No Image
عمان العلمي

الحياة على البقايا.. كيف يُغير الفطر مفهومنا للأشياء المهملة؟

21 يناير 2026
21 يناير 2026

عمرو أحمد -

من المعروف أن قصة «التحوّل» للكاتب التشيكي كافكا مليئة بالغرابة والتحولات الغير مفهومة، مثلما هي طبيعة أعمال كافكا عمومًا، وليس لكل القرّاء القدرة على تذوق هذه الغرابة بشكلٍ مُناسب، لكن بعضهم قد يكون قادرًا على تذوق الفطريات التي تنمو منها. قام أحد القرّاء بتوثيق تجربته على تويتر وهو يستزرع الفطر على كتاب التحوّل الذي لم يعجبه، ويقول تعليقًا على هذا بأنه استمتع بتناول الفطر أكثر من قراءة الكتاب.

ليس هذا القارئ أول من استخدم الكتب بهذه الطريقة، بل إن الكتب هي واحدة من عناصر كثيرة تستخدم لاستزراع الفطر عليها، تعتمد العملية بكل بساطة على استخدام جراثيم الفطر وتوزيعها على العناصر المُراد استزراع الفطر عليها، ثم وضعها في مكان مناسب التهوية حتى ينمو الفطر. مثلما ينمو الفطر الغير مقصود على الأطعمة المتعفنة، ينمو الفطر هنا على الكتاب، تتكون أوراق الكُتب عادةً من السليلوز وهي المادة المكونة لجدار الخلية في النبات، ويحتوي الفطر على إنزيمات هاضمة للسليلوز تُسمى السليلاز قادرة على أن تستهلك أوراق الكتب وتحولها إلى غذاء لنمو الفطر.

ينمو الفطر في صورة امتدادات خيطية تُعرف باسم الخيوط الفطرية، وهي الخلايا التي تعطي للفطر شكله الشبكي المميز، حيث تتوزع فروعه في جميع الأماكن. كي تتمكن الخيوط من اختراق أنسجة الأوراق لهضمها، تُحول الخلايا إلى قوّة دافعة باستخدام الماء، حيث تنتفخ الخلايا عند مقدمة خيط الفطر لتدفع جدار الخلية نحو نسيج الورق، ومع الضغط الميكانيكي المستمر بالإضافة إلى الأنزيمات الهاضمة التي تفرزها، تُقطعه وتخترقه.

يُعتبر استخدام العناصر الغير مرغوب فيها لاستزراع الفطر مثالًا على ما يُعرف بـ«المُعالجة عن طريق الفطر» (الإنجليزية: Mycoremiditation)، تعتمد هذه الممارسة على كفاءة الفطريات العالية وقدرتها الواسعة على هضم المكونات المختلفة، وهي الأساس للمجال الذي يستخدم الفطريات كوسيلة لفلترة البيئة من المخلفات البشرية، وإعادة تكرار العناصر بشكلٍ عضوي. لكن المُذهل هو أن الفطريات تقوم بهذا الدور بالفعل، بل إن دورها في الطبيعة أساس ضروري لاستمرار النباتات وبالتالي الحياة ككل.

في التُربة تقوم الفطريات بتحليل المخلفات العضوية مثل الأوراق وأجساد الكائنات الميتة، وتحولها إلى مواد أولية يُمكن للنباتات استخراجها والنمو عليها. لكن الدور الخفي المُذهل أكثر رُبما يكون في الفطريات التي تتعاون مع الأشجار لتكون شبكة من النمو الفطري مع جذور الأشجار، في هذه العلاقة تقوم الفطريات بامتصاص بعض العناصر التي تحتاجها النباتات من أماكن أبعد في التربة، مثل الفوسفور لتكوين الحمض النووي، في المقابل، يحصل الفطر على السكريات والغذاء من النباتات.

في عام 1997 اكتشفت العالمة الأمريكية سوزان سيمارد هذه العلاقة، وأسمتها الشبكة الجذرية-الفطرية (الإنجليزية: Mycorrhizal network). لاحظت سوزان أن هذه الشبكة لا تخص كل شجرة على حدة وحسب، وإنما تصل الشجر ببعضه. في واحدة من دراساتها، رأت سوزان شجرة من نوعٍ يُعرف بتنوب دوغلاس وقد تعرضت لهجوم من الحشرات، قامت هذه الشجرة بإفراز تحذيرات كيميائية، وعن طريق الشبكة الجذرية-الفطرية وصلت هذه التحذيرات إلى شجرة صنوبر مجاورة، فقامت بإفراز أنزيمات حامية ضد الحشرات.

مثلما يملأ الفطر التربة، فهو أيضًا يملأ كل العالم حولنا. في كتاب Entangled Life الذي يُناقش الفطريات وتأثيرها على الطبيعة، يستخدم العالم ميرلين شيلدريك وصفًا بسيطًا لكن مُعبر لإيضاح هذه الحقيقة، حيث يفتتح كتابه كالتالي «الفطريات موجودة في كل مكان لكنها غير مرئية بسهولة». الفطريات حرفيًا موجودة حولك الآن وأنت تقرأ هذه الكلمات، فجراثيم الفطريات تملأ الهواء، على سبيل المثال، فطر الأسبرغيلليس المُتسبب في عفن الخبز يُنتج من مليار إلى بليون جرثومة على مدار بضع أيام، بل إن بعضًا من هذه الجراثيم قد دخلت جسدك بالفعل لكن الجهاز المناعي تَعامل معها وتخلص منها.

لسوء الحظ، لا يُرى الفطر غالبًا إلا مُرتبطًا بأكثر صوره وضوحًا ووجودًا بالنسبة للبشر، وهو العفن، والفطريات معروفة تاريخيًا بتسببها في الكثير من جائحات نقص الطعام نتيجة لفساد المحاصيل. يَنعكس هذا على التصور الشعبي للفطريات، فهي كائن طفيلي ومُتسبب في الدمار، في لعبة The Last of Us الشهيرة على سبيل المثال، تُصور الفطريات على أنها السبب في حدوث الدمار لكوكب الأرض بسبب تحويلها الأشخاص لزومبي.

من الصعب تقدير دور الفطريات الخفي في الطبيعة، عادةً ما يُعرف الفطر بأنه أهم Decomposer (تعني الكلمة سياقيًا الكائنات الطبيعية التي تقوم بتحليل المواد العضوية وتحويلها إلى مصادر للمواد البنائية) في الغابات، وهذا لسببين، أولهما طبيعة نمو الفطر بخيوطه الطويلة التي تغطي مساحة كبيرة، مما تجعله قادرًا على مُعالجة الكثير من المواد بكفاءة، وثانيهما هو أن بعض أنواع الفطر تحتوي على مواد هاضمة لخشب الشجر، وهي خاصية مميزة بحد ذاتها.

يتكون الخشب من طبقات متداخلة ومرتبطة من الليجنين، لأن هذه الطبقات متداخلة بشكلٍ قوي، والروابط بينها مستقرّة جدًا، يُعتبر الخشب من أقوى المواد الطبيعية وأكثرها مقاومةً للتحلل. لكن نوعا من الفطريات المُحللة للخشب يمتلك أنزيمات تطورت مخصوصًا لتذويب الليجنين وفك روابطه، بعض هذه الأنزيمات حتى يمتلك القدرة على هضم الليجنين نفسه، مثل الأنزيمات الموجودة في عفن الخشب الأبيض، وتقوم هذه الفطريات بالحفر داخل طبقات الخشب الصلبة التي يحتاج البشر إلى معدات مخصصة لكسرها واختراقها.

ليس هذا سوى مثال على قدرة الفطر الاستثنائية على مُعالجة الموّاد وتحويلها، وهي ما تجعله كائنًا استثنائيًا في استغلاله للطبيعة، لحدود قد تصل إلى الغرابة الغير متخيلة أحيانًا. مثل الفطر المعروف بفطر النمل الزومبي، وهو فطر يُصيب النمل ويؤثر على تصرفاته بما يكون لمصلحة الفطر. في البداية تترك النملة المصابة قبيلتها، ثم تذهب نحو منطقة ذات حرارة ورطوبة مناسبة لنمو الفطر وغالبًا ما تكون هذه تحت فرع شجرة، حيث يقوم النمل بغرس مخالبه في الفرع وتثبيت نفسه. تلبث النملة مكانها أيامًا والفطر يستهلك جسدها من الداخل حتى تموت، بعد 4-10 أيام، تنمو أجساد فطرية من رأس النملة، وتقوم بتوزيع الجراثيم لتصيب نملة جديدة وتمد عملية التكاثر.

كان هذا الفطر بالتحديد الإلهام وراء فكرة الفطر المتسبب في الاختلال العصبي بلعبة The Last of Us، وهو أمر قد يبدو مفهومًا نوعًا ما إذا أخذنا في الاعتبار المصير القاسي الذي تواجهه النملة، والطريقة البشعة التي يستهلك بها جسدها. لكن الفطر والنمل لا يوجدان بمعزل عن الطبيعة، ولا يُمكن تفسير أي من تصرفات الفطر أو النمل بناءً على تصوراتنا عن معنى الحياة والموت والألم. فالفطر مسؤول عن الحد من نمو أعداد نوع من النمل معروف بشراسته وهيمنته في البيئة التي يعيش فيها، وهو أيضًا لا يقوم باستهلاك جسد النملة لوحده، فهو يترك هيكلًا قابلًا للاستهلاك من مختلف الكائنات الحية مثل البكتيريا والميكروبات الأخرى.

بالإضافة لذلك، فالبشر أنفسهم يستغلون قدرة الفطر على إصابة الكائنات الأخرى لمصلحتهم، من أنواع الفطريات الشهيرة فطريات قادرة على إصابة الحشرات الضارّة بنفس الطريقة، حيث تقوم الفطريات بالالتصاق بهيكل الحشرة الخارجي، ثم اختراقه للداخل، والتكاثر بداخل الحشرة حتى تُستهلك تمامًا وتموت. تُباع بعض سلالات هذه الفطريات في عبوات جاهزة تستخدم في الرش على المحاصيل مثل الطماطم وغيره، وتؤدي نفس دور المبيدات الحشرية في السيطرة على تأثير الحشرات الضارة على المحاصيل.

ليس من المنطقي تطبيق معاني وتصوراتنا البشرية عن الألم والمعاناة، في حين أن أول مضاد حيوي - وهو البنسيللين الذي اكتشفه فليمينغ وينتجه فطر البنسيلليوم – كان بالأساس سُمًا فطريًا يقضي على البكتيريا عن طريق تفتيتها، والفطريات من اهم المصادر للمواد السامة التي تستخدم كمضادات حيوية ضد البكتيريا والفيروسات بل وحتى الفطريات نفسها. ولطالما كان الموت جزءًا مهمًا من استمرار الطبيعة، والفطريات تقوم بهذا الدور بكفاءة.

كل أجزاء الخشب والأوراق التي سقطت في الغابات كانت على الأرجح ستظل موجودة لوقتٍ طويل قبل أن تتمكن الكائنات الحيّة الأخرى من إعادة تدويرها بنفس كفاءة الفطر، فتتحول أجزاء الخشب من مجرد قطع عضوية ضخمة بلا أي فائدة إلى مصدر للحياة. عندما يُترك الطعام ويُهمل، مثلما يشيع حدوثه في الخبز أو الفواكه المتروكة لوقت طويل، يكون على الغالب منسيًا وغير ذي فائدة بالنسبة لصاحبه والطبيعة في ذات الوقت، لكن الفطريات تتذكر هذا الطعام وتبدأ في تحويله وإعادة إدخاله لسلسلة الغذاء الطبيعية. من الممكن أن يُعيد هذا تشكيل تصوراتنا ومفاهيمنا البشرية للأشياء المهملة، بالتحديد في مسألة زيادتها عن حاجتنا أو عدم وجود منفعة حقيقية لوجودها، عادةً ما يتخلص البشر منها بإلقائها في القمامة. لكن هذه الأشياء هي بالأساس أجزاء ومكونات من الطبيعة حولها البشر إلى سِلع يستهلكونها، الملابس القديمة مثلًا عبارة عن أنسجة وألياف مستخرجة من القطن. في الظروف الطبيعية، مع موت نبات القطن، تعود مكوناته إلى الأرض من أول وجديد فتعالجها الكائنات المحللة مثل الفطريات ويدخل لسلسلة الحياة من جديد. لكن في حالة الاستخدام البشري، تنقطع هذه الدائرة، ويصير معزولًا عن فائدته للطبيعة.

لهذا توفر الفطريات فرصة لمعالجة هذه العلاقة بين المنتجات البشرية وبين الطبيعة، في حالة المُعالجة عن طريق الفطر، مثلما فعل القارئ الذي لم تُعجبه رواية كافكا، فحولها إلى شكلٍ آخر قابل للاستهلاك. ويُمكن تطبيق ذات المعالجة على أنواع أخرى كثيرة من المنتجات، الملابس القديمة، ودُمى الأطفال، والكتب بالطبع وغيره. كل هذه المنتجات توقفت عن أن تكون ذات معنى وقيمة يومًا ما، لكن الفطريات منحتها فرصة جديدة، ومنحت معها العالم موارد يحتاجها لينمو ويستمر في الوجود.

عمرو أحمد كاتب وصيدلاني