لتشمل البعد الاجتماعي والعائلي، وهذا يتجلى بوضوح في إسطبل الخيل، حيث لا تقتصر الأوقات على المتعة بصحبة العائلة فحسب، بل أحرص على نقل مهارات ركوب الخيل للأجيال الناشئة غارساً في الصغار قيم الأصالة والقوة. إنني أؤمن تماماً بأن التقاعد حين يقترن بالاستقرار المادي وتعدد الهوايات، يتحول إلى "ولادة ثانية" تفيض بالنشاط والتوازن النفسي.

استراحة محارب

ويتحدث سعيد بن حمد الشحيمي بنبرة مفعمة بالسكينة واضعاً النقاط على حروف مرحلة ما بعد الوظيفة، حيث يرى أن "الاسترخاء في الدار" والالتفاف حول العائلة والأصدقاء هو المشروع الأهم الذي يستحق التفرغ الكامل، ويستعرض الشحيمي ملامح رحلته قائلاً: لقد قضيت قرابة الثلاثين عاماً أو يزيد في ديار الغربة أثناء عملي بدولة الإمارات، وهي عقود لم تخلُ من المشقة لاسيما تلك المسافات الطويلة التي كنت أقطعها نظراً لبعد مقر عملي مما جعل فكرة الاستقرار مع الأهل اليوم هي الغاية التي لا تدانيها غاية.

ويستطرد الشحيمي بوضوح وحزم مبيناً أن قناعته بالراحة لم تكن مجرد أمنيات، بل ترجمها إلى مواقف فعلية حيث تهافتت عليه العروض الوظيفية بعد تقاعده؛ إذ واجهها برفضٍ قاطع مبرراً ذلك بحاجته الماسة للاستقرار العائلي الذي سلبته إياه سنوات العمل والترحال. ويختتم حديثه بالقول إن الوقت قد حان لتعويض العائلة عن طول الغياب مؤكداً أن السكينة بين جدران المنزل وبين وجوه الأحبة هي المكافأة الحقيقية التي تليق بصبر السنين وصخب الطرقات الطويلة.

آفاق جديدة

ويحدثنا عوض بن ناصر المسروري عن فصله الجديد في الحياة قائلاً إن التقاعد لم يكن بالنسبة له نهاية المطاف، بل بداية لرسم حياة متلونة بشتى الألوان والأنشطة ؛ فهو يوزع ساعاته بين دفء العائلة وصلة الأرحام، وبين شغف الترحال الذي يقوده تارة إلى سحر الرمال وهدوء البحر، وتارة أخرى إلى عبق التاريخ في ولايات سلطنة عمان، حيث يقف متأملاً شموخ القلاع والحصون ومعالمها العريقة. ويضيف المسروري أن هذا الجدول المزدحم بالجمال لا يخلو من السكينة الروحية، حيث يحرص على المداومة على العبادات وتلاوة القرآن توازياً مع الالتزام ببرنامج رياضي يومي لضمان صحة الجسد وحيويته مؤكداً أن التواصل الإنساني يظل ركيزة أساسية في يومه، سواء من خلال الجلوس مع كبار السن للاستماع إلى قصص زمانهم التي لا تقدر بثمن، أو من خلال الوقوف بجانب أبنائه وشد أزرهم في مسيرتهم الدراسية بالجامعات والمدارس.

أما عن طموحه في خدمة المجتمع، فيشير المسروري إلى أنه لم يكتفِ بالنشاط الشخصي، بل قدم ترشحه لعضوية المجلس البلدي بولايته رغبة منه في وضع خبراته في خدمة الوطن وبالتوازي مع هذا الدور الاجتماعي يوضح أنه لم يهمل الجانب المادي، إذ اتجه للعمل في مجال العقارات كنشاط إضافي يدر عليه مبالغ مادية يسيرة تساند احتياجات المعيشة ليقدم بذلك نموذجاً حيوياً للمتقاعد الذي يستثمر وقته وخبرته في كل ما هو مفيد ومثمر.

استثمار التقاعد

ويرى عامر بن سالم المطاعني أن التقاعد ليس محطة للاستجمام والهدوء فحسب، بل هو جسر للعبور نحو مرحلة أكثر حيوية وتوسع في عالم المال والأعمال. فقرار التفرغ الكامل للعمل الحر لم يكن وليد اللحظة أو مجرد ملء لوقت الفراغ، بل جاء تتويجاً لمسيرة طموحي بدأت ملامحها منذ الصغر في كنف والدي حيث نهلت من مدرسة التجارة الأولى أصول البيع والشراء وفنون التفاوض والتعامل مع تقلبات الأسواق، مما منحني إرثاً معرفياً وقاعدة صلبة مكنته من خوض غمار الاستثمار بثقة واقتدار.

هذه الخلفية الواسعة في العمل الحر لم تبدأ مع سن التقاعد، بل كانت رفيقة دربي طوال سنوات عمله المؤسسي. ونجح المطاعني في بناء وتأسيس تجارته الخاصة وإدارتها بنجاح قبل سنوات من مغادرته الوظيفة، محققاً توازناً دقيقاً بين مسؤولياته المهنية وطموحاته التجارية. ومع طي صفحة العمل الرسمي، وجد المطاعني في "مرحلة ما بعد التقاعد" الفرصة الذهبية التي طالما انتظرها؛ إذ منح التفرغ التام مشاريعه التجارية القائمة دفعة قوية من التركيز والمتابعة الميدانية المستمرة، مما أدى إلى توسع ملحوظ في نشاطاته.

ويؤكد المطاعني أن نجاحه الحالي هو ثمرة لخبرة تراكمية ونفس طويل في الصبر على تحديات التجارة، مشيراً إلى أن العمل المبكر مع والده كان المعلم الأكبر الذي صقل شخصيته الاستثمارية. وبالنسبة له فإن إدارة الأعمال التجارية اليوم ليست مجرد وسيلة لتعزيز الدخل المادي فحسب، بل هي استمرار لنهج النشاط والحركة الذي نشأ عليه ورسالة يثبت من خلالها أن التقاعد هو الانطلاقة الحقيقية لتحويل الخبرات الميدانية إلى واقع استثماري ملموس وتحقيق الطموحات التي كانت تنتظر مزيداً من الوقت والجهد لتزدهر وتتوسع.

إكمال مسيرة

ولم يكن التقاعد بالنسبة لطلال بن محفوظ المطاعني نقطة توقف أو استراحة اختيارية، بل كان لحظة "التحول الكبير" نحو احتراف العمل الحر الذي بدأ بذرته الأولى منذ الأيام الأولى لالتحاقه بالوظيفة. فقد رسم المطاعني مساراً موازياً لمسيرته المهنية، حيث خاض غمار التجارة والأعمال وهو لا يزال على رأس عمله، مما سمح له ببناء قاعدة استثمارية صلبة وخلفية معرفية واسعة بالسوق وتحدياته متخذاً من سنوات الوظيفة مختبراً حقيقياً لصقل مهاراته الإدارية والمالية.

هذا الاستشراف للمستقبل جعل من مرحلة ما بعد الوظيفة فصلاً مفعماً بالحيوية والنمو ؛ فبدلاً من البدء من الصفر، انطلق المطاعني من أرضية قوية وتجارة قائمة بالفعل، ليمنحها بعد التقاعد جل وقته وتركيزه. إن التفرغ التام الذي أتاحه التقاعد شكل قوة دفع استثنائية لمشاريعه، حيث انتقل من مرحلة "الإدارة الجزئية" إلى "التوسع الاستراتيجي"، فاتحاً آفاقاً جديدة وتوسعات لم تكن ممكنة في السابق بسبب قيود الوقت والالتزام الوظيفي.

ويؤكد المطاعني من خلال تجربته أن العمل الحر الذي يرافق الوظيفة هو صمام أمان حقيقي وأن التقاعد هو الفرصة الذهبية لمن ملك الرؤية والمبادرة ليحول مشاريعه الصغيرة إلى كيانات اقتصادية أكبر. واليوم، يواصل طلال محفوظ رحلته في عالم المال والأعمال بنشاط مضاعف مستنداً إلى خبرة العقود الماضية وطموح المستقبل ليقدم نموذجاً ملهماً في كيفية استثمار "حياة ما بعد التقاعد" في الإنتاج والتوسع والمساهمة الفاعلة في الاقتصاد المحلي.

راحة بال

تمثل مرحلة التقاعد لدى الكثيرين نقطة النهاية للمسار المهني، لكنها بالنسبة لخلفان بن حمد الشكيلي كانت بمنزلة "ميلاد جديد" وبداية لفصل أكثر هدوءاً وإنتاجية في الجانب الشخصي والأسري. فبعد سنوات طويلة من العمل والالتزام الوظيفي اختار الشكيلي أن يعيد ترتيب أولوياته بما يضمن له "راحة البال" التي طالما بحث عنها.

كما يرى الشكيلي أن المهمة الأسمى في حياته الحالية هي مداراة الأبناء ومتابعة دراستهم ؛ حيث يكرس جل وقته ليكون قريباً منهم، موجهاً وداعماً لمسيرتهم التعليمية. هذا القرب الوجداني والمتابعة الدقيقة يعكس إيمانه بأن الاستثمار الحقيقي هو الذي يبدأ من داخل المنزل، وأن التقاعد فرصة ذهبية لتعويض الأوقات التي سلبتها أعباء الوظيفة.

ولم يغفل الشكيلي عن أهمية "الذات" وسط مشاغل الأسرة، حيث جعل من ممارسة الرياضة جزءاً أصيلاً من روتينه اليومي. فهي بالنسبة له ليست مجرد نشاط بدني، بل هي وسيلة للحفاظ على الحيوية والنشاط، وصمام أمان لمواجهة ضغوط الحياة وتجديد الطاقة النفسية والبدنية.