إنهم يقامرون بالعالم
22 أبريل 2026
22 أبريل 2026
المعتصم الريامي -
في الحرب التي تدور رحاها في منطقتنا -والتي تضع أوزارها مؤقتا في وقت كتابة هذا المقال- بين أمريكا وإسرائيل على إيران، والتي سرعان ما أشعلت المنطقة برمتها، وأضحت متابعة مجريات الحرب جزءا من يومياتنا، وأصبحت تصريحات -قبل أوامر- الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أهم ما يؤثر في مجريات الحرب كلها، وبمزيد من المتابعة والتدقيق وربط الأحداث، الذي قام به الكثير من المحللين والمراكز البحثية والمتابعين، وجدوا أن هناك من يستفيد أموالًا طائلة من وراء معرفته المسبقة بهذه التصريحات من دوائر ترامب قبل أن تخرج للعلن، فيراهنون على ذلك في أسواق المال، ويتلاعبون بها قصدًا، ويربحون منها الملايين. هناك أسواق للتراهن على هذه الأحداث، وهناك تداولات تقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات على أحداث هذه الحرب، نعم هي صفقات تراهن على حياة الناس وتدمير بلادهم، ونعم «حتى دم الموتى يباع ويشترى».
لنبدأ بحادثة مهمة تقرّب الصورة، ففي كل الحروب الحديثة تتأثر أسواق المال بأحداث الحروب، وفي هذه الحرب كان الضغط على أسعار النفط هائلا، فهو مرشح للزيادة في كل وقت، وهذا هو الأمر الطبيعي في ظل أن ثلث شحنات النفط إلى العالم تمر عبر مضيق هرمز الذي تفرض عليه إيران إغلاقًا شبه كامل، غير أن أحدهم -في لحظة ما- كانت لديه معلومةٌ مختلفة تهدئ من ارتفاع أسعار النفط، ففي يوم الاثنين 24 مارس، في الساعة 6:49 صباحا بتوقيت نيويورك، وفي بداية افتتاح أسواق المال، لم يكن هناك من حدث كبير يغير الأوضاع، ولا بيانات أو إعلانات أو أخبار تغير من وضع وأسعار النفط في العالم، بينما نشط أحدهم لشراء عقود آجلة من النفط الخام بقيمة 580 مليون دولار، وهو أكثر من تسعة أضعاف المتوسط المعتاد من العقود المتداولة في هذا الوقت، مراهنًا بهبوط أسعار النفط، أي أنه كأنه اشترى هذه الكمية الكبيرة من عقود النفط -رقميًا- وباعها بهذا السعر العالي مراهنا أنها ستهبط عما قريب، وبعد ربع ساعة نشر دونالد ترامب في منصته الاجتماعية «تروث سوشيال» أن المفاوضات مع إيران كانت مجدية، وأنه أجّل ضرباته ووعيده لإيران والجهود أثمرت نجاحًا، وبناء على ذلك نزلت أسعار النفط بشكل مباشر. وربح من باع بذلك السعر العالي أموالا طائلة في غضون ربع ساعة. ليكتشف الناس والأسواق فيما بعد أن كلام ترامب لم يكن صادقًا، وقالت المصادر الإيرانية إن ترامب يتفاوض مع نفسه ويتلاعب بالأسواق. هذه الحادثة تكشف عدة أمور، منها أن ترامب ، وفي أكثر من مرة، يعلن الأخبار المفرحة المطمئنة للناس والأسواق، عند افتتاح الأسواق يوم الاثنين. فمعظم الأسواق تكون في
عطلة يومي السبت والأحد وتفتتح صباح الاثنين، ويتعمد ترامب الإلقاء بوعيده وتصريحاته بالتصعيد في الحرب في أيام العطلات خاصة في الأسابيع الأولى للحرب، فلا تتأثر الأسواق وهي مغلقة، وقبيل افتتاحها ينشر ما يمكن أن يطمئنها ويؤجل انهيارها. وتكشف الحادثة أيضا أن الذي راهن بهذه الملايين في هذا التوقيت يبدو أنه يعرف شيئا أكيدًا قبل الجميع، وأنه استغلّ هذه المعرفة في زيادة ثرواته عبر منصات رقمية للتنبؤ بحركة الأسواق وأحداث العالم. وهذا ليس الرهان الأول أو الوحيد الذي ربح في هذه الحرب، فهناك من قام برصد عدة حسابات أنشئت كلها حديثًا، وكلها تربح من أحداث الحرب قبل وقوعها بشكل لافت وأن نسبة دقة توقعاتها ورهاناتها بين 93 و100%.
من هذه المنصات الرقمية المتخصصة في الرهانات، منصة «بولي ماركت Polymarket»، وهي منصة محظورة في كثير من الدول مثل معظم منصات التراهن، وكانت محظورة حتى في أمريكا، غير أن ترامب سمح لها مجددا بالعمل. وهذه المنصة -كغيرها- يراهن فيها الناس على حدث ما، من نتائج المباريات إلى أسعار النفط والذهب وأحداث الحروب وغيرها، ويربحون إذا صدف توقعهم وحدث، ويخسرون إذا لم يحصل. فمثلا يمكنك أن تتوقع أن يصل النفط إلى 80 دولارًا اليوم، وتضع مليون دولار لهذا التوقع، فستربح أضعاف ذلك إذا كان رهانك صحيحا، وبالأخص إذا كان ما تراهن عليه صعب الحدوث وعكس ما يتوقعه الناس. وهذه المنصة تدعم تحويل الأموال مباشرة بطرق وعملات مشفرة، غير قابلة للتتبع والمحاسبة. وهذا ما يجعلها مفضلة لكثير ممن يريد الهروب من وجه المتابعة والمساءلة، وهذا ما يجعلها أيضا جاذبة لكثير من الأموال الهاربة من الأنظمة والمؤسسات، ففي التوقعات الخاصة بالحرب على إيران وحدها كان هناك أكثر من 280 مليون دولار يتم الرهان عليها منذ بداية العام، أما سوق «الضربات الأمريكية على إيران» تحديدًا، فقد استقطب منذ إطلاقه في ديسمبر 2025 ما يتجاوز 529 مليون دولار.
وهذه المنصة بولي ماركت -على سبيل المثال- بقوانينها المتراخية تسمح بالرهان حتى على الاغتيالات. وهذه ما حدث فعلا، فهناك متداول غامض يدعى «ماجا ماي مان magamyman» (والاسم ينبئ بأنه من حركة MAGA الخاصة بترامب) راهن على اغتيال المرشد الإيراني السابق، علي خامئني في نفس التاريخ الذي اغتيل فيه وربح من هذا التوقع أكثر من 500 مليون دولار، بينما كانت 14% من الرهانات فقط تشير إلى احتمالية رحيل المرشد قبل نهاية مارس، وهنا مجددا يظهر أن أحدهم يضخ الكثير من المال ليراهن بقوة على شيء مختلف لا يتوقعه الناس ويصدف أن يحدث بعدها مباشرة، فيجني من وراء ذلك أرباحا طائلة، وتدور الكثير من الشكوك أنه قد يكون ابن ترامب. بل أن هناك شركة تحليل لمعاملات الرهانات هذه خلصت تحليلاتها أن متداولًا بعينه حقق ما يقارب مليون دولار من رهانات موقوتة بدقة شديدة، بما في ذلك رهانات وُضعت قبل ساعات من الغارات الإسرائيلية في أكتوبر 2024، والضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو 2025، وقبيل الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي المشترك في فبراير 2026 الذي أشعل فتيل الحرب الأخيرة، وهذا بالتأكيد ليس من الطبيعي أن يحدث وتنجح كل رهاناته حول الحرب، كما رصد محللون آخرون أن هناك 38 حسابًا على منصة التداول والمراهنات تعود لنفس الشخص وقد جنت الملايين من رهاناتها الدقيقة حول الحرب الحالية، وهذا يؤكد أن وراء كل هذه الرهانات من يعلم على وجه التأكيد بمجريات غرف اتخاذ القرارات. في نفس السياق، هناك رهانات في سوق آخر، وهو سوق الأسهم الأمريكية. فهناك مؤشر يقيس أداء أكبر 500 شركة في السوق الأمريكي، وهو مؤشر S&P 500، وسعره دائما يقل عند اشتداد الحرب لتأثير الحرب على هذه الشركات، ويرتفع لأي خبر مطمئن قد يوقف الحرب، وفي نفس توقيت صفقة النفط التي ذكرناها آنفا، كان هناك من اشترى عقودا في هذا المؤشر بأكثر من مليار ونصف دولار مراهنًا على صعودها وارتفاع سعرها، قبل خمس دقائق فقط من إعلان ترامب حول قرب نجاح مفاوضاته مع إيران، وكان شرائه في هذا التوقيت بالتحديد مربحًا جدا، قبل أن تكتشف الأسواق مجددا أن كلام ترامب حول المفاوضات لم يكن حقيقيا، مما يوحي أن الجهة المنفذة، والتي لديها كل هذا الكم من الأموال، كانت تعلم بأن خبرًا أو إعلانًا ما سيخفض أسعار النفط ويرفع الأسهم الأمريكية بعد دقائق قليلة متلاعبا بكل هذه الأسواق ومحققًا ربحًا سريعًا.
كل هذه الرهانات على حياة الناس وإشعال الحروب، ما كانت تواجه معارضةً شديدة في أمريكا، طالما أنها بعيدة عنها، لكن حينما تم الرهان على حياة الطيارَين الأمريكيين المفقودين في إيران، وحول احتمالات نجاتهم بعد ضرب طائرتهم في 4 أبريل الجاري، هنا اعترض الكثير من الصحفيين والنواب والمؤثرين والسياسيين الأمريكيين معتبرين أن ذلك «أمرًا مقرفًا» فماذا لو كان أحد المفقودين من عائلتك أو أصدقائك أو جيرانك، هل ستراهن بالملايين على موتهم؟ واعتبروا المنصة أنها سوقٌ للموت، وهذا ما دفع المنصة لحذف هذا الرهان والاعتذار فيما بعد، بينما كان هناك أكثر من 200 رهان آخر حول الحرب في إيران في نفس الوقت بقت كما هي، من بينها رهانات بتوقيت الهجوم البري، وهل تضرب إيران الإمارات بصواريخ اليوم؟ ومتى ستخرج جزيرة «خرج» من سيطرة إيران، ومتى سيتغير المرشد الحالي لإيران، والدول التي سيزج بها في الحرب الحالية! كل هذا يضعنا أمام الكثير من الجدل الأخلاقي والقانوني.
أما الأكثر إثارةً للجدل السياسي، فهو ما أشار إليه عدد من المشرعين في أمريكا، من أن ابن ترامب نفسه مستثمر في هذه المنصة «بولي ماركت» ومنصة مشابهة تدعى «كالشي»، وأن عائلة ترامب تخطط لإطلاق منصة تنبؤ خاصة أيضا، هذا التداخل بين مصالح عائلة الرئيس وأسواق الرهان على قراراته السياسية والعسكرية يمثّل إشكالية دستورية وأخلاقية بالغة التعقيد.
في منصات الرهانات هذه، وفي التلاعبات بأسواق المال، يتحول الصراع الوجودي وحياة الناس ومصير بلادهم إلى مجرد شيء من الأشياء، سلعة للتداول، «أصل مالي» قابل للمضاربة بيعًا وشراء -شكرا للرأسمالية-، وهذه الأسواق تختلف عن المراهنات والقمار التقليدي؛ فهي من الناحية النظرية تهدف إلى تجميع المعلومات المشتتة لدى آلاف البشر لتحويلها إلى «احتمالية» دقيقة، وهي تعتمد على «فرضية كفاءة السوق» والفكرة هي أن السعر الذي تراه على الشاشة هو «خلاصة» كل ما يتوقعه ويعرفه العالم في تلك اللحظة.
ولكن في سياق الأحداث الحالية، تحولت هذه الرهانات إلى مسألة مثيرة للجدل الأخلاقي والقانوني، فالشكوك شبه أكيدة حول أن مقربين من دائرة صنع القرار -وترامب على وجه التحديد- لديهم معلومات أكيدة حول ما سيتم اتخاذه من قرارات ويراهنون على هذا الأساس وهذا ما يبطل فرضية كفاءة السوق أصلًا.
بل وأبعد من ذلك، تقول بعض التحليلات أن متخذي قرارات الحرب قد يتخذون قرارًا أو يحجمون عنه ويفضلون إعلانًا أو موعدًا للحرب عن آخر حسب مقدار الكسب منه في أسواق المراهنات هذه، فيصبح هناك مقابلا ماديًا أكثر لقتل الناس، تخيل أن حربًا بهذا الحجم، تُزج فيها المنطقة والعالم، وحياة ومستقبل وآلام وآمال الملايين من البشر يُقامر بها في أسواق المال بكل هذه السهولة والقذارة، بل وتستغل، ويربح تجار الموت منها، هكذا دون رادع أو منظم أو قوانين ورقابة حقيقية.
المعتصم الريامي مطور ومهتم بالتقنية
