No Image
عُمان الاقتصادي

اللغز المستمر للنمو الاقتصادي

15 يوليو 2026
15 يوليو 2026

أندريس فيلاسكو

وصل كير ستارمر إلى رئاسة وزراء المملكة المتحدة واعدا بإعادة إطلاق عجلة النمو الاقتصادي لكن بعد أقل من عامين تراجعت شعبيته بصورة حادة، وأصبح خروجه من السلطة يبدو أقرب إلى الحتمية. ومن بين الأسباب العديدة التي قادت إلى هذا التراجع أن الاقتصاد البريطاني لم يشهد الانطلاقة التي وعد بها. يحب السياسيون أن يوحوا بأنهم يملكون مفاتيح النمو الاقتصادي، غير أن الانخفاض الحاد في شعبية ستارمر يكشف أن هذه الفكرة لم تعد تقنع كثيرين، أما الاقتصاديون المتخصصون في اقتصاد التنمية، فهم لا يدّعون أصلا أنهم يعرفون الأسباب الجذرية للنمو. فمنذ نحو ربع قرن، خلصوا إلى أن سؤال: لماذا تصبح بعض الدول غنية فيما تبقى أخرى فقيرة؟ هو سؤال بالغ التعقيد يصعب الإجابة عنه.

وبدلا من ذلك، انشغل كثير منهم بأسئلة من قبيل: إذا منحتَ سكان القرى دجاجة أو خنزيرا، فهل سيصبحون أقل فقرا بعد عامين؟ وإذا عولج الأطفال من الديدان المعوية، فهل ستتحسن نتائجهم الدراسية؟ تلك هي الأسئلة التي استحوذت على اهتمام بعض أبرز العقول في اقتصاد التنمية. وكما يؤكد لانت بريتشيت الأستاذ الزائر في كلية لندن للاقتصاد، منذ سنوات، فإن ذلك يمثل سوء تخصيص هائلا للمواهب العلمية.

وفي الوقت الذي انشغل فيه بعض الاقتصاديين بهذه القضايا، كانت الدول وقادتها يجرّبون سياسات مختلفة على أرض الواقع، وجاءت النتائج متباينة، ففي عام 1978، أطلق الزعيم الصيني آنذاك دنغ شياو بينغ سياسة «الإصلاح والانفتاح»، التي قادت إلى أسرع معدل للنمو الاقتصادي في التاريخ الحديث، ومنذ ذلك الحين ارتفع، بعد احتساب التضخم، دخل المواطن الصيني العادي إلى عشرين ضعفا، وخرج مئات الملايين من دائرة الفقر. وقبل خمسة وثلاثين عاما، بدأت الهند، وهي عملاق سكاني آخر، مسارا إصلاحيا مشابها ولم تكن النتائج بمستوى التجربة الصينية، لكنها ظلت لافتة إذ أصبح متوسط دخل المواطن الهندي الحقيقي اليوم يقارب خمسة أضعاف مستواه عام 1991.

ولا يقتصر الأمر على الملاحظات الفردية، فقد أظهرت دراسة حديثة أن الإصلاحات الاقتصادية الشاملة غالبا ما تسبق فترات تسارع النمو، إلا أن الغالبية الساحقة من هذه الإصلاحات لا تؤدي أصلا إلى تسارع اقتصادي، فالسياسات الجيدة شرط ضروري لكنها نادرا ما تكون شرطا كافيا وإذا بدا ذلك محبطا، فهو كذلك بالفعل.

ومع ذلك، ليست الصورة قاتمة بالكامل فقد قدم فريق آخر من الاقتصاديين، من بينهم الحائز على جائزة نوبل فيليب أغيون، بعض المفاتيح لفهم لغز النمو الاقتصادي. ويكمن السر، بحسب هؤلاء، في تحسين الإنتاجية، التي لا يمكن أن تتحقق على المدى الطويل إلا من خلال الابتكار التكنولوجي، غير أن الابتكار يحتاج بدوره إلى ما يسميه الاقتصاديون «الريع الاقتصادي»؛ أي أرباح استثنائية تتجاوز بكثير تكاليف الابتكار، بما يوفر حافزا للمبتكرين. لكن إذا أصبحت هذه الأرباح مفرطة، فإن الشركات القائمة قد تستغل نفوذها الاقتصادي والسياسي لمنع المنافسين الجدد من الابتكار. وهنا تكمن معادلة دقيقة لا تنجح سوى قلة من الدول في تحقيقها.

وفي الدول النامية، نادرا ما تنخرط الشركات في الابتكار التكنولوجي الرائد الذي قد يفضي إلى ظهور شركة جديدة بحجم غوغل أو أنثروبيك. ولذلك، فإن مهمتها الأساسية تتمثل في تبني التقنيات المطورة في الخارج وتكييفها مع ظروفها المحلية. غير أن هذه المهمة بدورها أثبتت أنها أكثر صعوبة مما كان يُعتقد. فقد حققت الدول النامية تقدما كبيرا في كثير من العوامل المرتبطة بالنمو. فمستويات التعليم ارتفعت، ومتوسط العمر المتوقع تحسن، ومعدلات الاستثمار ازدادت، كما أصبحت المؤسسات في كثير من البلدان أقوى مما كانت عليه قبل جيل واحد. ومع ذلك، ظل تقارب مستويات الدخل مع الاقتصادات المتقدمة بطيئا للغاية، بل غائبا في معظم الحالات.

ويرى الاقتصادي في جامعة هارفارد ريكاردو هاوسمان أن التفسير الأكثر إقناعا لهذه المفارقة يكمن في بطء انتقال التكنولوجيا. فالأفكار قد تعبر الحدود في لحظات، أما القدرات الإنتاجية فلا تنتقل بالسهولة نفسها. فمن السهل تحميل كتيبات الهندسة من الإنترنت، لكن مجرد قراءتها لا يجعل من أحد مهندسا. فلا يمكن الوثوق بشخص لبناء جسر ما لم يقضِ سنوات يعمل إلى جانب مهندسين، يكتسب منهم المعرفة والخبرة العملية اللازمة.

إن حل لغز لماذا تصبح بعض الدول غنية بينما تبقى أخرى راكدة ليس مهمة سهلة، لكنه لا يختلف في صعوبته عن علاج السرطان. ومع ذلك، لم يمنع هذا علماء الأحياء والكيميائيين الوراثيين والأطباء من مواصلة البحث، وقد أحرزوا تقدما، وإن كان بطيئا. والاقتصاديون أيضا حققوا تقدما، وإن كان أبطأ. وسيواصلون التقدم ما داموا يركزون على الأسئلة الصحيحة. فالتحدي الحقيقي، كما يقول بريتشيت، هو إدماج الناس في دائرة الإنتاجية. وقد تبدو هذه المهمة معقدة ومحبطة، لكنها تظل أقل إحباطا من مواصلة قراءة الأبحاث الأكاديمية عن الدجاج والخنازير، بينما لا يزال مليارات البشر يعيشون في الفقر.

غير أن الابتكار يحتاج بدوره إلى ما يسميه الاقتصاديون «الريع الاقتصادي»؛ أي أرباحا استثنائية تتجاوز بكثير تكاليف الابتكار، بما يوفر حافزا كافيا للمبتكرين. لكن إذا أصبحت هذه الأرباح مرتفعة أكثر من اللازم، فقد تلجأ الشركات القائمة إلى توظيف نفوذها الاقتصادي والسياسي لعرقلة الابتكار الذي يسعى إليه المنافسون الجدد. وهنا تكمن معادلة دقيقة لا تنجح سوى قلة من الدول في إدارتها بالشكل الصحيح.

وفي البلدان النامية، نادرا ما تنخرط الشركات في الابتكار التكنولوجي الرائد الذي قد يفضي إلى ظهور شركة جديدة بحجم جوجل أو أنثروبيك. ولذلك، تتمثل مهمتها الأساسية في تبني التقنيات المطورة في الخارج وتكييفها مع ظروفها المحلية. إلا أن هذه المهمة بدورها أثبتت أنها أكثر صعوبة مما كان يُعتقد.

إن القدرات الإنتاجية تكون في الغالب مرتبطة بقطاع اقتصادي محدد، ولا تتطور إلا عندما ينشأ طلب حقيقي عليها داخل ذلك القطاع. ولهذا السبب، لا يوجد صُنّاع الكمان المحترفون إلا في البلدان التي تمتلك صناعة للكمان. ولهذه الحقيقة انعكاسات مباشرة على السياسات العامة. فالأسواق وحدها قد لا تخلق القدرات اللازمة للارتقاء التكنولوجي. ولذلك، تحتاج الحكومات إلى تنسيق الاستثمارات، وتوفير السلع العامة الخاصة بكل قطاع، ودعم برامج التدريب المتخصصة، وتهيئة بيئة تكافئ الابتكار، من دون أن تسمح للشركات القائمة بمنع المنافسة أو إقصاء الداخلين الجدد إلى السوق.

إن حل لغز لماذا تحقق بعض الدول الثراء بينما تبقى دول أخرى راكدة ليس مهمة سهلة. لكنه لا يختلف في صعوبته عن علاج السرطان. ومع ذلك، لم يمنع ذلك علماء الأحياء والكيميائيين والوراثة والأطباء من مواصلة البحث، وقد أحرزوا تقدما، وإن كان بطيئا. والاقتصاديون أيضا أحرزوا تقدما، وإن كان بوتيرة أبطأ. وسيواصلون التقدم ما داموا يركزون على القضايا الصحيحة. فالتحدي الحقيقي، كما يقول بريتشيت، هو إدماج الناس في دائرة الإنتاجية. وقد تبدو هذه المهمة معقدة ومحبطة، لكنها تبقى أقل إحباطا من مواصلة قراءة الأبحاث الأكاديمية عن الدجاج والخنازير، بينما لا يزال مليارات البشر يعيشون في الفقر.

أندريس فيلاسكو شغل سابقًا منصب وزير المالية في تشيلي، ويشغل حاليًا منصب عميد كلية السياسات العامة في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية