إنجاز علمي عُماني يكشف دور الرمان في حماية الشرايين
حقق الباحث العُماني الدكتور سليمان العلوي، من وزارة الصحة، إنجازًا علميًا جديدًا يعكس كفاءة الباحثين العُمانيين في الأبحاث الدولية، وذلك من خلال دراسة حديثة أُنجزت في جامعة كارديف البريطانية ضمن مشروع الدكتوراه الخاص به في مجال أمراض القلب والأوعية الدموية، في خطوة تُعد إضافة نوعية للحضور البحثي العُماني في المحافل العلمية العالمية.
وكشفت الدراسة التي نُشرت في مجلة Antioxidants العلمية عن مسار حيوي يوضح كيفية تأثير مركبات الرمان في العمليات المرتبطة بتصلب الشرايين، مقدمةً قراءة علمية متعمقة لفوائد الرمان لا بوصفه غذاءً صحيًا فحسب، بل من خلال تتبع آلية عمل مكوناته داخل الجسم، وما ينتج عنها من تأثيرات بيولوجية دقيقة على مستوى الخلايا والأنسجة.
وأظهرت النتائج دور ميكروبيوم الأمعاء في تحويل مركبات الرمان إلى مركبات أكثر فاعلية، تسهم في التأثير الإيجابي على جدار الشرايين، وتعزز من استقرار اللويحات التصلبية، إلى جانب تقليل الالتهاب والإجهاد التأكسدي، وهو ما يعزز الفهم الحديث للعلاقة بين التغذية والصحة القلبية.
وأوضح الدكتور سليمان العلوي أن الدراسة تفتح آفاقًا جديدة لفهم الوقاية من أمراض القلب من منظور أكثر شمولية، يربط بين الغذاء وصحة الأمعاء ووظائف الأوعية الدموية، كما تسلط الضوء على الدور المحوري لميكروبيوم الأمعاء في تطور الأمراض المزمنة وآلياتها الحيوية، بما يعكس تحولًا في التفكير العلمي من التركيز على الغذاء وحده إلى فهم التفاعلات الحيوية داخل الجسم.
وبيّن أن فكرة البحث انطلقت من مركب “البونيكالاجين” الموجود في الرمان، والذي يتميز بفعاليته الحيوية رغم محدودية امتصاصه في صورته المباشرة داخل الجسم، حيث أوضحت الدراسة أن ميكروبيوم الأمعاء يتدخل في تحويل هذه المركبات إلى نواتج وسيطة، مرورًا بحمض الإيلاجيك، وصولًا إلى مستقلبات تُعرف باليوروليثينات، وهي مركبات ذات نشاط حيوي أعلى.
وأشار إلى أن النتائج أبرزت بشكل خاص دور “اليوروليثين A”، الذي أظهر قدرة أوضح على التأثير في مسارات الالتهاب والإجهاد التأكسدي المرتبطة بتطور تصلب الشرايين، ما يعزز فهم الآليات الوقائية المحتملة لبعض المركبات النباتية، ويفتح المجال أمام أبحاث مستقبلية في هذا الاتجاه.
واعتمد الفريق البحثي تحت إشراف البروفيسور ديباك رامجي وبمشاركة باحثين من سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة، منهجًا علميًا متدرجًا جمع بين التجارب الخلوية والنماذج الحيوانية والتحليل الجزيئي، بما يضمن دقة النتائج وموثوقيتها.
وقد شملت الدراسة اختبار مركبات البونيكالاجين، وحمض الإيلاجيك، واليوروليثينات (A وB وC وD) على خلايا مرتبطة بتكوّن اللويحات داخل الشرايين، بما في ذلك الخلايا البلعمية والخلايا البطانية الوعائية، في محاولة لفهم التفاعلات الدقيقة داخل البيئة الوعائية.
وأظهرت النتائج أن اليوروليثين A ساهم في خفض مؤشرات الإجهاد التأكسدي، وتقليل التعبير الجيني المرتبط بالالتهاب، إضافة إلى التأثير في حركة الخلايا المناعية، والحد من امتصاص الكوليسترول الضار المؤكسد داخل الخلايا، وهو ما يعكس تأثيرًا وقائيًا متعدد المسارات.
وأشار الباحث إلى أن الدراسة لم تقتصر على التجارب الخلوية، بل امتدت إلى نموذج حيواني يُستخدم على نطاق واسع في أبحاث تصلب الشرايين وفرط الكوليسترول. وبعد إعطاء مركب “اليوروليثين A” لمدة 12 أسبوعًا، رصد الباحثون انخفاضًا في حجم اللويحات التصلبية داخل الشريان الأورطي، إلى جانب تراجع واضح في الارتشاح الالتهابي، مع ارتفاع في مكونات تُسهم عادة في استقرار اللويحة مثل الكولاجين والخلايا العضلية الملساء.
وأكد الباحث أن أهمية هذه النتائج لا تكمن فقط في تقليل حجم اللويحة، بل في طبيعتها الحيوية، إذ إن خطورة تصلب الشرايين لا ترتبط بالحجم وحده، وإنما بدرجة التهاب اللويحة وهشاشتها واحتمال تمزقها، وهو ما يحدد بشكل مباشر احتمالية حدوث الجلطات والمضاعفات القلبية.
وأضاف أن هذه التأثيرات لم تكن مصحوبة بتغيرات كبيرة في مستويات كوليسترول الدم، ما يشير إلى أن الآليات المرصودة قد ترتبط بدرجة أكبر بتقليل الالتهاب والإجهاد التأكسدي وتحسين بنية اللويحة، وليس فقط بخفض الدهون، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة لفهم الوقاية القلبية من منظور أوسع يتجاوز المؤشرات التقليدية للكوليسترول.
وبيّن العلوي أن النتائج ترتبط مباشرة بصحة القلب، إذ يُعد تصلب الشرايين أحد أبرز العوامل الممهدة لأمراض القلب والشرايين التاجية والجلطات. فسلامة الشريان لا تعني فقط سهولة تدفق الدم، بل تعني أيضًا انخفاض مستوى الالتهاب في جدار الوعاء الدموي، واستقرار اللويحات داخله، وتقليل قابليتها للتمزق، وهو ما ينعكس على تقليل المخاطر الصحية.
وقال الدكتور سليمان العلوي إن انطلاق هذا البحث جاء من خلفية عملية في مجال المختبرات الطبية، وخبرة طويلة أسهمت في صياغة منهجية البحث بعين مخبرية دقيقة، تقوم على جودة القياس وضبط خطوات التجارب والربط بين النتائج المخبرية ودلالاتها الحيوية.
وأوضح أنه وظّف هذه الخبرة في قراءة النتائج بصورة تكاملية، تمتد من مستوى الخلية إلى مستوى النسيج، وصولًا إلى التحليل الجزيئي الأوسع، بما يتيح فهمًا أكثر عمقًا للعمليات الحيوية المرتبطة بتصلب الشرايين.
وخلال مساره البحثي في جامعة كارديف، أشار إلى أنه استفاد من بيئة علمية متعددة التخصصات جمعت بين خبرات في أبحاث الأوعية الدموية والالتهاب والميكروبيوم والتحليل الجيني، وهو ما أتاح له تطوير أدواته البحثية وتعزيز قدراته العلمية.
وأضاف أن هذا المسار أتاح له تطبيق تقنيات بحثية متقدمة شملت نماذج الخلايا، وقياس مؤشرات الالتهاب والإجهاد التأكسدي، ودراسة النماذج قبل السريرية، إلى جانب استخدام تقنيات حديثة مثل تسلسل الحمض النووي الريبي لرصد التغيرات الجزيئية داخل الشريان.
وبيّن أن هذه التجربة تعكس أهمية توظيف الخبرة المختبرية في البحث العلمي الحديث، حيث لم يعد المختبر مجرد مساحة لإجراء التجارب، بل أصبح بيئة لفهم الترابط بين الغذاء وبكتيريا الأمعاء والمناعة وجدار الشريان بشكل تكاملي.
وأشار إلى أن الدراسة انتقلت من سؤال أولي حول فوائد الرمان إلى تساؤل أعمق يتعلق بكيفية مساهمة مستقلبات تنتجها بكتيريا الأمعاء في حماية الأوعية الدموية والحد من تطور أمراض القلب.
وتكتسب الدراسة أهمية إضافية لأنها تسهم في النقاش العلمي المتنامي حول محور الأمعاء والقلب، وهو مجال يدرس كيف يمكن للميكروبيوم المعوي أن يؤثر في أمراض مزمنة مثل تصلب الشرايين، كما تساعد النتائج على تفسير اختلاف استجابة الأشخاص للأغذية نفسها، نتيجة تباين بكتيريا الأمعاء بين الأفراد.
وأوضح العلوي أن الدراسة ما تزال في إطار الأبحاث قبل السريرية، وتحتاج إلى دراسات بشرية لاحقة قبل الوصول إلى تطبيقات علاجية مباشرة، إلا أنها تقدم إضافة علمية مهمة لأنها لا تكتفي بطرح الرمان كغذاء مفيد، بل تبحث في الآليات التي قد تفسر هذا الأثر وتحدد المسارات الحيوية المرتبطة به.
واختتم الدكتور حديثه بأن الدراسة لا تقدم قراءة جديدة لأثر الرمان في الشرايين فحسب، بل تفتح نافذة أوسع لفهم صحة القلب من منظور متكامل يبدأ من الأمعاء وينتهي عند حماية الأوعية الدموية التي يعتمد عليها القلب في أداء وظيفته الحيوية.
ويمثل هذا العمل نموذجًا لحضور الباحث العُماني في بيئات البحث الدولية، وقدرته على الاستفادة من الخبرات العلمية المتقدمة وتوظيف خلفيته العلمية لإنتاج معرفة جديدة ذات قيمة علمية وصحية عالية. كما يبرز أهمية الاستثمار في الباحثين العُمانيين وربط الخبرة العملية بالتدريب الأكاديمي المتقدم، بما يعزز مساهمة الكفاءات الوطنية في مجالات علمية ذات أثر عالمي.
