أسلحة العلوم وهندسة العجز
17 مارس 2026
17 مارس 2026
نوف السعيدي -
فُتح - في وقت ما من الثمانينات في الغالب - مسرح جديد للعمليات الحربية، وساحة متوقدة تظل نشطة حتى بنهاية النشاطات العسكرية، وموضوع الهجوم هذه المرة أقرب إلينا من أجهزة البيجر؛ عقولنا ما غيرها.
ثمة فكرة توّصل إليها العلماء في تلك الفترة جعلت اختراق الوعي والتلاعب به يتحول إلى مجال بحثي واعد (يعد بالكثير وعلى رأسه المزيد من البؤس البشري): أن التأثير على الإدراك والذاكرة - الذي يُمكن إحرازه بالعقاقير الكيميائية، أو التدخل النفسي-الفسيولوجي كالحرمان من النوم والصعق الكهربائي - يُمكن بلوغه، جزئياً على الأقل، عبر تعريض الناس لنسق مدروس من المعلومات. بمعنى، لا يحتاج البني آدم للتجويع والتخدير والحرمان ليصبح إدراكه للواقع مشوشاً؛ إنه لا يحتاج لأكثر من شاشة ينظر إليها طوعاً، وكفى الله المُخبرين القتال.
يُمكن الزعم أن الولادة الرسمية لمجال ”حروب الوعي“ تمت في مركز الابتكار التابع لحلف النيتو بالتعاون مع مؤسسة الوعي الفرنسية (ENSC) في 2013. ولادة أتت نتيجة لقاء علم السلوك والدماغ والنفس بحوسبة الشبكات. ليُقام في 2021 أول مؤتمر حول الموضوع.
استراتيجيات عديدة معتمدة على الإعماء والإغراق تؤدي لوعي مُثقل، وتستغل الإرهاق الإدراكي للتلاعب بآراء الناس أو شلِّ قدرتهم على الاستنباط ومنطقة الوقائع.
صحيح أن الدعاية الحربية وُجدت منذ القرن الماضي؛ للتعبئة، رفع المعنويات، والنيل من العدو، وصحيح أنه يُمكن النظر لحروب الوعي كامتداد لها، إلا أن البروباغندا تختلف عن حروب الوعي في مجموعة أمور:
- المجالات المعرفية المؤسسة: فيما تقوم الدعاية الحربية على معارف إنسانية مثل العلاقات العامة وعلم النفس، تقوم حروب الوعي على علوم طبيعية مثل علم الأعصاب والسلوك. هذا ليس تفصيلاً جانبياً، فعلم الأعصاب ركز على رسم خارطة لوظائف الدماغ، وطور بالتالي فهماً دقيقاً وقدرة نظامية على التدخل في النظام العصبي. يقودنا هذا إلى اختلاف آخر يخص الطبيعة التجريبية (الإمبريقية) لمعارف السلوك والإدراك والوعي، كما تُمارس اليوم.
- الاعتماد على البيانات: يُمكن لأجهزة وخوارزميات اليوم تتبع نشاطاتنا بدقة، إنها تجمع بياناتنا الأساسية، ترصد اهتماماتنا، تُصنف علاقاتنا الشبكية، تُسجل انفعالاتنا، ما الذي أوقف تصفحنا، أنماط استخدامنا، حركتنا، توجهاتنا السياسية، سماتنا الشخصية. ما يُمكن النقطة التالية.
-التخصيص في حروب الوعي: السيكوغرافيا (Psychographics) والاستهداف المجهري (Microtargeting). لدى الأنظمة اليوم السعة والقدرة على تنميط (Profiling) الجمهور.
أي رسم أصناف الشخصيات المختلفة، واستهدافها كلاً حسب التكتيكات التي تناسبها. فبينما يعتمد التنميط الديموغرافي على العمر، والجندر، أو حتى معلومات أعقد كالمستوى التعليمي والمهنة، تقوم التنميطات النفسية على تحديد ليس الاهتمامات وأسلوب الحياة فحسب، بل ونقاط الألم، والتكنيكات النفسية الأنجع للتعامل مع كل نمط.
- الهدف: على عكس الدعاية، لا تهدف استراتيجيات حروب الوعي للإقناع دائماً، غالباً ما تسعى لإرهاق الوعي حد التعجيز والشل، عبر الإغراق بالمعلومات والروايات المتعارضة، لحد يصنع الارتباك بل والبلادة. ولأن التثبت غير ممكن، وممايزة الواقع من الخيال متعثرة، يُقتل أي حافز للسعي نحو الحقيقة، وتنتج حالة من التسليم السلبي. الكاتب دارا عبدالله يُوصّف هذه الظاهرة فيما يسميه ”العمى الإدراكي“ (في مقاله المنشور على الفراتس) بالقول أن ”إرادة الإدراك“ تُصاب ”باكتئاب معرفي“ تُفقد المرء قدرة تقييم المشهد العام للأدلة.
- صناعة بيئة معلوماتية مهندسة: يُدرك المختصون أنه في حالات الحمل الإدراكي والمعرفي العالي، يرّشح الانتباه الانتقائي معلومات قيّمة وجوهرية. تستغل البيئات المهندسة هذا الأمر للتوجيه النظامي للمعلومات التي يتم تجاهلها. تُستغل أيضاً حقيقة أن الانفعالات العاطفية تلقائية، سريعة، وغير واعية إلى درجة كبيرة. يُستغل هذا التأثير المشوِش لإعاقة معالجة المعلومات، بحيث يُعاق ضم المعلومات اللحظية بتكامل مع الذاكرة طويلة الأمد. للمزيد يُمكن العودة لورقة الباحث ألفارو باستور Alvaro Pastor التي يُمكن أن يُترجم عنوانها إلى ”حرب الإدراك: أسلحة علوم الدماغ والسلوك“ وهذا يُحيلنا إلى اختلاف ضمني آخر، يتعلق بالوسيلة.
- الوسيلة: بينما يُمكن أن تعمل البروباغندا بفعالية عبر وسائط مثل التلفاز بنشراته الأخبارية، وبرامجه ومسلسلاته، أو الصحف، أو الأفلام السينمائية. لا تعمل حروب الإدراك بفاعلية إلا في وجود الهاتف، حيث يُمكن التحكم بدفق المعلومات، وكميتها، ونوعها، وتسلسلها. بالأفراد الذين يظهرون لك، وتخمين ما يستفزك، أو يُبقيك منهمكاً في تتبع ما يحصل على منصة التواصل التي تستخدم.
- شبكية العلاقات: استبدال العلاقة الثنائية بعلاقات شبكية، بمعنى أن باقي الأفراد جزء من دينامية العلاقة. ودراسات الأنظمة المعقدة Complex Systems والأنظمة المتكيفة Adaptive Systems مهمة في هذا الصدد. فالمنهج الذي تتخذه هذه الدراسات هو تحري العلاقات بين عناصر النظام وأجزاءه، وكيف تؤدي في النهاية إلى السلوكيات الجماعية للنظام.
نحن مجبولون على صناعة المعنى. إننا نتحراه في كل شيء. ونقضي عمرنا نضم مشهداً إلى آخر، وذكرى إلى سابقتها؛ لصياغة سردياتنا عبر سلسلة من الأحداث، الأسباب والمسببات، والمعلومات التي نتحصل عليها بكل طريقة من الإعلام الرسمي للنمائم السرية. السرديات تسحرنا للحد الذي نصدق أنها تُقدم لنا ”حقيقة“ ما. تعتمد الدعايات الحربية لا على سحر القص وحده؛ إنها تُعول أيضاً على ما كشفته لنا الأبحاث من أن التعرض المستمر لرواية ما يُعزز مصداقيتها في تصورنا، بغض النظر عن ثبوتها.
المهمة الأساسية لحروب الإدراك هو إقناعك بالقصة، فإن تعذر ذلك فتعطيل قدرتك على الإيمان بأي قصة على الإطلاق. وتبعات الثانية أشد، لأن الأولى تقوض أو تثبت، تتبنى أو تترك، بظهور أدلة جديدة، ويُمكن اعتناقها بإخلاص، أو تغيير وجهة النظر في وقت لاحق. أما الحالة السلبية الثانية فإنها تنتج إنساناً يرى بعينيه الجريمة، مسجلة ومصورة عبر ضحاياها أو مرتكبيها، فلا يعرف إن كان ما يراه حقيقي، ثم لا يعرف إن كان ما يراه يعني ما يظن أنه يعنيه.
لا استطيع التفكير - من أجل النجاة من هذه الحالة - بأفضل من الانسحاب من الإيقاع السريع والمهندس لتلقي المعلومات، وتخصيص جهد أكبر في البحث المعمق، والقراءة الجادة، متابعة الوثائقيات المطولة، والمقابلات المفصلة لفهم أعمق يمنحنا شيئا من الثقة فيما تلتقفه حواسنا.
