عمان العلمي

هل حقا مجتمع الفيزياء الحديثة تعمد تجاهل العلماء العرب؟

16 يونيو 2026
16 يونيو 2026

علياء السعيدي 

قبل أن أبدأ بالحديث عن هذه المعضلة الشيقة، سأبين لكم بعض الحقائق التي لا تهمك عزيزي القارئ؛ أولا: إنني أحاول النوم بعد صلاة الفجر، وتركت كودي لنموذج مشروع التخرج يعمل لكي أنام، فهو يأخذ الكثير من الوقت، بل إنه يقول لي إنه وصل إلى 150% من الوقت المتوقع لإتمام المشروع، لا تسألني كيف! فيبدو أنه ذو صفات حكومية يحب اللعب على الأوقات الإضافية التي لم تقرر له أصلا، ولكن بما أنه سيد الموقف فيمكنه أن يتمم المشروع متى ما استطاع.

أولا، ولكي نعود لحديثنا الأساسي في هذه الساعة الجنونية من الفجر، عندما قرأت العنوان من تبادر إلى ذهنك؟ هل ألبرت آينشتاين أم جابر بن حيان؟ قل الحقيقة لا بأس، لن تخدش عروبتك، أو لو كنت قد درست في جامعات علمية عربية، قد يتراءى لذهنك سعاد حسني! أوه، أعتذر منك، أقصد ماري كوري، أم أديسون، أم تيسلا؟ وكل من يتراءى في بالك من علماء العرب هم جابر.. جابر فقط! تذكرت ابن الهيثم، ثم تهجم عليك أسماء أخرى كالجاحظ، وابن بطوطة، والفرزدق، وجرير، والحلاج، وهم كلهم لا علاقة لهم بالعلوم والطب والهندسة بشكل مباشر؛ فالجاحظ مؤرخ وأديب بدرجة أولى، وابن بطوطة رحالة، والفرزدق وجرير شعراء، والحلاج شاعر متصوف. ما السبب في رأيك؟

سبب تساؤلي هذا هو ظهور فيديو أمامي لشابة آسيوية تقول إنه يتم تجاهل هؤلاء، لكن المصادفة أنني وأنا أدرس لامتحاني ظهر أمامي مثالا مباشرا، وكان من دكتور ياباني؛ فقد ذكر أن أول اختراع لمفهوم المحركات البخارية الميكانيكية كان على يد عالم يوناني هو «هيرو السكندري»، لا يشار إليه بالعربي طبعا فهو يوناني، ولا يسمى مصريا لأن مصر كانت تحت الحكم اليوناني (أي لم تكن عربية، بل إغريقية). وفي الحقيقة، كان عمله يعتبر شرارة المحركات من منظور فيزيائي، ولكن ليس من منظور هندسي، لكون المحرك لا يفعل شيئا سوى أنه يجعل كرة تدور بفعل البخار، فكان يبدو كلعبة لا كمحرك... هذا في عام 10-70 ميلادي، ثم في عام 1600 في الثورة الصناعية بدأت تظهر محركات بخارية.. أستاذي الطيب بدأ من الإغريق ليذهب إلى أوروبا، ولكن عزيزي القارئ، أحدهم تحدث عن هيرو وطور عمله قبل الثورة؟ هل تستطيع التوقع! لا، يا للعجب! يبدو أنهم لم يضيفوا هذا في كتاب الصف التاسع عن المحركات البخارية ولكي لا تتهمني بالزندقة يمكنك فتح أي كتاب في ديناميكا الحرارة وستظهر لك هذه السلسلة المعروفة لتطور المحركات بل إنك ببساطة يمكنك أن تعود لكتب المدرسة..

إنه الجزري! فهو عالم عربي يُلقب بـ«أبو الهندسة الميكانيكية والروبوتات الحديثة»، تخيل الروبوتات الحديثة!! فبينما ركز هيرو على حركة الكرة بالبخار، ابتكر الجزري آلات ميكانيكية تعمل بالطاقة الحرارية وتمدد الهواء. صمم الجزري قوارير وأواني لصب الشراب تحتوي على تماثيل صغيرة تتحرك تلقائيا (مثل طائر يصفر أو دمية تتحرك) بمجرد تسخين السائل أو تمدد الهواء بفعل الحرارة، وهو تطبيق مباشر للمبدأ الفيزيائي نفسه الذي اعتمد عليه هيرو في فتح أبواب المعابد ذاتيا بواسطة النيران. بل إنه صمم روبوتا يصب المياه للأضياف بالميكانيكا فقط!! صمم «غلاما آليا» لغسل الأيدي؛ حيث يقف التمثال وبيده إبريق ماء، وعندما يمتلئ خزان داخلي عبر نظام العوامات والمكابس، يصب الماء تلقائيا على يدي الضيف، ثم يقدم له المنشفة والمرآة بآلية ميكانيكية بحتة دون تدخل بشري.

هل تعلم أن الفرق بين اختراع هيرو و«توماس» الذي ابتكر أول محرك بخاري (حراري) هو ماذا؟ نعم، إنه المكبس الذي ابتكره الجزري في الروبوت ولكن لم يطبقه في محرك البخار الميكانيكي. (عزيزي القارئ، قد لا تكون درست الهندسة، ولكن كلمة ميكانيكي وحراري بينهما فرق، لذلك أضعهما لتوضيح أن نظام المحرك هنا إما حراري ومعتمد على البخار، أو ميكانيكي يعتمد على الحركة). ولكن «توماس» دمج النظامين، بل وإنه

استخدم ابتكاراً آخر في نظامه وهو عمود الحدبات وذراع التوصيل والمنزلق في المحرك نفسه! لدرجة أنني بدأت أشعر أن «توماس» قرأ كتاب الجزري وتناسى أن يضيف اسمه في بحثه العلمي، حتى كآخر باحث بعد أربعة أو خمسة!! رغم أن المسكين الجزري في كتبه ذكر هيرو، بل وأشاد به كعالم فذ عبقري.. أي أنه لم يكن بحاجة لنظام الفهرسة الأوروبي الذي نتبعه نحن اليوم، ولن يحاسبه أحد على عدم ذكر المصدر، ولا كان سيتعرض لعقاب من لجنة التقييم ولا من الـ«Reviewer two»، ولكنه فعل ذلك على أية حال..

ولكن، هل تناسي «توماس» للجزري في عمله يعني أن ننساه نحن في كتبنا؟ وهل تعمد مجتمع الفيزياء تجاهل هؤلاء العباقرة؟ رغم أنك لو بحثت قليلاً لوجدت نسخاً من كتب الجزري، ولكن كتاب الصف التاسع كان من «كامبريدج»، أليس كذلك؟ ودكتورنا للميكانيكا في البكالوريوس كان من الهند، وفي الماجستير كان من اليابان، فهل يُلام الآسيويون على تناسي بطلي الجزري؟! وهم قد أتوا بالمنهج من مجتمع الفيزياء الحديثة الأوروبي المحض. ورغم أننا نعلم كم أن للهنود حقبة كانوا فيها أساتذة الرياضيات، إلا أنني لم أسمع يوماً طوال دراستي للرياضيات بأحد يتحدث عن الخلفية التاريخية له، سوى أن الأرقام بعضها هندي، رغم أن بعض الأرقام (وليس الحالية) كانت عربية.. ولكن لا بأس، فالفيزياء الحديثة تعد الرياضيات عموداً لها، ولكن الأعمدة تبقى خشباً..

فهل نحن ضحية، أم نحب لعب دور الضحية؟

من وجهة نظري، أن المجتمع العلمي في بادئ الأمر لم يتعمد إيذاء مشاعرنا بتجاهل إسهامات أجدادنا، ولكنه كان مجتمعاً يفتقر إلى «الأخلاق العلمية» بالمفهوم الحديث؛ كان مجتمعاً نفعياً، رأسمالياً، ومرتبطاً بدوائر النفوذ السياسي والمالي. إذا قرأت كيف كانت حياة العلماء في ذلك الوقت، لفهِمت لِمَ تم بسهولة أخذ فكرة القنبلة الذرية ورميها على اليابان دون وازع أخلاقي كافٍ، وكيف تحول العلم من «شغف بالمعرفة» إلى «أداة للهيمنة والسلطة»

سأعطيك مثالاً صارخاً على هذه النفعية: استخدم العالم غولييلمو ماركوني براءات اختراع نيكولا تيسلا - والتي قُدّرت بقرابة ١٧ براءة اختراع محورها الأساسي دوائر الرنين وتوليد الموجات اللاسلكية لتحقيق أول إرسال لاسلكي عبر المحيط الأطلسي عام ١٩٠١. ولم يكن ماركوني ليفعل ذلك لولا الدعم المالي والسياسي الضخم الذي تلقاه من توماس أديسون (عدو تيسلا اللدود) والمستثمر الشهير جي بي مورغان (ورد هذا في كتاب الخصومات.. الصراع كوقود للعلم). ونتيجة لهذا النفوذ المالي، منحته محكمة براءات الاختراع الأمريكية الحقوق أولاً، وتوّج ذلك بحصوله على جائزة نوبل في الفيزياء عام ١٩٠٩. ولم ينصف التاريخ تيسلا إلا بعد وفاته بأشهر، وتحديداً في أواخر عام ١٩٤٣، عندما أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكمها التاريخي بإلغاء براءات ماركوني مؤكدة أن تيسلا هو المخترع الحقيقي والشرعي للاسلكي وورد هذا في سجل أحكام المحكمة العليا الأمريكية

أما توماس أديسون، فالحديث عنه ذو شجون لكثرة أفعاله . المخترع الإنجليزي جوزيف سوان نجح في تشغيل مصباح متوهج عملي باستخدام خيط كربوني قبل أديسون بأشهر، وحصل على براءة اختراع في بريطانيا عام ١٨٧٨. أخذ أديسون الفكرة وأشعر شخصياً أنه لم يكن عالماً قط، بل كان «حرامي مكيفات» بامتياز ورجل أعمال بارع يعرف من أين تُؤكل الكتف! .قام بتحسين الكفاءة عبر تفريغ الهواء بشكل أفضل داخل المصباح ليعمل لساعات أطول، وسجل براءة الاختراع في أمريكا عام ١٨٧٩. وعندما حاول أديسون بيع مصابيحه في بريطانيا، رفعت شركة سوان دعوى قضائية ضده بتهمة السرقة والانتهاك. ولتجنب معركة قضائية خاسرة في المحاكم البريطانية، اضطر أديسون صاغراً للاندماج مع سوان وتأسيس شركة مشتركة عُرفت باسم «إيديسوان» عام ١٨٨٣، وهو اعتراف قانوني وموثق بالسرقة والاعتداء على الملكية الفكرية وقد ورد هذا في مقال انتصار أديسون الباريسي في مجلة التاريخ والتكنولوجيا.

والآن.. إلى السرقة الكبرى في تاريخ المعرفة! حسابات التكامل والتفاضل. الرواية الغربية التقليدية تقول إن إسحاق نيوتن طور علم التفاضل والتكامل سراً في ستينيات القرن السابع عشر واستخدمه في حساباته الفلكية وقوانين الحركة دون أن ينشره بالكامل، بينما قام العالم الألماني غوتفريد لايبنتز بتطوير نفس العلم بشكل مستقل تماماً ونشره علناً عام ١٦٨٤ برمزية متميزة (مثل المكاملة والمشتقة) وهي المستخدمة حتى اليوم وقد كتب عن هذه الحادثة هاول في كتاب الفلاسفة في حرب. هذا الصراع أشعل حرباً شرسة بين الجمعية الملكية البريطانية وأوروبا، واتُّهم فيها لايبنتز بالسرقة من خطابات نيوتن غير المنشورة.

لكن، هل يُعقل أن يظهر هذا العلم المعقد فجأة في أوروبا وبدون محاولات سابقة أو تراكم معرفي؟! نيوتن ولايبنتز لم يخترعا العلم من العدم، بل قاما بصياغة «النظرية الأساسية للتفاضل والتكامل» التي ربطت بين المفهومين المتعاكسين (المساحة والمشتقة). أما المبادئ الجوهرية للعلم، فتمتد جذورها شرقاً بشكل موثق.

في القرن الحادي عشر الميلادي، واجه العالم الموسوعي الحسن بن الهيثم معضلة هندسية شهيرة في علم البصريات تُعرف بـ «مسألة ابن الهيثم»، وتتعلق بتحديد نقطة الانعكاس على مرآة كروية من مصدر ضوء محدد إلى العين. ولحل هذه المعضلات، وحساب أحجام الأجسام الناشئة عن الدوران، ابتكر ابن الهيثم صيغة رياضية مذهلة لحساب مجموع القوى الرابعة للأعداد الطبيعية:

∑_(i=1)^ni^4 واستدمج هذا المفهوم لإيجاد المساحات تحت المنحنيات (وهو جوهر علم التكامل المعاصر)، ومفهوم المماس والعمودي (وهو أساس التفاضل). لقد قطع علماء المسلمين (مثل ثابت بن قرة والسامري) والعلماء الهنود شوطاً هائلاً قبل نيوتن بقرون (طوقان، كتاب: تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك، دار القلم، القاهرة، ص ٢١٠). لذلك، لن تفهم الجذور الفلسفية والتاريخية للتكامل والتفاضل أبداً إذا اكتفيت بالقشور في الكتب الأجنبية الحديثة التي تعزو كل شيء لليونان ثم تقفز فوراً لعصر النهضة الأوروبية متجاهلةً الحضارة الأخرى... وافهم يا فهيم!

وإذا أردنا الحديث عن بزوغ «الكالكيلوس» بشكل شبه متكامل وبأدوات تفوق عصرها قبل أوروبا، فلا بد من ذكر مدرسة كيرالا للرياضيات والفلك في الهند، وتحديداً العالم الفذ مادهافا السانغاماغرامي في القرن الرابع عشر الميلادي.

ماذا فعل مادهافا وتلاميذه؟ لقد وضعوا أسس متسلسلات القوى اللانهائية! اكتشف مادهافا متسلسلات القوى لدوال الجيب، وجيب التمام، وظل الزاوية قبل الغرب بقرون. في الغرب، تُسمى هذه المتسلسلات اليوم بـ «متسلسلة تايلور» و«متسلسلة لورين»، رغم أن مادهافا صاغها بدقة متناهية واستخدمها لحساب قيمة الثابت الرياضي (π) إلى ١١ مرتبة عشرية قبل بروك تايلور وكولين ماكلورين وإسحاق نيوتن بأكثر من ٣٠٠ عام وقد كتب عن هذا روي في بحث اكتشاف صيغة المتسلسلة، مجلة الرياضيات الأمريكية. وهناك دراسات ومقالات عربية ناقشت هذه الفرضية الجادة، متسائلة: هل انتقلت مخطوطات مدرسة كيرالا إلى أوروبا عبر التجار والبعثات الدينية اليسوعية الذين زاروا سواحل الهند في القرن السادس عشر، لتصل إلى أيدي علماء أوروبا وتلهم ثورتهم العلمية؟ مثل مجلة عالم الفكر، الكويت، التاريخ يكتبه المنتصر دائماً.. ولكن الحقائق الرياضية والتاريخية لا تموت.

علياء السعيدي متخصصة في علوم هندسة الطاقة والمعلوماتية